المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الجذور التاريخية لفنّ الحلقة في جامع الفنا بمدينة مراكش

السبت 26 مارس 2016

نشأة “الحلقة” كفضاء للعروض الفنّية (الغنائية و الموسيقية و الحكواتية و المسرحية..) كان في مرّاكش بداية، ثم انتشرت بعد ذلك في مختلف المدن و الأسواق بالبوادي في المغرب بأسره ، و كان لنشأة “الحلقة” ارتباط وثيق بالظاهرة “القايدية” منذ منتصف القرن التاسع عشر، و بذلك ارتبط ظهور أو تطور بعض الفنون بالحلقة و بالظاهرة “القايدية” . و كان ارتباط فنّ “الرّوايس” أو ” تيرّويسا ” بالحلقة بسبب ارتباط نشأة فنّ “الرّوايْس” بالبحث عن الدّخل المالي، و بتقديم العروض الفنية بالمقابل المادي، و ما يعنيه ذلك من أنّ أغنية تاشلحيت بدأت مع الرّوايس في التحوّل الى “منتوج” فنّي تجاري لا يختلف عن غيره من المنتوجات الأخرى، لها مُنتِجوها و لها مستهلكوها، و لذلك بحثَتْ لنفسها عن مكان للعرض في الأسواق، و هذا المكان ليس سوى فضاء الحلقةّ (لْحلقتْ) ، التي كانت من أهم المحاضن التي سيتطوّر فيها  العديد من الفنون  و في مقدمتها فنّ “تيرُّويسا”، فالأغلبية السّاحقة من الرّوايس قد مرّوا من فضاء “الحلقةّ” ، إن لم نقل أنّها كانت مرحلة أساسية في تكوينهم الفنّي و الموسيقي إلى جانب مرحلة أحواش.

      و تُعَد الحلقة في جامع الفنا بمرّاكش محطّة أساسية في مسار الحياة الغنائية لمعظم الروايس المؤسّسين لفنّ تيرّويسا، لسبب رئيسي هو كون مدينة مرّاكش عاصمة ثانية للمغرب طيلة الفترة التي عرفت نشأة و تطور الظاهرة القايدية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر و النصف الأول للقرن العشرين، فكل قوّاد الحوز و الجنوب ( الكلاوي- الكندافي- العيادي- المتوكي –عيسى بن عمر العبدي – الكفنافي – أنفلوس- الكيلولي- التييّوتي – بازّي – الشياضمي – الجراري – الأخصاصي – الضرضوري – حيدة أومّيس ..) كلّهم يتوفّرون بمدينة مرّاكش على “الرياض” والمنازل ، التي يقصدها المغنّيون و الفُكاهيون و الرّوايس و الحكواتيين من مختلف مناطق المغرب، لإحياء مجالس الأنس و الطرب و تنشيط الحفلات و السهرات، التي يعقدها هؤلاء القوّاد في “رياضهم” للترفيه و التسلية، فكانت “حلقات” جامع الفنا هي الفضاء التي يقدّم فيه هؤلاء المغنّون و الرّوايس و الفكاهيون و الحكواتيون و غيرهم عروضَهم الغنائية و الموسيقية و التمثيلية و السّردية التجريبية (casting) ليس للجمهور فقط قصد نيل تبرعاته و “صدقاته”، و لكن للفت أنظار العاملين برياض القوّاد من أجل  اختيارهم و المناداة عليهم لتنشيط مجالس القوّاد و سهراتهم بالغناء و الرقص و الفكاهة ترفيها عليهم، خلال مقامهم بمرّاكش بين الفينة الأخرى، بعد الانتهاء من المهام الإدارية المخزنية التي يُسْتَدْعَونَ من أجلها من طرف السلطان أو خليفته في مراكش بشكل دوري، و حيث ينال هؤلاء المغنّون و الرّوايس و الفكاهيون و الحكواتيون الكثير من الأعطيات و المنح. و بذلك تحوّل جامع الفنا ب “حلقاته” الى مركز جذب الفنّانين من مختلف مناطق المغرب، و من جنوب علة وجه الخصوص(سوس – الاطلس الصغير و الحوز و الأطلس الكبير…) .

      و من جامع الفنا بمرّاكش انتقلت ” الحلقة” الى باقي مدن المغرب و إلى الأسواق الأسبوعية في قراه. فأضحت “الحلقة” معرضا للمنتوج الغنائي و الموسيقي للحكواتيين و الرّوايس ، كما أصبح  محطة في مسارهم التكويني و الفنّي. و غالبا ما يتجّول هؤلاء “الرّوايس” في الأسواق الأسبوعية في كلّ مناطق الأطلس الكبير و الحوز وسوس و الأطلس الصغير، مقدّمين عروضا فنية (غنائية و موسيقية) لزبناءهم من ساكنة هذه المناطق، الذين يضعون الفُرجَة في الحْلقة ضمن برنامج يوم السوق الأسبوعي. و كان سوق اثنين إمنتانوت مثلا، منذ ما قبل الاستعمار من أهم الأسواق الاسبوعية التي تنعقد فيه حلقات أبرز وأشهر الرّوايس، بحكم موقع إمنتانوت وسط القبائل التي ينتمي إليها معظم و أبرز الرّوايس، ممّا جعل أهلها أكثر متابعة لكل المستجدّات في مجال ” أمارْك ن الرّوايس”، كما كانوا أكثر حفظا و ترديدا لأغاني الرّوايس، ونقدها، و التمييز فيها بين الجيد و الرديء، من حيث الكلمات و الألحان، و هذا ما جعل الرّايس الحاج محمد الدمسيري يقول في إحدى حفلاته بإمنتانوت في منتصف الثمانيات الماضية: “من أتى ب “أمارك” إلى إمنتانوت كما من ذهب بالسّمك لبيعه في مرسى مدينة أكادير”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

• هذا المقال عبارة عن مقتطف من دراسة غير منشورة حول” التحولات التاريخية في منطقة الأطلس الكبير الغربي”.
ذ. محمد أقديم
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
ذ. محمد أقديم

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل