الجوانب الخفية في خلاف رئيس الحكومة ووزير الفلاحة

الاربعاء 28 أكتوبر 2015

طرحت المادة 30 من مشروع قانون مالية 2016 نقاشات كبرى بين أقطاب الحكومة، انطلاقا من كونها تروم سحب البساط من تحت رئيس الحكومة وتخويل وزير الفلاحة صفة الآمر بصرف نفقات وقبض موارد صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية.
وكما هو معلوم، فإن رئيس الحكومة يعتبر هو الآمر بصرف أموال هذا الصندوق، المؤسـَّس بمقتضى المادة 44 من قانون مالية سنة 1994، رغبة في ضبط حسابات العمليات المتعلقة بالتنمية القروية؛ لكن مشروع قانون مالية 2016 نص على تخويل وزير الفلاحة صفة الآمر بالصرف، مما أثار نقاشات كبرى بين قطب معارض وآخر مؤيد. من هذا المنطلق، يمكن إبداء الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: لماذا كل هذا النقاش حول من تعود إليه صفة الآمر بالصرف؟ فالمشكل ليس في صفة الآمر بالصرف، لأن عدة حسابات خصوصية للخزينة يعدُّ وزير الداخلية أو وزير المالية هو الآمر بصرفها؛ فلماذا هذا الصراع مادام الحساب الخصوصي جاء بهدف خدمة المصلحة العامة، بغض النظر عن صفة الآمر بالصرف طالما أن الوزراء ينتسبون إلى الحكومة نفسها، باستثناء ما إذا كان توظيف تلك الحسابات سيتم لخدمة أجندة خاصة أو مصالح ضيقة أو ولاءات معينة..؟
الملاحظة الثانية أن تعبير رئيس الحكومة عن عدم علمه بتحويل صفته إلى وزير الفلاحة، هو غير مبرر إطلاقا، لأن مشروع قانون المالية مرَّ من المجلس الحكومي، ثم من المجلس الوزاري يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2015 بحضوره، اللهم إذا كان إدراج المادة 30 تم في وقت لاحق، وهذا سيناريو مستبعد، حيث لا يمكن لوزير المالية تجاوز ما ورد في المجلس الوزاري. وإذا افترضنا جدلا أن رئيس الحكومة لم يكن على علم بذلك، فكيف يمكن استيعاب كونه لم يـُخبـَر به من قبل الوزير المكلف بالميزانية الذي له دور إحاطته علما بموضوع من هذا القبيل، خصوصا إذا استحضرنا أن الوزير المكلف بالميزانية ينتمي إلى حزب رئيس الحكومة؟
الملاحظة الثالثة: هناك تضخيم للمخصصات المالية للصندوق؛ فعلى عكس ما يروجه الكثير من أن الصندوق يتوفر على 55 مليار درهم، لا نجد هذا الصندوق يحتوي سوى على حوالي 1,3 مليار درهم، أما الـ55 مليار درهم فهي المبلغ الإجمالي لبرنامج تقليص الفوارق الترابية والاجتماعية في العالم القروي، منها 50 مليار درهم مخصصة للبنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، ثم إن مبلغ الـ1,3 مليار درهم لن يغطي مثل هذا البرنامج، كما أنه ليس من الضخامة بحيث يثير كل هذه النقاشات، إذ هنالك صناديق خصوصية أخرى أولى بالنقاش، لأنها تتوفر على أضعاف مضاعفة من هذا المبلغ، ومع ذلك تغيب عن النقاش، مثل الصندوق المسمى حصة الجماعات الترابية من حصيلة الضريبة على القيمة المضافة، الذي يستحوذ لوحده على 23 مليار درهم، والصندوق الخاص بشراء وإصلاح معدات القوات المسلحة الملكية، الذي يحتوي على 10 ملايير درهم، وهما معا يشتملان على 33 مليار درهم، أي نصف الاعتمادات المرصودة لمجموع الحسابات الخصوصية للخزينة (66 مليار درهم)؛
الملاحظة الرابعة أن المادة 30 تنص على إمكانية إسناد صفة «آمرين مساعدين لوزير الفلاحة» إلى الولاة والعمال، وكذا إلى بعض رؤساء المصالح الخارجية، فلماذا تم إسناد الاختصاص إلى وزير الفلاحة، بينما كان من الأولى تخويل وزير الداخلية صفة الآمر بالصرف، لأنه أقرب إلى الولاة والعمال من وزير الفلاحة؟
عموما، هذا النقاش يخفي في الواقع إشكالات كبرى تعرفها الحسابات الخصوصية للخزينة، وذلك نظرا إلى خصِّها بموارد واعتمادات ضخمة، تتجاوز الاعتمادات المرصودة للاستثمار العمومي، حيث أصبحت الحسابات الخصوصية بمثابة الأصل، رغم أنها ولدت استثناء، نظرا إلى حجم الاعتمادات وتزايدها سنويا.
كما أن العديد من الحسابات التي تم أنشاؤها، يمكن تدبيرها انطلاقا من الميزانية العامة، لأنها هي الأصل، وغيرها هو الاستثناء، حيث لا توجد ضرورة ملحة تستدعي تدبيرها ماليا من خلال الحسابات الخصوصية، وما يؤكد ذلك هو إنشاء العديد من الحسابات دون تفعيلها منذ عقود، إذ يتواتر إدراجها سنويا في قوانين المالية دون تحريكها، مما يطرح مسألة الجدوى من إحداثها أصلا.
كما قد لا نفهم الجدوى أو المصلحة من إنشاء بعض الحسابات، فهل فعلا يكون ذلك بداعي المصلحة العامة؟ أم إنها تعد آلية ذكية تزكي تفوق السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، ومدها بالوسائل والإمكانيات التي تمكنها من تنفيذ سياساتها بحرية بعيدا عن المراقبة السياسية والقضائية؟ أم إنها وسيلة لقضاء مآرب أخرى؟
لكل هذه الأسباب، نعتقد أنه ينبغي أن تكون هناك إرادة سياسية ومالية لإصلاح هذا الجانب الخفي من ميزانية الدولة، انطلاقا من تقوية القواعد المنظمة لتدبيرها وتكريس شفافيتها، وتطوير شروط ممارسة الرقابة عليها، وتحسين مقروئيتها، وتقييد مجالات إنشائها وتدخلها، بالإضافة إلى تقوية الصلاحيات المالية لممثلي الأمة في إحداثها ومناقشتها والتصويت عليها.
 
جريدة المساء


معرض صور