التعليم الخاص.. قطاع يستنزف جيوب المغاربة والوزارة ترفع الراية البيضاء

الخميس 25 سبتمبر 2014

فقدان الثقة في المدرسة العمومية، حول حياة عدد من الآباء إلى جحيم حقيقي في مواجهة الزيادات المتوالية في تكاليف تمدرس أبنائهم في القطاع الخاص.
جريدة «المساء» التي ننقل عنها هذا الروبورطاج زارت مجموعة من المؤسسات، ورصدت التفاوت الحاصل في تحديد الرسوم الدراسية، وكيف لجأت بعض المدارس الخاصة إلى خلق موارد مالية إضافية لرفع أرباحها.


 
«عندك أسيدي2800 درهم». عبارة كانت كافية لترسم ملامح الصدمة على محيا خالد، إطار في مؤسسة بنكية في الرباط، وهو يهم باقتناء اللوازم المدرسية لابنه، من إحدى المكتبات الشهيرة في العاصمة.
لم يجد هذا الأب، الذي اضطر إلى نقل ابنه من التعليم العمومي نحو مؤسسة خاصة، غير سحب دفتر الشيكات، ليدون المبلغ المطلوب.
رحلة ابن خالد من المدرسة العمومية نحو القطاع الخاص لم تكن سهلة، «لكن مضطر أخاك لا بطل»، كما صرح ل»المساء» بأسف شديد. فالرجل الذي كان يدافع عن تعليم أبنائه في القطاع العام، وجد نفسه هذه السنة مضطرا إلى اللجوء نحو مدرسة خاصة، بسبب ما اعتبره تدني المستوى التعليمي وكثرة الإضرابات عن العمل التي تؤثر على السير العام للدارسة.. لكن التكلفة المادية لهذا القرار كانت مرتفعة.
وإذا كان الآباء يتحملون أعباء الارتفاع المستمر لتكاليف الدراسة، فإن الدولة من جهتها لازالت ملتزمة بتنفيذ اتفاقها مع أرباب المؤسسات الخصوصية لتنمية القطاع، عبر الإعفاء من الرسوم الجمركية وضرائب الجماعات المحلية، وتحفيزات على مستوى العقار والمواكبة في التمويل والدعم الإداري وإعفاءات ضريبية مختلفة.
تعليم أم تجارة؟
تكاليف الدخول المدرسي تحولت إلى شبح يؤرق بال الآباء المغاربة. فبعد عطلة الصيف وشهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى الذي يلوح في الأفق، جاء الدخول المدرسي الذي يستنزف من جيوب الآباء الشيء الكثير، خاصة أولئك الذين فضلوا تكوين أبنائهم في القطاع الخاص.
إحصائيات وزارة التربية الوطنية، التي رفعت «الراية البيضاء» أمام إشكالية الرسوم الدراسية، تشير إلى وجود أكثر من 740 ألف تلميذ يدرسون في أكثر من 3600 مؤسسة خاصة. أما عدد المكونين فيبلغ حوالي 50 ألفا، علما أن أغلب المؤسسات تعتمد في عملية التكوين على شريحة مهمة من أساتذة القطاع العام، وهو الملف الذي دشن فيه الوزير السابق محمد الوفا معركة قوية، حتى صرخ في أحد اللقاءات معلقا على ارتفاع الرسوم: «هادشي بزاف على المغاربة».
حي أكدال في العاصمة الرباط. هنا تتمركز عدد من المؤسسات التعليمية الخاصة، التي تضمن مستويات تعليمية بدءا من التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي والثانوي التأهيلي. الأسعار تختلف حسب درجة «رقي» و»بذخ» المؤسسة، غير أنها تبقى بشكل عام مرتفعة وتثير احتجاج عدد من الآباء المنتمين للطبقة المتوسطة.
خالد، الذي صادفنا وجوده في إحدى المكتبات بالعاصمة الرباط، اشتكى من فوضى الأسعار في مؤسسات التعليم الخاص، التي تخضع لمنطق السوق ومبدأ «العرض والطلب»، عوض نظام قانوني واضح يحدد هذه التكاليف ويوضح دفتر تحملات والشروط الواجب توفرها لمنح التراخيص.
يقول خالد: «اضطررت هذه السنة لتسجيل ابني في مؤسسة خاصة بحي أكدال في المستوى الأول إعدادي، وأول ما فوجئت به هو رسوم التسجيل التي تصل إلى أكثر من 1500 درهم، إضافة إلى السعر الشهري المحدد في 1800 درهم، مع العلم أن هناك من الآباء من يتحمل أيضا مصاريف النقل المدرسي، وأيضا أعباء الأنشطة الموازية كالرحلات والانخراط في بعض الأندية».
إشكالية ارتفاع الرسوم، وما يرافقها من زيادات عشوائية عند بداية الموسم الدراسي، تثير احتجاجات جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، في ظل تأكيد الوزارة على انعدام إمكانية التدخل، لتترك القطاع يخضع لمنطق الاستثمار والسوق.
مبدئيا يؤدي الآباء عند بداية الموسم الدراسي رسوم التسجيل أو إعادة التسجيل. وهنا تختلف الأسعار حسب المؤسسات، إذ يمكن أن تصل الرسوم إلى أكثر من 1500 درهم عن تلميذ، زيادة على الواجب الشهري الذي تشترط عدد من المؤسسات أن يتم أداؤه دفعة واحدة عن كل فصل دراسي.
فبالنسبة لتلميذ في المستوى الابتدائي، تبدأ رسوم الدراسة في بعض المؤسسات من 1000 درهم وتصل إلى أكثر من 1700 درهم في مدارس أخرى. هذا الواجب لا يشمل واجب الاشتراك في النقل المدرسي، الذي يقدر في بعض المؤسسات ب600 درهم بالنسبة للقاطنين في الرباط، و700 درهم للقاطنين في سلا وتمارة.
غير أن هذه الواجبات ترتفع بشكل لافت في المؤسسات التعليمية «الشهيرة»، والتي يقصدها أبناء شخصيات وعائلات ثرية. ففي بعض المؤسسات بحي الرياض، وجدنا أن تكاليف الدراسة ترتفع بحوالي 300 درهم وأكثر.
عبء هذه التكاليف لا ينتهي عند هذا الحد، بل إن بعض الكتب المدرسية، خاصة في المستوى الابتدائي، تلهب جيوب الآباء، خاصة تلك المستوردة من الخارج، زيادة على اللوازم التي يشترط أن تكون ذات جودة عالية، وهو ما يؤدي إلى تحمل الآباء لفواتير صاروخية لا يجد معها الكثيرون غير اللجوء إلى القروض لأدائها.
تكاليف إضافية
رسوم التسجيل والدراسة والنقل ليست وحدها التكاليف التي يؤديها الآباء. بل إن مجموعة من المؤسسات توفر للتلاميذ مطاعم مدرسية بداخلها. ورغم أن الاستفادة من الوجبات ليس إجباريا، إلا أن كثيرا منهم يضطرون إلى الاشتراك للاستفادة من خدمات المقصف. بيد أن سؤال التكلفة يبقى هو الهاجس الأكبر؟
بالنسبة لبعض المؤسسات فإن الواجب الشهري للاستفادة من خدمات المقصف يصل إلى 600 درهم. أما ولوج المقصف فقط من أجل استهلاك الوجبات التي يأتي بها التلميذ من خارج المؤسسة أو منزله، فيكلف حوالي 150 درهما. هذه الرسوم تشهد تفاوتا حسب نوعية المؤسسة، والأطعمة المقدمة.
بعض المؤسسات تلجأ أيضا إلى خلق موارد مالية إضافية لرفع أرباحها، من قبيل الساعات الإضافية، التي ترهق كاهل آباء تلاميذ القطاع العام، فبالأحرى عددا كبيرا من الآباء الذين يتحملون التكاليف المرتفعة لتمدرس أبنائهم في القطاع الخاص.
أحد العارفين بالقطاع أكد ل»المساء» أن الساعات الإضافية للتلاميذ توفرها المؤسسات الخاصة بشكل مجاني، على اعتبار أنها تتحمل مسؤولية تكوين التلميذ ومستوى وجودة التعلم. غير أن هناك مؤسسات تفرض رسوما على الساعات الإضافية، والتي تختلف أسعارها بين مؤسسة وأخرى، وأيضا حسب المستوى التعليمي والمواد التي يحظى فيها التلميذ بالدعم.
مدارس «النجاح»
المال مقابل النجاح هو الشعار الذي ترفعه، بشكل ضمني، عدد من مؤسسات التعليم الخاص، التي تشهر في وجه الآباء ورقة الجودة لإقناعهم بتسجيل أبنائهم في هذه المؤسسات، ومواجهة احتجاجاتهم ضد ارتفاع رسوم الدراسة.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل هناك مؤسسات للتعليم الثانوي الخاص التي ترفع شعار النجاح 100 في المائة في مستوى البكالوريا، ليس فقط بتوفير تكوين جيد للتلاميذ، بل بإجراءات أولها «نفخ» نقط المراقبة المستمرة.
محمد، مدرس مادة اللغة الإنجليزية بإحدى المؤسسات الخاصة في مدينة القنيطرة، أكد ل»المساء» أن «بيع» النقط في القطاع الخاص هو حقيقة بالنسبة لبعض المؤسسات، إذ أن هناك عددا من الآباء الذين يتوجهون للمدارس ويطالبون برفع نقط أبنائهم في المراقبة المستمرة، حتى يتمكنوا من تحقيق نوع من التوازن مع النقط المحصل عليها في الامتحانات الوطنية والجهوية.
هذا المدرس، الذي راكم تجربة تتجاوز 15 سنة في التعليم الخصوصي، أوضح أن «هناك مؤسسات توفر تكوينا جيدا لتلامذتها، وهو ما ينعكس على الامتحانات الجهوية وامتحان البكالوريا الوطني، غير أن هناك مؤسسات مع الأسف تمنح لتلامذتها نقط مراقبة مستمرة مرتفعة، فيفاجأ الآباء بالنتائج الكارثية في الامتحانات الموحدة».
رأي الخواص
احتجاج الآباء على ارتفاع رسوم الدراسة، يقابل بتفسير أرباب المؤسسات الخاصة لهذه الزيادات بواقع هذا القطاع الذي يحتاج لاستثمارات مستمرة، من أجل مواجهة المنافسة وتوفير تكوين جيد للتلاميذ، فهو قطاع يعتمد بشكل أساسي على الاستثمار الذاتي للمؤسسات، مع العمل بشكل دائم على تطوير الشراكة مع الدولة التي تعتبر التعليم الخاص شريكا أساسيا.
عبد الهادي زويتن، رئيس رابطة التعليم الخاص بالمغرب، أوضح ل»المساء» أن المؤسسات الخصوصية تجد نفسها عند نهاية كل موسم دراسي أمام مطالب أطرها التربوية بالزيادة في الأجور، والتي لا تخضع لمساطر أو سلالم أو رتب كتلك المعتمدة في الوظيفة العمومية بل يحكمها منطق العرض والطلب، وحتى تحافظ المؤسسات على أطرها المؤهلة تضطر إلى تشجيعها وتحفيزها لضمان الاستمرارية والاستقرار مما ينتج عنه ارتفاع كتلة الأجور».
وبارتفاع كتلة الأجور، يضيف زويتن، «ترتفع الاشتراكات في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي تساهم المؤسسة بنسبة 26,5 في المائة شهريا لضمان التغطية الصحية والاجتماعية لهذه الفئة التي اختارت العمل بالقطاع الخاص. ويأتي الملف الضريبي ليثقل كاهل المؤسسة الخصوصية إذ تلتزم بأداء المستحقات الدورية منها، والسنوية كباقي المقاولات التجارية و الخدماتية».
وسجل رئيس الرابطة وجود مؤسسات خصوصية كبرى ومتوسطة وصغرى. هذا التنوع يساهم في الاستجابة لكل الشرائح الاجتماعية التي يبقى لها الحق في اختيار الصنف الذي يتلاءم وقدرته الشرائية، لأن لكل صنف تكلفته التي تتحكم فيها معايير ومقاييس، سواء على مستوى البنى التحتية أو على مستوى المنتوج التربوي والخدمات الموازية.
واستطرد زويتن قائلا: «في إطار المنافسة بين المؤسسات وحتى تستطيع تحقيق الجودة المنشودة لابد من تكلفة وإنفاق غير محدود في التكوين الأساسي والمستمر الذي يصاحب الأطر التربوية المنتقاة بعناية خاصة طيلة مشوارها المهني، بالإضافة إلى تمكنها من أجور مريحة تقنعها بعدم الهجرة إلى القطاع العمومي».
وخلص المتحدث ذاته إلى أنه إذا أرادت المؤسسة الخاصة أن تضمن بقاءها واستمرارها في الحقل التربوي لابد وأن تعتني بمواردها البشرية وتحرص على تحفيزها وتشجيعها في إطار مقاربة تشاركية تقوي الإحساس بالإنتماء إلى المؤسسة، وهذا نهج يعتمده العديد من رؤساء المؤسسات إلا أن هناك مجموعة تستأثر بمداخيل المؤسسة وتتجاهل الأطر العاملة.
تعليم خاص بسواعد القطاع العام
في أحد الاجتماعات داخل لجنة التعليم بمجلس النواب، انتقدت فاعلة في قطاع التعليم الخاص موقف الوزير السابق، محمد الوفا، بمنع أساتذة القطاع العام من التدريس في المؤسسات الخاصة، فما كان إلا أن رد بقوة قائلا: «هاديكْ شغالك ألالة، نتي اللي درتي الاستثمار ماشي أنا! ولكن باش تاخذي الأساتذة ديالي وتبغي تزطمي علي وتقولي حميني، هادشي ما يمكنش.. واحميوني نتوما بعدا وقريو لي ولاد المغاربة».
تصريح يؤكد حقيقة اعتماد عدد كبير من مؤسسات التعليم الخاص على القطاع العام، حتى إن بعض المؤسسات حذرت من إفلاسها في حال تنفيذ هذا القرار بشكل صارم، ودون الأخذ بعين الاعتبار واقع التكوين وعدد المكونين في القطاع الخاص.
بيد أن مصادر عاملة في القطاع أكدت ل»المساء» أنه على الرغم من القرارات المتخذة في هذا المجال، والتي ذهبت نحو عقلنة اشتغال أساتذة القطاع العام في القطاع الخاص، إلا أن الظاهرة لم تتوقف بل أصبحت تتم بشكل سري.
ويقول مصدرنا إن عددا من المؤسسات لازالت تعتمد بشكل كبير على أساتذة القطاع العام، الذين يعمدون عند بداية السنة الدراسية إلى ملاءمة جدول حصصهم في المؤسسات العمومية، مع تلك المبرمجة في القطاع الخاص، حتى إن بعض المؤسسات تستغل ميزة تشغيل أساتذة المدرسة العمومية من أجل إقناع الآباء بتسجيل أبنائهم.
ولمواجهة إشكالية تكوين المدرسين في القطاع الخاص، كشف رشيد بلمختار، وزير التربية الوطنية، في جلسة عمومية بمجلس المستشارين شهر ماي الماضي، أنه بمبادرة من رئاسة الحكومة، تم التوقيع على اتفاقية تستهدف تكوين 10 آلاف إطار تربوي من حاملي الشهادات في أفق سنة 2016، حيث رصد لهذه المبادرة مبلغ 161 مليون درهم. 

المراكشية


معرض صور