التأويل وأنطولوجيا الانفلات

السبت 6 يوليوز 2013

التأويل وأنطولوجيا الانفلات
يقول جيل دولوز: "سنظل لايبنتزيين… سنكتشف كيفيات جديدة للثني كأغشية جديدة، لكن سنبقى لايبنتزيين لأن الأمر يتعلق دائما بالثني وفك الثني، وإعادة الثني…".

كالمناداة اللايبنتزية [نسبة للفيلسوف لايبنتز] التي تنثني على عالم، على اللامتناهي، يجعلنا كتاب الشعر والتأويل أمام فعالية غير متناهية للثني، فعالية تحدث وفق حركة مسترسلة لمضاعفة ذاتها. حيث كل ثنية تنثني على ثنايا. وحيث الطي يأخذ مجرى تستحيل معه العودة إلى الأصل، أو إلى نواة جوهرية يمكن الوقوف عندها.

فكل فك أو حل للطية يفضي إلى ثنية أخرى. إن الكائن هو حصيلة انثناءات لا متناهية التي من خلالها يتعدد ويتضاعف في كثرة داخلية لا يمكن أن تؤسس طوية أو لحمة جوانية بقدر ما تشكل انثناء للخارج الذي يرتسم كحد. وتاريخية الكائن هي هذه الصيرورة من الأنثناءات، هي الحركة الدائمة التي تحفر في عمق المتناهي سراديب لا متناهية متشعبة، لا تقيم فيها حقيقة أصلية توحدها.

إنها الانتشار المبعثر لهذا الكائن الذي يقذفه وجوده في عرضية عالم يمزقه الزمان ويحيله إلى شظايا. يقول جيل دولوز: "دائما هناك ثنية داخل ثنية ككهف داخل كهف". فالأمر شبيه بأقنعة نيتشه التي لا ينزع الواحد منها إلا ليكشف عن قناع آخر. وهذا هو الإمكان الخاص لكتاب الشعر والتأويل. الذي يعرض نفسه كحيز للانثناء، كإعمال قصدي لفعالية الثني التي تشكل جذرا أنطولوجيا لكينونة تجبر نفسها على مواجهة حدها الخاص، وتجاوزه، مسكونة بعنف يقودها إلى اختبار أقصى إمكاناتها.

هذا الاختبار الذي لا يتحقق إلا على قاعدة من الاستنفاذ والتعديم، تجعل هذه الكينونة تحقق نفسها من خلال ما يخترقها من فراغ وما يفتحه عدمها من أفق للتلاشي والتحلل، إنها بقدر ما تعمل على تجاوز حدها، تجد نفسها حبيسة محدودية عملية التجاوز هذه.
 
لكن، على أي نحو يشكل كتاب الشعر والتأويل حيزا للانثناء؟ إنه تأويل ينطوي على تأويل، ممارسة تأويلية لا تؤول نصا خاما. وإنما تؤول ممارسة تأويلية أخرى. فحيز الانثناء هنا الذي يشكله كتاب الشعر والتأويل يتجاوز المحدودية المادية لهذا الأخير [ أي الكتاب ] ليصبح ممتدا امتدادا لا محدودا، وغير قابل للاختزال. لأنه يضاعف انثناءاته عبر المدى المتجدد للقراءات التي لا تتكرر أبدا ولا تستنسخ والتي لا يمكن حصرها زمنيا ولا مكانيا. والانثناءات هنا ليست تكرارا لذات الواحد (le même) ولا استنساخا تعدديا لهوية أصلية واحدة. بل هي ما يبدد كل لحمة جوهرية. إنها المضاعفة اللامتناهية للاختلاف والتعدد الذي ينفي كل إمكانية للإمساك بالتطابق أو الوحدة أو النظام.
 
إن الشعر، حسب الكتاب، هو ممارسة هرمونيطقية تؤول الوجود والتاريخ والذات واللغة.. ممارسة لا تستكين أبدا إلى صنمية الدلالة المفروضة مسبقا من طرف شبكة الفهم المحبوكة سلفا. التي لا تعمل إلا على خلق الملاءمة بين المحتمل والمعهود، بين المختلف والنمطي من أجل الانتصار النهائي للشائع والمشترك وتكريس هيمنته. إنه هيرمينوطيقا مسكونة بتوتر حيوي، ليس لها أي هاجس كانطي [ نسبة إلى كانط] همه الأساسي هو التوافق مع قبليات ثابتة وذلك لأنها لا تشرط نفسها بأي تواطؤ عقلاني، ولا تحدد مسارها كتركيب وتوحيد للمتنوع. أنها امتداد كاووسي يقتطع كسيلان من التأويلات التي ينثني كل تأويل منها على تدفق لا متناهي من التأويلات. وهكذا فالشعر كهرمونيطيقا هو تلك الثنية الأولية التي يغمرها مجرى غير محدود من التأويلات، والتي يتحدد مصيرها من خلال هذا المجرى كعملية تأويل لا تنتهي. ميزتها الأساسية إنها غير قابلة لأن ترد إلى ذات حائزة قبليا على كل ما يجعل المعرفة ممكنة. ذات تسطير على نفسها، في حضور مطلق وصاف يمكنها من الإمساك بامتلائها الذي يخصب العالم بالمعنى. إن الذات لن تكون بالنسبة لهذه التأويلية إلا فراغا يتجوهر في كلمات مناسبة تكون لغة هي بمثابة الامحاء القصدي لكل كائن من شأنه أن يجعل من نفسه فاعلا لها. يقول م.فوكو في الكلمات والأشياء: "يجيب ملارميه على السؤال الذي يطرحه نيتشه حول من هو المتكلم؟ مرددا أن المتكلم هو الكلمة، في وحدتها، في تذبذها الهش، وحتى في عدمها ذاته –لا معنى الكلمة، بل كيانها اللغزي العابر-". إن اللغة لن تكون إلا حيزا لاضمحلال الذات وتلاشيها، وهي في نفس الوقت هذا التذكير الدائم بهذا التلاشي والتحلل. فما يفرزه الشعر كتأويل هو هذا الانبثاق لكائن هو مفعول للغة أكثر منه فاعلا. كائن تنذره الكلمات للتيه والعتمة والشرود. تبدده في حضورها العابر، وتستعيده كذاكرة منسية غير قابلة للاستحضار أبدا. إنها تبعثره وتنشره عبر تشتتها. وبذلك لن يكون هم هذه التأويلية هو الفوز بالوحدة الضائعة لكائن هشمته اللغة، وأعادته لوضعه الأصلي المفقود. فبالنسبة للشعر كتأويل ليس هناك أي وضع أصلي. وليس هناك أي كائن يتحدد كوجود سابق عن التأويل. فالكل يبدأ ويولد مع التأويل. وحتى لو جارينا النزوع المنطقي الذي يفرض أن يكون وراء كل تأويل مؤول، فإن هذا الأخير لن يكون هو نفسه إلا تأويلا.
 
ورد في (الشعر وأسئلة الوجود) لعبد العزيز بومسهولي.
 
"فالشعر في جوهره تيه، بقدر ما هو مشروع لا مكتمل لا يتحدد بهدف غائي، تتوقف عنده حركة الشعرية، ومن ثم فهو ضد الحقيقة التي تظهر كموجود يمارس إكراهاته على الكائن الجوهراني الشعري. إن اللاحقيقة في الشعر هي الوجود الأصلاني المنفتح، أو التجلي الأكثر تميزا في تعدديته".
 
إن الشعر باعتباره تيه، يرتسم كتأويل متحرر من كل غائية مسبقة، ومن كل توجيه قبلي. وهذا هو ما يمكن التأويل الشعري من الانبثاق من حيز لا واجب فيه. فهو حركة دؤوبة، لكن بدون غاية محددة سلفا. حركة لا تحكمها قوانين أو قواعد، تحدث خارج ثنائيات الظاهر والباطن، البراني والجواني، الحقيقة والزيف، الخطأ والصواب. وبما هي كذلك فهي لا تعين نفسها بإزاء مرجع ما، ثابت ومضمون، وحاضر حضورا ممتلئا، ستحاول أن تخبر عنه، أوتطابقه أو تصفه. إنها الحركة التي لا تتولد إلا من ذاتها باعتبارها كيانا متفجرا. والتي لا تعد إلا بالمفاجئ والمباغث، بالمعتم والغامض. إنها صيرورة انثناءات لا تبسط وإنما تثني. وهكذا فالشعر بما هو تأويل ليس رهانا إبستمولوجيا صرفا، بقدر ما هو رهان لا زمني يشغله الزمن ضد نفسه. إنه كينونة تحقق نفسها على حد الإضافة والنقص، غير قابلة للاستفادة من مفهوم.
 
جاء في كتاب الشعر والتأويل: "فالشعر لا يحفز على رؤية يقينية، لأنه يقع في الصف المناقض للإكراه المعرفي، إن وظيفته هي إثراء الحدوس الظنية…".
 
إن الشعر بهذا تأسيس لأنطولوجيا الانفلات: ذلك البعد المشرع الذي يغمرنا ورغم ذلك لا يمكن الإمساك به ولا إخضاعه للضبط. ذاك القريب الموغل في الابتعاد، ذاك الذي ليس له شبيه ولا يمكن تأطيره ضمن مقولة سابقة. ذاك الذي لا يمكن للغة إلا أن تبدده كلما أرادت أن تؤكده. لذلك فإن تأويلية الشعر تجيء متحررة من كل وصاية للمعنى، وللفهم المشترك. إنها قوة محررة للغة من صنمية الإحالية التي تأسر كل استعمال لغوي في شبكة التواصل التي تكرس سيادة الشائع والمعهود. والتي لا تسمح بمختلف إلا من حيث هو شبيه لنموذج سابق. يقول مطاع صفدي في كتابه نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة: "كون اللغة أداة للتفاهم يعني كونها شبكة إيصالية للتفاهم المطلوب المقنن مقدما، ذلك التفاهم الذي تم التفاهم حوله على أنه كذلك، فلا ينبغي أن نخدع بما يقال: إن تلك اللغة الشائعة هي اللغة الحية.. فالتداول ليس حجة على كون اللغة حية أولا، بقدر ما يبرهن التداول على الفعالية الأمرية، على السلطة الواجبة المحملة للقول. فهو دليل موت للغة الحقيقة وليس برهان حياة أبدا. ذلك أن التداول لا يعني الإيصال إلا لما هو موصل وواصل مقدما. إنه لا ينقل دلالة، لكنه يطلب فعلا ما، سبق للحس العام أن أقره وقرره، ودعم صلاحيته للشيوع والمداولة". إن اللغة بما هي إحالة مقننة سلفا، لا تسمح إلا بما "قد تم وكان" [ العبارة لفوكو]. إنها لا تتيح إمكانية الجديد إلا من حيث هو قديم. إنها بهذا كيان ميتافيزيقي يعرض العالم كتجلي لوحدة مطلقة، ويجعل الكثرة مجرد استنساخ لنموذج موحد، فيصير كل تكلم انضباطا لأوامر هذا المطلق الذي يسكنها واستعادة للواحد الذي يقيم في كل مكان.
 
واستشعارا لخطورتها التشميلية هذه الممثلة في الإدماج القسري والقهري لكل اختلاف في الوحدة، ولكل منفرد في الشبه الأصلي، ولكل تشتت في النظام، والشذوذ في المألوف والمعهود، فإن الشعر كتأويل يشتغل كقوة مضادة لهذا المفعول التشميلي للغة بما هي معقل ميتافيزيقا الوحدة. وهو بهذا لا ينخرط ضمن أي رهان تواصلي. لأنه مسكون بالتيه، باختراق المفاجئ بما هو كذلك: "… لولا التيه لما كان هناك تاريخ ومعنى ذلك أن الوجود يتيه بالموجود ولا يعرض الموجود إلا في التيه، فيقيم بذلك عالم الضلال، ذلك هو مجال حصول التاريح…". وهكذا فإن هرمونيطيقا الشعر ليست نسقية، ولا تعمل على تأسيس نسق. إنها لا تصادر على الانسجام والتناغم والنظام. إنها هرمونيطيقا كاووسية تعرض وجودا منقسما، مهشما، ممزقا، لا يأتلف مع ذاته، هو فوران من الاختلالات والتوترات لا ينتظمها أي قانون ولا يستطيع أن يحتويها أي نظام. مثلما تعرض كائنا ليس هو أكثر من شروخ تنثني على هوات، فجوات، وثغرات. كائن تجتاحه قدرة تشتته وتبعده عن ذاته، تنذره كينونته للحركة وللتيه، لكن دون أي حل شبيه بالحل الهيغلي.
 
لذلك فإن هذه الهرمونيطيقا لا تبحث عن النظام في فوضى عارضة، كما تفعل الهرمونيطيقا الميتافيزيقية. بل بالعكس إنها ترى إلى النظام كحالة لا نظامية. وهي بذلك تكشف عن الفوضى داخل كل نظام. يقول عبد العزيز بومسهولي في الصفحة 108 من كتابه: "… الشعر يعري الإعتام الذي يقدم الوجود كبعد أحادي منظم تحكمه عناية القوانين، وفي هذه الرؤية إقصاء لإحدى أهم مكونات الصيرورة والوجود التي تخالف رؤيا الشعر الخلاقة التي فيما هي تخلخل الفضاء فإنها في الوقت ذاته تكشف عن الفوضى في صلب النظام لأنها لا تأخذ بالمنهج المنطقي، لأن منهجها هو اللامنهج ذاته". ويضيف قائلا في الصفحة 115: "إن إدراك الفوضى داخل النظام العام للأشياء هو إحدى أهم أركان الرؤية الشعرية بما هي التوتر الحيوي للعالم".
 
من خلال ما ورد أعلاه ندرك أن ما يقدمه كتاب الشعر والتأويل، هو رؤية تأويلية تقع على النقيض من التأويل الميتافيزيقي الذي يصادر على الحضور الدؤوب للمعنى. والمسكون بهوس الفوز بالدلالة الأولية، وبالحقيقة الثابتة والماهية الدائمة. والذي يتصور نفسه كعملية مسترسلة لقهر الالتباس، وجعل الغامض واضحا، والقضاء على كل مظاهر الفوضى وإحلال النظام بدلها… أي مواجهة كل ما من شأنه أن يتأسس على أنطولوجيا الانفلات.
 
ليس التأويل إعطاء الكلام لخطاب صامت ثاو في عمق نص مفترض. إنه إعطاء الكلام للصمت والفراغ الذي يجتاح المؤول ككيان لغوي أنتجته معاناة اللامعنى. وليس هو إرادة الكشف عن المعنى الأصلي والدلالة الحقيقية التي تغترب في قلب المجازات والاستعارات. إنه ليس تجربة لحضور المعنى بقدر ما هو معاناة انفلات كل معنى. إنه ليس حركة توضيح مسترسلة للغامض والمتلبس والمعتم. وليس محاولة لفك طلاسيم المجهول، أو تبسيط المعقد. مثلما إنه ليس تقويما لكل تحوير قد يطرأ على النسق الإحالي للكلمات ورده إلى وضعه الأصلي المقنن. إنه ليس وقوفا على صفاء الباطن ونقائه خلف خدع المظاهر وزيفها. إنه حركة انثناءات تجعل كل كيان ينطوي على تشتته اللامتناهي وعلى انفلاته غير القابل للضبط. حركة تنصب القراءة كإمكان لمضاعفة الانثناء. وبالمقابل تجعل النص حصيلة هذه الانثناءات اللانهائية التي تحدثها القراءة.. هذه الأخيرة التي تحدث على النقيض من القراءة الميتافيزيقية التي تفترض نفسها مسبوقة بالنص بما هو وحدة قائمة بمثابة كثلة متجانسة يسكنها معنى متعالي يحتفظ بنفسه في معترك التغيرات والاختلالات. فبالعكس إنها قراءة تلد نصها الذي يظهر ويختفي معها، يولد ويموت فيها، يبدأ ببدايتها وينتهي بنهايتها. إنها قراءة لا تتكرر، والتي تكون كتابة دائمة لنص جديد.
 
بقي أن نشير إلى أن كتاب الشعر والتأويل بما هو حيز للانثناء، وبما هو رؤية تحرر الشعر من التصور الميتافيزيقي القديم الذي يعتبر الشعر مجرد تعبير، بأخذ إمكانه هو كذلك من هذه الثنية التي جعلت أسئلة وإشكالات الفكر المعاصر ممكنة. إنها الثنية النتشوية-الهايدغرية. نيتشه الذي فتح بجنيالوجيته أفقا جعل فيه الوجود سلسلة من التأويلات المتصارعة المخترقة بإرادة القوة. وهايدغر الذي كشف البعد الأنطولوجي للغة من حيث هي سكن الوجود. واعتبرها: "ما يضمن إمكان الوجود وسط موجود ينبغي أن يكون منكشفا… فليست اللغة أداة طيعة ولكنها على العكس من ذلك هي هذا التاريخي نفسه الذي يتصرف في الإمكانيات العليا لوجود الإنسان". مثلما اعتبر الشعر تأسيسا للوجود بواسطة الكلام14.
 
إن أهمية الكتاب تكمن في هذه الورطة التي يضعنا فيها، والمتمثلة في جعلنا ننفتح على قلق هذا السؤال الذي ما نكاد ننتهي من قراءة الكتاب حتى يبدأ صداه يتردد داخلنا وهو: "لماذا هناك تأويل؟ وأي ضرورة تفرضه؟ هل الأمر يعود إلى ما يفصل كل كينونة على عدمها؟ ويثني كل هوية للذات على تشتت الغير؟ هل لأن هناك واجبا أخلاقيا يفرض أن يكون شيء حقيقي؟ هل لأن الإنسان مجتاح بتلك المنطقة المظلمة والشاسعة من اللامفكر الذي يشكل –على حد تعبير فوكو- بالنسبة للإنسان: "الآخر الأخوي والتوأم، المولود لا منه ولا فيه، بل هو إلى جانبه. وفي الوقت ذاته هو تجدد مماثل لذاته في ازدواجية لا تنقض"15؟ هل لأن هناك دائما كينونة تتجاوز حركة الفكر وتنفلت منه؟ أم إن الأمر يتعلق باللغة بما هي مخترقة بفقدان جذري للمدلول يجعلها تنساب متدفقة من أجل الإمساك بأثر هذا الفقدان؟…
 
إن قلق هذه الأسئلة هي الضريبة التي يدفعها القارئ لكتاب هو بمثابة نهر يجري في تجدد دائم تشكل الفلسفة ضفته الأولى والشعر ضفته الثانية، مثلما هو كتاب الشعر والتأويل.
عبد الصمد الكباص


معرض صور