الجامعة المغربية : الرهان على نشر قيم المواطنة

حرر بتاريخ 10/10/2012
د. يوسف البحيري / كلية الحقوق بمراكش


الجامعة المغربية : الرهان على نشر قيم المواطنة
عرفت كلية العلوم بالسملالية بجامعة القاضي عياض بمراكش يوم  27 شتنبر الاخير حدثا غريبا، يتجلى في اقتحام خمسة شبان مزودين بالسيوف والهراوات لمقصف الكلية المذكورة، وقاموا بالإعتداء الجسدي وطعن أحد الطلبة بالسلاح الأبيض إلى حد الإغماء، كما أشهروا سيوفهم في مواجهة أفراد الأمن الخاص والطلبة من أجل ثنيهم على التدخل لإنقاذ الضحية، والذي تم نقله عبر سيارة الإسعاف حيث يرقد في قسم المستعجلات.
كما تعيش الجامعة المغربية في السنوات الأخيرة حالات متكررة لإستعمال العنف في المواجهات الدامية بين الفصائل الطلابية، تصل إلى حد محاكمة الطلبة لبعضهم البعض، والتي تؤدي إلى إصابات وجروح بليغة تصل إلى قطع الأطراف، آخرها ما وقع في مكناس والراشيدية ومراكش وأكادير، مما ينعكس سلبا على الإطار العام للتدريس الجامعي نتيجة غياب ظروف وشروط السلامة الجسدية والأمن لمكونات الجامعة من أساتذة وموظفين وطلبة.
كما إعتقلت الاجهزة الأمنية في الأسبوع الأول من شهر أكتوبرالجاري، أحد القياديين في جماعة العدل والاحسان من أجل محاكمته بشأن قتل الطالب اليساري عيسى آيت الجيد عام 1993 على هامش مواجهة طلابية بين فصائل الاسلاميين والقاعديين.  إن تواتر  هذه  الأحداث الدامية تطرح سؤالا وجيها  يرتبط  بمدى  تأهيل الجامعة المغربية للقيام بدورها في نشر الوعي بثقافة حقوق الانسان كمشروع مجتمعي، أضحى ضرورة آنية من أجل تعزيز قدرات إستيعاب الطلبة للمعارف الأساسية للحقوق والحريات العامة ونشر القيم الأخلاقية للتسامح والحوار ونبذ العنف كأساس لبناء مشروع ديمقراطي وتنموي.
  - غياب إستراتيجية نشر ثقافة المواطنة في الجامعة المغربية                                        
إن تأهيل الجامعة المغربية يستدعي وضع خطة وطنية واضحة الأهداف ضمن إستراتيجية نشر ثقافة المواطنة وحقوق الانسان ، تساهم فيها الوزارة المعنية والمؤسسات الوطنية مثل مؤسسة الوسيط والمجلس الوطني لحقوق الانسان إلى جانب المنظمات غير الحكومية، وذلك بحشد الوسائل والآليات الضرورية من أجل خلق فضاء ثقافي داخل الجامعة المغربية هي في أمس الحاجة إليه بشكل موازي للبرامج التعليمية من أجل القضاء على الفراغ الثقافي المهول الذي تستغله الفصائل والتيارات المتناحرة لنشر خطاب الكراهية والعنف.                                                                                                                                      
       فخلق فضاء ثقافي يروم تنمية قدرات الطالب علي التفاعل مع قيم المواطنة وثقافة حقوق الانسان يستوجب انخراط جميع هذه المكونات  في إستراتيجية تأهيل الجامعة للقيام بنقل المعرفة في جميع الحقول العلمية والقانونية والإنسانية و تنمية المدارك ورفع مستوى الوعي وتطوير السلوكات الديموقراطية لدى الطلبة. إن التكوين ونشر المعرفة  داخل الجامعة يمكن إعتباره رهانا مجتمعيا من أجل إرساء قيم وثقافة الحوار والتعددية والاختلاف لتحقيق المشروع المجتمعي الحداثي الذي يقوم على تأصيل الحقوق والواجبات لدى المواطن، ومن تم فالجامعة وحدها ستبقى عاجزة تماما على وضع مقاربة تعالج من زوايا مختلفة مكانة الطالب في المنظومة التربوية ببلادنا وهو  ما يستدعي إنخراط مكونات الحكومة والمؤسسات الوطنية في دينامية تنمية قدرات الطلبة بواسطة عقد شراكات مع الجامعة المغربية وذلك من خلال الجوانب الآتية :                                                  
                            
        ـ تكوين الطلبة على التواصل والتجاذب الفكري والقدرة على التعبير واحترام الرأي الآخر
        ـ توفير التكنولوجيا الحديثة وتسهيل وصول المعلومات للطلبة من أجل القيام بالأبحاث والدراسات في جميع الحقول المعرفية وتبادل المراجع والوثائق والبيانات بين الجامعة والقطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية.
       ـ تنظيم دورات تكوينية وتدريبية للطلبة خارج أسوار الجامعة من أجل انفتاح الطلبة على القطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية والتعريف بالعمل الذي تقوم به
ـ عقد الندوات الدولية والوطنية التي تنظمها بعض الوزارات والمؤسسات الوطنية بشراكة مع الجامعة في مختلف المدن المغربية من أجل الانفتاح على الطلبة ومد جسور الحوار وتشجيعهم على التفاعل والقطيعة مع الشعور بالإقصاء أو التهميش.
إن نشر ثقافة المواطنة داخل الجامعة المغربية هو مشروع سياسي وطني ذو رهانات تربوية قد يترابط عضويا مع الاصلاحات التشريعية والمؤسسات التي يعرفها المغرب في مجال البناء الديمقراطي، وهو ما يتطلب ضرورة وضع استراتيجية وطنية تساهم فيها جميع الجهات المعنية للنهوض بثقافة حقوق الانسان بالجامعة حتى تستطيع مسايرة الورشات المفتوحة المتعلقة بمأسسة الانتقال الديمقراطي وتخليق الحياة العامة والتفاعل مع التحولات الجارية لكسب رهان ترسيخ قيم التربية على المواطنة وتأصيل الحقوق والواجبات للأفراد                                          .
فالتربية على حقوق الإنسان داخل الجامعة المغربية يستدعي وضع مقاربة جديدة لتدارك الهفوات والاختلالات التي تعاني منها المنظومة التعليمية ببلادنا والتي جعلت من الجامعة فضاء للعنف والكراهية والانغلاق. فهذه المقاربة الجديدة يجب أن تستحضر بشكل أساسي تأهيل الطالب كمحطة كبرى أساسية لنشر قيم التسامح والمساواة والكرامة الانسانية من أجل المساهمة في تكوين جيل من الشباب واع بدوره في الحفاظ أولا على المكتسبات التي حققتها بلادنا في مجال حقوق الانسان ومأسسة الانتقال الديمقراطي والتوفر من جهة ثانية على القدرات المعرفية التي تمكنه من التفاعل والتجاوب مع المبادئ الكونية والحضارية والقيم الأخلاقية لثقافة حقوق الانسان حديثة العهد ببلادنا وحمل المشعل لتتمة المشوار الطويل والمضني والشاق لترسيخ دعائم دولة القانون ببلادنا                                               .  
  - ضرورة إصلاح إختلالات المنظومة التربوية  
إن تأهيل المنظومة التربوية للقيام بدورها في نشر الوعي بثقافة حقوق الانسان كمشروع مجتمعي، يستدعي إعادة النظر في الكتاب المدرسي الذي يثير العديد من الملاحظات حول دور في نشر ثقافة المساواة وعدم التمييز والقضاء على خطاب الكراهية والعنف.
وفي هذا السياق، سبق للمنظمة المغربية لحقوق الانسان، أن قامت بدراسة حول مكانة قيم حقوق الانسان في الكتاب المدرسي بالمغرب تم نشرها في دجنبر2004    والتي قدمت عدة توصيات للجهات المعنية بضرورة تعزيز ودعم ثقافة حقوق الانسان في مجال التربية والتعليم.
ويمكن التوقف هنا فقط عند بعض نماذج تمثلات المرأة في الكتاب المدرسي كما جاء في هذه الدراسة الهامة، فكتاب "في رحاب التربية الاسلامية للسنة الثانية ابتدائي اختزل المرأة في الحجاب بشكل نمطي في مختلف الأعمار وفي جميع الأماكن في المدرسة وفي الشارع والبيت بتوحيد الهندام مع تغييب للتنوع الموجود في المجتمع. نفس الأمر، بالنسبة لكتاب المفيد في اللغة العربية للسنة الأولى والسنة الثانية ابتدائي، فالنصوص والصور وزعت الأدوار بين الجنسين بشكل تمييزي يشكل مساسا لمبدأ المساواة، مثلا بالنسبة للذكور : يلعب يوسف الكرة- يحب جواد أن يكون جنديا- لبس رضوان جلبابا ابيض وذهب الى المصلى- الأب في الحقل، أما بالنسبة للاناث : تزين رجاء معصمها بدملج- حليمة تحلب البقرة وحليم يحتسي الحليب-مريم تتدرب على تربية أخيها- البنت تساعد جدتها في المطبخ…الأبعد من ذلك هو ان كتاب "المفيد في اللغة العربية" في مرحلة الأولى اعدادي يتضمن نصوصا بالصور تنتج مكانة دونية للمرأة في العمل في الصفحة   134 مثلا " وكان الرجال في معامل السردين يحتلون أفضل طبقة فجلهم يمثل ركائز ثابتة في المعمل يسيرون الالات أو يركبون الالواح الخشبية الجاهزة لتصبح صناديق أو ما الى ذلك من أشغال تتسم بنوع من الاهمية يجعلهم ينظرون الى النساء بنوع من الاستعلاء" أو امراتي طالق ثلاثا ان لم تكن من أهل الجنة في الصفحة 31   أو "أقبل الرجلان اللذان دخلا الحجرة على الفتى فوجدا أمه وكانت أول مرة في حياتها تظهر أمام الرجال" في الصفحة   164 .
كما أن بعض الإختلالات التي تعاني منها المنظومة الحقوقية ببلادنا من شأنها أن تدعو الى التفكير والتشكيك في مسالة إعمال المبادئ والقيم المتعلقة ثقافة حقوق الانسان ، فمثلا تشغيل الأطفال في مجالات الصناعة التقليدية والخدمات بالرغم من وجود تشريع يتضمن عقوبات زجرية صارمة لردع استغلال الأطفال في سن التمدرس، يؤكد بما لا يدعو إلى الشك أن المجتمع المغربي غير واع بالانعكاس السلبي لهذه الظاهرة على الثقافية المجتمعية في مجال حقوق الطفل.
و نلاحظ أيضا نوعا من التقاعس من طرف الحركة الحقوقية والأحزاب السياسية لفتح نقاش وطني جاد بشأن وضع قانون لتشغيل الخادمات يتلاءم مع مقتضيات الاتفاقية 182 خصوصا عندما يتعلق الأمر بتشغيل الفتيات القاصرات في البيوت، وهو ما يتنافى تماما مع التزامات الدولة في اتفاقية الشغل الدولية رقم 138 لسنة 1973 التي رفعت سن الحد الأدنى لولوج العمل وحددته في 15 سنة مع ربطه بإلزامية التمدرس إلى حدود هذا السن، واتفاقية الشغل الدولية رقم 182 لسنة 1999 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها.
وقد أطلقت الحكومة  خطة لمناهضة لتشغيل الفتيات القاصرات كخطوة أولى لمنع استغلالهم جسديا وجنسيا. وتسعى هذه الخطة إلى سد فراغ تشريعي بإصدار قانون يقنن تشغيل الخادمات في البيوت ويحدد السن الأدنى للعمل المنزلي وشروط التعاقد وآليات المراقبة ومجموعة من الإجراءات الزجرية في حال مخالفة مقتضياتها. وتنفيذا للمادة الأولى من الاتفاقية 182 المتعلقة بحظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها التي تدعو الى  اتخاذ بسرعة ودون إبطاء تدابير فورية وفعالة تكفل بموجبها حظرا أسوأ أشكال عمل والقضاء عليها، قامت وزارة التشغيل بالمغرب بإعادة مشروع قانون يتعلق بتنظيم مهنة الخادمات إلى الأمانة العامة للحكومة قصد وضع صيغة نهائية كي يدخل مراحل التداول قصد المصادقة عليه. ولحد يومنا هذا لم تفرج الأمانة العامة عنه. ويفرض مشروع القانون توقيع خادمات البيوت والمربيات عقود عمل مع رب المنزل، كما يحدد رواتبهم بحد أدنى يتجاوز الآلف درهم شهريا بالإضافة إلى الحصول على العطلة السنوية، كما يعاقب القانون رب كل أسرة تشغل "خادمة" يقل عمرها عن 15 سنة، ويخصها بيوم راحة أسبوعا، مع عطلة سنوية مدفوعة، إذا قضت في الخدمة 6 أشهر بشكل مستمر.





من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية