المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الجرائم الإسرائيلية في غزة والمسؤولية القانونية للمجتمع الدولي

الجمعة 23 نونبر 2012

الجرائم الإسرائيلية في غزة والمسؤولية القانونية للمجتمع الدولي
 
قامت القوات الاسرائيلية بارتكاب هجمات عسكرية عدوانية  من خلال قصفها للمدنيين في قطاع غزة طيلة الأسبوع الأخير والتي خلفت حوالي 140 من القتلى و أكثر من 1100 من الجرحى اضافة الى تدمير المساجد والمنازل والبنيات التحتية.
إن الأعمال العدوانية الاسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، يمكن اعتبارها إحدى المحددات الرئيسية لرسم صورة مكتملة المعالم لحالة الفوضى العارمة التي تعرفها الأوضاع الدولية الراهنة، وتؤكد بشكل ملموس بأن اسرائيل هي نموذج حقيقي للفوضى الدولية وعدم الاكتراث بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وذلك بتكريس واقع القوة العسكرية كوسيلة الحسم النهائي للازمات الدولية ووضع الجماعة الدولية ومجلس الأمن أمام محك الحقيقة، حقيقة وجود دولة تشكل تحديا واضحا لمنظمة الأمم المتحدة في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الأساسية للشعب الفلسطيني على نحو تخالف الشرعية الدولية ومبادئ العدالة والإنصاف.
ولكن ما يلفت النظر  بشدة فهو استمرار صمت القوى الدولية اتجاه جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تقوم بها إسرائيل في إطار مؤامرة تستهدف  الإنسان الفلسطيني .
إن  العمليات العدوانية الاسرائيلية على قطاع غزة استهدفت قصف المدنيين بالصواريخ في الأحياء الآهلة بالسكان وذهب ضحيتها عدد كبير من القتلى والجرحى من الأطفال والنساء وبقاء العديد من الضحايا  تحت الانقاض، إضافة إلى استعمال إسرائيل لمواد محظورة دوليا مثل الفوسفور الأبيض الذي يخلف حروقا من الدرجة الثالثة، وهو ما ينتهي بنا إلى التأكيد على أن  الأعمال العسكرية الاسرائيلية تتوفر فيها أركان جرائم الحرب والجرائم ضد الا نسانية، حيث أن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تمثل حجر الزاوية لضمان حماية الشعب الفلسطيني من بطش الآلة العسكرية الاسرائلية، وذلك بتحريم الاعتداء على المدنيين أو مهاجمة أو تدمير المنشآت الضرورية لحياة المدنيين كالبيوت والمدراس وسيارات الإسعاف والمستشفيات والطرق والجسور ومحطات توليد الكهرباء وقنوات المياه ومنع استهداف المنشآت الثقافية وأماكن العبادة.
فالباب الثاني والباب الثالث من الاتفاقية الرابعة يفرض على دولة الاحتلال العمل على  ضمان السلامة الأمنية لسكان الأراضي المحتلة وحمايتهم من جميع أساليب القتل والأعمال الانتقامية، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 يقضي بأن توفر دولة  الاحتلال مواد الإغاثة والأدوية والمواد الأساسية الضرورية  للبقاء على قيد الحياة للسكان المدنيين المتواجدين في الأراضي المحتلة.
هذا في حين أن الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبتها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني أدت إلى قتل الأطفال كفئات تضمن لهم حماية خاصة إضافة إلى تقتيل المئات من المدنيين في قطاع غزة وحصد المزيد من القتلى والجرحى خصوصا في صفوف الأطفال والنساء وفرض حصار يهدف  تجويع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وهو ما يؤكد بما لايدعو إلى الشك أن هناك سياسة ممنهجة إسرائيلية للقضاء على الشعب الفلسطيني، بل إن إسرائيل استعملت جميع الوسائل لهدم المساجد وهناك بعض الشهادات  أكدت أن قوات الاحتلال قتلت حتى الماشية وأحرقت المزارع والأشجار.
إن أحكام القانون الدولي الإنساني تجرم به القوات الإسرائيلية بشن الهجمات العشوائية ضد الأهداف المدنية الفلسطينية وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين بإنشاء مناطق وأماكن آمنة تأوي النساء والأطفال والعجزة وتأمين المواد الغذائية ومواد الإغاثة الضرورية لصحة المدنيين والحوامل والأطفال، وهو ما يثير المسؤولية القانونية للمجتمع الدولي والمسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين.
إن منع وصول مواد الإغاثة الإنسانية والدواء للمواطنين العزل والضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة يشكل أيضا انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني، فالمادة 14  من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 تمنع تجويع المدنيين كأسلوب  من أساليب القتال وتمتع حرمان وصول المواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة مثل المواد الغذائية والأدوية ومواد الإغاثة الأولية.
في نهاية المطاف، فالعمليات العدوانية الاسرائيلية تشكل إنتهاكا جسيما للقانون الإنساني المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف الأربع لسنة1949 والبروتوكولان الإضافيان لسنة 1977 والمصادق عليه من طرف الدول الأطراف السامية هي ضوابط أخلاقية أخذت شكل أدبيات مادامت الجرائم ضد المرتكبة الإنسانية الخروقات الخطيرة والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت من إسرائيل لم تدفع الدول الأوروبية السامية المصادقة إلى تجريم إسرائيل.
ففي الباب الخاص بقمع المخالفات العديدة، إن المواد من 49  إلى 52 من الاتفاقية الأولى و50 إلى 53 من الاتفاقيات الثانية و129 إلى 131 من الاتفاقية الثالثة و146 إلى 149 من الاتفاقية الرابعة تؤكد أن توقيع الجزاء رهين بالسلطات الداخلي للدول وعقوبة الانتهاكات الجسيمة هي مجال خصب للإدارة السياسية للدولة، إذ أن هذه الأخيرة ذاتها التي تقوم بالتحقيق وتقرر عقوبة خروقات مسؤوليها السياسيين والعسكريين انطلاقا من تشريعاتها الوطنية.
إذ تنص المادة 49 من الاتفاقية الأولى بأن تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ الإجراءات لفرض عقوبات جزائية على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف المخالفات الجسيمة، ويلتزم كل طرف متعاقد بملاحقة المتهمين باقتراف هذه المخالفات وبتقديم إلى المحاكمة، كما أن المادة 51 من نفس الاتفاقية تؤكد من جهتها بأنه  "لايجوز لأي طرف متعاقد أن يتحلل من المسؤوليات التي تقع عليه فيما يتعلق بالمخالفات المشار إليها".
ولعل هذا الجانب يستدعي إثارة المسؤولية القانونية للمجتمع الدولي من جهة أولى فيما يخص الأعمال العدوانية الإسرائيلية في قطاع غزة والمسؤولية الجنائية للمسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين أمام العدالة الجنائية من جهة ثانية.
فالسياسة الإجرامية الممنهجة لإبادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة مع سابق الإصرار والترصد يمكن ملامستها في كون إسرائيل منعت الصحافة الدولية ومختلف وكالات الأخبار الدولية من الدخول إلى قطاع غزة وبقيت الوسيلة الوحيدة لنقل صور القطاعات والجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني هم المراسلون الفلسطينيون لمختلف القنوات الدولية والذين تعرضوا أيضا للهجمات الإسرائيلية كما هو الشأن بالنسبة بمراسل القناة الثانية وتعرض مجموعة من القنوات إلى قصف الطائرات خلف جروح في صفوف الصحافيين وتدمير قناة البحرين.
فالأسلحة الفتاكة التي استعملها الجيش الإسرائيلي، ومنها القنابل الفوسفورية، كانت تطلق درات جد دقيقة كانت تصيب الجسد على المستوى الخارجي، بينما تدمر خلايا الأعضاء الداخلية كالكبد والشرايين، خاصة الكبيرة منها، فتحدث بها ثقوبا يسبب حروق تؤدي حتما إلى وفيات بعد أسابيع.
وأكد مصدر طبي ذاته على أن معاينة الضحايا تشير إلى أن 80 بالمائة هم من النساء والأطفال مما يعني أن إستراتيجية حرب إسرائيل كانت جد مدروسة وتستهدف إبادة فئات معينة من المجتمع كالأطفال (ضرب مدراس الأنزوا) وجعل آخرين معاقين حركيا مضيفا أن الحرب طرحت مسألة مثيرة، على الأقل بالنسبة للأطباء، حيث كان كل يوم من القصف يتميز بنوع معين من الإصابات، فعندما نستقبل صباح اليوم مثلا حالات إصابة في الجزء السفلي للأشخاص، فإن ذلك يكون مؤشرا على أن باقي الإصابات في ذاك اليوم ستكون مشابهة وهكذا في باقي الأيام.
إن إثارة المسؤولية القانونية للمجتمع الدولي من خلال الأعمال العدوانية على قطاع غزة  يجرنا إلى الجزم بوجود تخاذل المجتمع الدولي في ضمان  حماية حقوق الإنسان الأساسية لشعب الفلسطيني، وهي مسؤولية تقع مباشرة على عاتق مجلس الأمن والدول الأعضاء والأمم المتحدة، التي كان من المفروض عليهما أولا نشر قوات دولية انطلاقا من مقتضيات الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة لحماية المدنيين الفلسطينيين وعدم الاكتفاء بالتنديد والادانة لوقف العدوان .
ومن جانب آخر فوضع إسرائيل محل المساءلة القانونية بوصفها شخصا دوليا هو أمر ثابت مادامت الخروقات والإنتهاكاتها الجسمية لمبادئ الحماية الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تشكل جرائم دولية متكاملة الأركان تروم إجهاض حقوق الشعب الفلسطيني في الوجود وفي تقرير المصير، وفق ماجاء في المادة الأولى من إعلان 1514 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 دجنبر 1960، الذي يعتبر إخضاع الشعوب للاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله يشكل إنكارا لحقوق الإنسان الأساسية ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويعيق قضية السلام والتعاون العالميين.
إضافة إلى ذلك فقانون تقنين مسؤولية الدول الصادر عن لجنة القانون الدولي قد  يشكل وثيقة أساسية لتجريم إسرائيل، حيث أن المادة 19 تعتبر انتهاكات الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان وحق  الشعوب وتقرير المصير تشكل جريمة دولية وتمس المصلحة العامة المشتركة للجماعة الدولية في مجملها.
وعلى هذا النحو، فقانون 1996 المتعلق بتقنين المسؤولية بتكامل مع المادة 53 من  قانون روما المتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، إذ أن وجود مصلحة عامة مشتركة للجماعة الدولية هو ما خول مجلس الأمن التوفر على  سلطة إحالة، أي قضية تعرف ارتكاب جرائم  ضد الإنسانية أو جرائم حرب أمام المدعي العام للمحكمة من منطلق دوره كجهاز أمني يروم الحفاظ على السلام والأمن الدوليين كما كان الشأن بالنسبة لقضية دارفور.
في الحقيقة، أمام تناقضات السياسة في التعامل مع القضايا الدولية، فإمكانية متابعة المسؤولين عن ارتكاب قظاعات غزة متاحة،  وذلك بموجب المادة 5 من  اتفاقية روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية التي يسري اختصاصها الموضوعي على الجرائم المرتكبة من طرف القوات العسكرية الإسرائيلية في  قطاع غزة، والتي تتوفر فيها أركان الجرائم ضد الإنسانية (المادة 7)، وأيضا جرائم الحرب (المادة 8)ا

يوسف البحيري / استاذ القانون الدولي بكلية حقوق مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
يوسف البحيري / استاذ القانون الدولي بكلية حقوق مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل