المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

التضامن في السياق المغربي وغياب النموذج المجتمعي؟

الاثنين 1 سبتمبر 2014

 
في الدول الديمقراطية، يحتل الإنسان باعتباره الثروة القومية الأولى غير القابلة للاستنزاف، موقع المنطلق والمنتهى، فيتجه  البناء المجتمعي برمته، نحو الارتقاء به، غاية إلهام تحققاته النوعية أقصى ما يمكنها،كي يحتفي بذاته ووجوده،ويكون منسجما مع مصيره ،سعيدا بحياته.
مركزية الفرد تلك، ستتراكم على التوالي، كي تكرس فلسفة للإنسان،مشبعة حد التقديس،بالحقوق والواجبات وحدود الشخص الواحد ثم امتدادات الجماعة،وماهي مسؤوليات الدولة والتزامات الخاضعين لقوانينها؟بالتأكيد، المنظومة الأوروبية التي قطعت أشواطا طويلة في التحديث السياسي والفكري لمجموعتها ،نجحت من أجل تثبيت ملامح تلك العناصر والتشريع الحقوقي، وفق جدلتي الفصل والوصل، كي لايحدث الالتباس.
لذلك، عندما نستحضر قيمة التضامن لدى تلك المجتمعات،بل ومن خلاله كل مكونات التعاقد المجتمعي،فإنه لايبقى معطى ظرفيا محكوما بالديماغوجية،لكنه يعاش وينمو، كل لحظة حسيا داخل فضاءات المجتمع، بمختلف مكوناته وروافده.قد يعلن الحداد الرسمي مثلا، جراء انقلاب حافلة،في منطقة نائية جدا،بنفس معنى التزام أغنياء البلد التزاما حرفيا كي يدفعوا الضرائب لخزينة الدولة.صدق الدموع،التي تذرف حيال الأولى،بحيث يشعر المجتمع برمته أن تراجيدية الحادثة تمسه كليا، بنفس الدرجة،هو الذي سيتحول مع الثانية إلى شعور عارم بزهو الهوية والانتماء،مادام الجميع يتوخى أيضا، إسعاد الجميع.  
نحن في المغرب،لازلنا بعيدين عن هذا المنحى،وحمولة من هذا القبيل لم تجد بعد حسها الآدمي العفوي، الشفاف،بغير تضمينات الأدلوجة الماكرة.لو كان السعي،عكس هذا،لما  كانت الحاجة قط ،إلى أيام ومناسبات وملصقات دعائية.ولأن منظومتنا،لم تنجح في جعل الإنسان نواتها الصلبة،تدور حوله كل المخططات والمشاريع،فإن خصال الإيثار والعطاء والتضحية ونكران الذات ثم شغف الفرد بالجماعة وتكتل الأخيرة من أجل الفرد،ستظل هكذا عابرة بغير أثر تأسيسي،بينما واقع الحال، يظهر بأننا تلتهمنا نزوعات النهب والاستغلال واللامبالاة والأنانيات المريضة.
حينما يلقي المرء نظرة شاملة،يصعب عليه إيهام نفسه،أننا شعب متضامن،أو على الأقل تمثله  المفهوم، كسلوك نقي خالص،مبعثه القلب وينشد الإنسان لذاته.وازع آخذ، في الاضمحلال منذ عقود،لما اكتسحت مجتمعنا ارتدادات فكرية مست كل المجالات،فصارت الدوافع محكومة بالرياء وحسابات الربح والخسارة والغنائم الممكنة،حتى الحس الديني الفطري البسيط ،الملتصق آنفا بالتدين الشعبي السليم،الذي تفتحت عليه حواس طفولتنا داخل الأزقة والدروب والأحياء،حيث فعل الخير باستمرار محبة في الخير،سيتوارى بشكل مخيف، أمام طغيان  المصالح السياسوية للمتاجرين بالدين و السياسة معا،سواء كان عند هذا الطرف أو ذاك.لم تعد الفضيلة في ذاتها،وإنما كل شيء غدا خاضعا لمنطق السوق والبيع والشراء،والأخطر الادعاء والرياء.
لو كنا حقا بلدا،انتقل لديه  التضامن من مجرد لغط ظرفي، إلى منظومة ثقافية ترسخت صيفا وشتاء، في حضن مرجعيات قيم المواطنة،لما ضحكنا على يومياتنا، بالكوميديا السوداء لهاته الفوارق الطبقية غير المبررة بتاتا ،حيث الأقلية الشرهة تكدس الثروات الهوائية والأرضية والمائية،بينما الأغلبية تترنم بالأدعية.لذلك،تبقى العدالة الاجتماعية بدلالتها الشاملة،الفضاء الهندسي الوحيد الأنسب لتمدد شرايين الانتماء إلى البلد،التي لن تتجلى إلا بمقاس واحد،وليس عشرة،تنتمي أم لاتنتمي؟من تم يعبر التضامن، عن خصوبته المعطاء.
تؤكد مفاهيم لغة العشاق،أن الحب أصل الفعل،حينما نحب يصير بوسعنا التحلي بقدرة جبارة على البذل والعطاء بغير حساب،بنكران ذات، وهو ما ينطبق على التضامن الفعلي،الذي يتهيكل بين طيات حياة الممارسة اليومية عند الجميع،بالتناسب مع ازدياد زخم وكثافة روح الوطنية لديهم،ليس تلك الوطنية السهلة والمائعة المزدهرة داخل الصالونات المكيفة،لكنها وطنية تنسج خيوط المصير المشترك الشبيه صنيعها،بالنظرية الفيزيائية والفلسفية المعروفة ب"نظرية الفوضى"،لتفسير ظواهر الترابطات والتأثيرات المتبادلة،الناجمة عن حدث أول، قد يكون بسيطا، لكنه يفرز سلسلة متتابعة من النتائج،فضربات جناحي فراشة في الصين،ربما تتأتى عنه فيضانات وأعاصير في جنوب إفريقيا مثلا،بالتالي ثقافة التضامن عبارة عن سياق شامل موصولة عناصره،مع حتمية قيام النموذج المجتمعي،أو القيمة الرمزية الكبرى التي يتقاسمها الأفراد ،كل من موقعه،كي يصير معنى التضامن مفهوما تلقائيا لديهم.
لذلك الإصلاح السياسي أو الفكري،قد تنجحه أو تفسده،تلك الطريقة المبدئية،التي تتصرف بها كل أسرة مع حفنة القمامة الموجودة في منزلها،قبل الانتقال إلى مستوى الحي والسياسات العمومية نحو البيئة ثم الاحتباس الحراري…إلخ. بهذا الخصوص، عاينت ذات مرة بأم عيني،سياسيا مغربيا مشهورا،لايكف عن الكلام، ضمن الطليعة القيادية لحزب عريق،يلقي بحفنة من القمامة عند قارعة الطريق،بطريقة لايفعلها حتى طفل صغير! فكيف سنرجو،من الشخص ذاته، تأطير مجتمع بأكمله؟
كم هي الأسابيع،التي احتفلنا خلالها لغويا بالتطلع إلى اللا- فقر؟ثم سرعان ما ينتهي الحفل،على إيقاع نفس جاهزية الدعاية،ثم تزداد أقوام الفقراء دون أن يشعر الأغنياء حقا خارج أيام الدعاية،بواجب التجند للقضاء على الفقر أو على الأقل التقليص من أسبابه.التضامن هنا،ليس صدقة أو تسلية لتكسير الروتين،لكن الوطنية حسب ذات قولهم، تقتضي مساهمة كل المنتسبين إلى الجغرافية الواحدة ،بضرورة الدفاع عن نسق سياسي وقيمي،يخلق الفرص بالتساوي أمام الجميع،الفيصل المطلق : لكل حسب قدراته وكفاءاته.هكذا، سيشغل التضامن مرتبته المفترضة،عبر إتاحة الفرصة أولا للأفراد، كي يحققوا وينالوا داخل النسق، الحي بعدله وإنصافه.
إذن،مع سياقنا المغربي المفعم بالاختلالات،والمفتقد للنموذج، أين سيبدأ التضامن وكيف يصير ثقافة بل قانونا طبيعيا؟مادامت جل الميادين والقطاعات، في حاجة ماسة إلى وقفة تضامنية دائمة كي تستعيد الأمور وضعها الصحيح.ثم، من سيتضامن لصالح من ؟أو بالأحرى،الجدير بهم تقديم نموذج فعال للتضامن : الفئة التي تملك كل شيء بيسر،كأنها تحلم، أم الجحافل التي تتعب كل لحظة من أجل لاشيء،دون أن تملك مجرد حقها في الحلم؟.          
سعيـد بوخليـط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيـد بوخليـط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل