المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الانقلابات الخفية لزعزعة النظام والامان في زمن الميديوكريتان

الجمعة 30 يناير 2015

الانقلابات الخفية لزعزعة النظام والامان في زمن الميديوكريتان
في نهاية الثمانينات من القرن الماضي حصل الشاب أ. ب. على الاجازة في القانون فتوجه صوب الرباط مرة أخرى وكل الامل يحذوه في اجتياز مباراة الامتحان الشفوي،الذي استدعي إليه، بنجاح والولوج إلى السلك المخصص لتكوين رجال السلطة .دخل الشاب إلى مكتب فوجد نفسه أمام مسئول " كبير " عينته الوزارة الوصية لترؤس لجنة الامتحانات . ما أن أخذ مكانه حتى سأله المسئول : " منين أنت أولدي " فأجابه : " بني ملال " فأردف  المسئول : " منين بالضبط " فقال الشاب : "دائرة القصيبة نموحى وسعيد فخذة آيت علي أوبراهيم ". نزل اسم القصيبة كالصاعقة على آذان السيد  المسئول الذي أنهى الامتحان ،و معه آمال صديقنا القصباوي ، قائلا : "أنت من هادوك اللي قاسحين لهوم روسهوم " آمرا إياه بالانصراف.
 
غادر صديقنا الرباط خاوي الوفاض وهو في حيرة من أمره ولم يكن ليدرك آنذاك أن الحقد المجاني الذي نسجته بعض الجهات من محض خيالها، نكاية في القصيبة ورجالها والذي رعته منذ قرن من الزمان ، يجد جذوره في اللقاء الذي جمع غداة إعلان الحماية ، بالمنطقة المسماة "إمي نتجيريت"، بين المهدي المنبهي وزير الحربية على عهد السلطان مولاي عبد العزيز والقائد التاريخي موحى وسعيد الويراوي. 
 
إذ لم يجد الوزير المنبهي بدا من شد الرحال إلى جبال الاطلس المتوسط آملا أن يقنع القائد الويراوي صديق الامس الذي خاض معه عدة حروب لنصرة السلطان وتوحيد البلاد خاصة تلك التي دارت بينهم وبين بوحمارة بتازة، التي يوجد بمقبرتها جناح مخصص لشهداء القصيبة، بالعدول عن محاربة الفرنسيين الذين أعلنوا الحماية على المغرب، لكن كل محاولات الترغيب هذه والترهيب التي قام بها باشا بني ملال بوجمعة المسفيوي وغيره لم تنل من عزيمة موحى وسعيد الذي لم يكن ليبايع أحدا غير سليل الدوحة النبوية ولم يكن ليسمح للمستعمر الغاشم أن يحارب الاسلام وأن ينشر المسيحية بين صفوف القبائل المغربية المسلمة.
 
بعد فشل مساعي الوزير المنبهي وشرذمتة، استيقن الفرنسيون وأزلامهم أن موحى وسعيد وجنوده لا يمكن مساومتهم، وأن لا مفر من الحرب التي بدأت طبولها تدق منذ أن أباد العقيد مانجان العديد من جنود الشيخ أحمد الهيبة بانزالت العظم وسيدي بوعثمان غير بعيد عن ا بن جرير عاصمة الرحامنة في 6 سبتمبر 1912 م.
 
و من أجل الفهم الصحيح والمنصف لحيثيات هذا الموضوع سنأخذ قرائنا المحترمين في رحلة وجيزة عبر تاريخنا المجيد.
القائدالمجاهد موحى وسعيد الويراوي أو رجل الدولة الذي أريد تهميشه
 
معركة مرامان
في الوقت الذي بدأت فيه القوات الاستعمارية الفرنسية والاسبانية، بعد معاناة كبيرة، تتمكن من إضعاف "البؤر الثائرة" في الشمال و الجنوب (بقيادة الشيخ ماء العينين) والهدن المشروطة والمنتزعة تتوالى، بعد مفاوضات عسيرة مع سادة الجبال في الاطلس الكبير، بقي الاطلس المتوسط مستعصيا وغير قابل للخضوع وهذا في حد ذاته يعتبر خطرا كبيرا يربك أوراق المستعمر ويلوح بإفشال ودحض التواجد الغربي برمته في المغرب.
 
لقد التفت القبائل الاطلسية المستعصية ومن بينها غياته، بني وراين، زيان، آيت سري وآيت سخمان حول قادتهم الرئيسيين سيدي علي أمهاوش، سيدي رحو، موحى وحمو أزايي (الزياني) وموحى وسعيد أويرا (الويراوي) لتكون السد المنيع الاخير في وجه فرنسا الغازية.
 
وتعتبر سنة 1913 م الموافقة لسنة 1331 ه حاسمة ومفصلية بالنسبة للفرنسيين لان القادة السالفي الذكر رفضوا أية مفاوضة معهم وأعلنوا الجهاد بفتح جبهات كثيرة في مديونة ، الشاوية، بودنيب، وادي زم، قصبة تادله، بني ملال، تازة، إلخ. ولا أدل على خطورة الموقف من اعترافات الفرنسيين أنفسهم إذ قال العقيد مانجان بهذا الخصوص " في كل الجبهات نصطدم بقبائل الاطلس المتوسط ... والغليان يندلع من جديد وينتشر في كل سهل تادلة.... يجب علينا أن نضرب بقوة لوقف وإخماد ثورة عامة قادمة ".
 
كثف المستعمرون من هجماتهم الهمجية القاتلة منتهجين في ذلك سياسة الارض المحروقة، واستطاعوا أن يخضعوا بعض القبائل شمال تادلة لكن سقوط قصبة تادلة في السابع من أبريل 1913 م الموافق ل29 ربيع الثاني 1331 ه لن تكون له أية قيمة و أي معنى بدون سقوط القصيبة معقل موحى وسعيد والعاصمة الادارية والروحية لمجاهدي اتحادية آيت سري) المكونة من قبائل آيت أم البخت، آيت عبد لولي، آيت محند وبالطبع آيت أويرا( وآيت سخمان.
 
إن سقوط القصيبة، الواقعة وسط المغرب في محور يبعد ب 245 كلم عن أهم المدن المغربية كفاس، مكناس، الرباط ، الدار البيضاء ومراكش، له بعد استراتيجي وحيوي بالنسبة للفرنسيين بحيث سيمكنهم من قطع الامدادات  والاتصالات بين شمال المملكة الشريفة و جنوبها.
 
وجب علينا استعراض السياق التاريخي لمعركة "مرامان" العظيمة بقيادة موحى وسعيد لكي نفهم ما اكتسته من أهمية ومن أبعاد على كل المستويات: تاريخيا،و سياسيا ، و جيواستراتيجيا ، الخ. يقول مانجان بهذا الخصوص:" إن حملة تادلة وعمليات العدو المرتبطة بها حددت كل معالم التنظيم السياسي للمجال الترابي الواقع بين أم الربيع ووادي كرو"
 
العقيد مانجان "سفاح الاطلس" وجها لوجه مع موحى وسعيد "أسد الاطلس"
بعدما أعطاه المقيم العام ليوطي الضوء الاخضر ، على إثر فشل مفاوضات الوزير المنبهي وباقي الوسطاء، الممزوج بالتردد وعدم الثقة في النفس، قرر الجزار مانجان الزحف على "إغرم لعلام"، وهي بمثابة مركز قيادة متقدم لموحى وسعيد، الواقعة عند قدم الجبل بين القصيبة وقصبة تادلة. كان هذا الزحف الغاشم إيذانا بانطلاق المواجهة المحتومة التي بلغت ذروتها أيام 8، 9 و10 يونيو 1913 م الموافقين ل 3، 4 و 5 رجب 1331 ه. جمعت من جهة الجيش الفرنسي المغتصب الذي يعد بالالاف والمدجج بالطائرات ، و المدفعية الثقيلة وأحدث البنادق والاسلحة في ذلك العصر، ومن جهة أخرى قبائل آيت اسري، آيت سخمان الابية المسلحة بالايمان وبنادق "بوحبة" المتواضعة تحت قيادة موحى وسعيد الذي يتمتع بكاريزما وذكاء خارقين والموحد للقبائل الامازيغية التي تعتبر إلى يومنا هذا من بين الركائز الاساسية للدولة العلوية الشريفة. هنا تجدر الاشارة إلى أن موحى وسعيد في  1913 م كانت له تجربة حربية تفوق 30 سنة إذ بدأ مسيرته الجهادية سنة 1880 م بإخضاع ما يسمى بقبائل "السيبة" (سنخصص لاحقا مقالا علميا لتسليط الضوء على هذا المصطلح المليء بكثير من اللبس والالغام) مما ساهم بقسط كبير في إرساء سلطة المولى الحسن الاول الذي عينه فيما بعد (1888 م) قائدا على الاطلس المتوسط الجنوبي- المعروف بدائرة " القصيبة نموحى وسعيد " الذي تفوق مساحته مساحة دولة لبنان الشقيقة- وأعطاه "العلم السلطاني الابيض" الذي نصبه القائد الويراوي فوق مركز قيادته التي باتت تعرف إلى يومنا هذا بإغرم لعلام (دار العلم) كرمز للروابط الروحية المتينة المشفوعة بالحب المتبادل الذي يجمع العرش والشعب.
 
صبيحة الثامن من يونيو 1913 م الموافق ل 3 رجب 1331 ه ، وصلت فلول مانجان الغازية إلى إغرم لعلام التي بادر موحى وسعيد وقواته الباسلة بإخلائها لتمويه العدو. هذا الاخير الذي استهان بذكاء القائد الويراوي وببعد إدراكه ومعرفته وإلمامه بتضاريس جباله التي اتخذ من صخورها ونباتها مخبئا لمباغتة الاعداء الذين لم تطأ أقدامهم قط هذه الارض من قبل. قسم موحى وسعيد قواته إلى ثلاثة أقسام: الفرقة الاولى وكل إليها مناوشة طلائع العدو وتمويهها ؛ الفرقة الثانية: احتفظ بها كقوات احتياطية للتدخل والمساندة عند الحاجة ؛ أما الفرقة الثالثة والاكثر بسالة جرأة وإقداما والتي يتواجد بها موحى وسعيد وأبرز مقاتليه من الرماة والكوموندو ، فركزت هجماتها وضرباتها على أجنحة ومركز جيش العدو.
 
لقد نجح موحى وسعيد ورجاله بفضل الله وحنكتهم من إرباك العدو وقهره وجعل مانجان ومرتزقته يتراجعون تحت نيران المجاهدين الامازيغ الذين أجبروهم على خوض عراك أخير قال عنه مانجان فيما بعد: " وحدث تشابك رهيب مرتبك؛ كنا نتقاتل بالخناجر والسكاكين وكنا نتبادل إطلاق النار من قريب على مرمى اليد ..... " . تكبدت القوات الفرسية أيام 8، 9 و10 يونيو 1913 م خسائر بشرية جسيمة قدرت ب 320 منها 150 قتيل كان من بينهم.القائد بيكار (le Commandant Picard) وعدة ضباط آخرين وغنمت القوات المسلمة الامازيغية عدة مدافع وأسلحة وذخائر تركها الفرنسيون وراءهم وهم يفرون من أرض المعركة وبغض النظر عن الخسارة الرمزية المتمثلة في العلم السلطاني الابيض الذي سرقه مانجان عند دخوله إغرم لعلام، فإن القوات الفرنسية تلقت صفعة لا تنسى وخسرت على كل الاصعدة. أمام هذا الوضع الخطير والنكبة غير المرتقبة، بعث ليوطي على جناح السرعة الجنرال ديسبراي آمرا القوات الفرنسية بعدم المجازفة والبقاء وراء خط التماس الواقع في الضفة اليمنى لنهر أم الربيع وانتظار الظروف الملائمة لاتمام المشروع الاستعماري التوسعي.
 
معركة "مرامان" العزيزة أربكت أوراق العدو وعطلت أجنداته لاكثر من تسع سنوات، إذ لم يدخل الفرنسيين القصيبة إلا في شهر أبريل 1922 م الموافق لشهر شعبان 1340 ه ، أما موحى وسعيد فقد واصل جهاده رغم تقدمه في السن وإصابته بجروح كثيرة وبليغة، إلى جانب إخوانه الاماجد سيدي علي أمهاوش، سيدي ارحو، موحى وحمو أزايي، و مع كل قادة الجهاد في بوكافر والاطلس الكبير وآل ماء العينين الذين عاصرهم كلهم (الشيخ ماء العينين وأبنائه أحمد الهيبة، وامربيه ربه)، ولم يتوقف من التنسيق معهم عبر محطات خالدة: لهري (1914)، بني ملال (1914، 1915 و1916) …….….. قبل أن يلتحق بالرفيق الاعلى في الخامس من مارس 1924 م الموافق الثامن والعشرين من رجب 1342ه ببونوال التي استقر بها بعد سقوط القصيبة.
 
لقد انتظرت القصيبة مئة سنة لتخليد ذكرى "مرامان" العزيزة وإذ نغتنم هذه المناسبة لنقدم تشكراننا للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والتي نسقت مع المجلس البلدي بالقصيبة وبعض الجمعيات بتأطير من ثلة من الاساتذة الباحثين الافاضل على محاولاتها تخليد الذكرى العظيمة بتاريخ 9 يونيو 2013 م لا يفوتنا أن نلاحظ بمرارة أن هذه المبادرة و إن كانت محمودة تبقى دون مستوى تاريخ القصيبة العريق ودون تطلعات أبناء المنطقة الذين لم ينالوا بعد ما يستحقون من الالتفات ، هذا الالتفات و العناية  لا تعدو أن تكون حقا مشروعا يكفله التاريخ و القانون والبيعة التي تجمع العرش بالشعب      . و أذكر المندوب السامي السيد مصطفى الكثيري المحترم أن ما قام به شيء مشكور ولكن يجب تدارك بعض الهفوات الخطيرة التي لا يمكننا قبولها و التي تكمن في محاولة اختزال المقاومة القصباوية في 59 سنة فقط ..... لا يا سيدي الفاضل، مقاومتنا الرسمية والمعروفة تفوق 130 سنة ومقاومونا وأبنائهم و نساءهم و حفدتهم لم ينتظروا 130 سنة لتوزع عليهم بعض الصدقات على شكل إعانات وواجب العزاء ، وعلى بعض الافراد المحسوبين على رؤوس الاصابع...... لا يا سيدي الكريم، نحن في تلك الجبال الشامخة لا نمد أيدينا ..... أيادينا دائما عليا و ليست سفلى، وحتى لغتنا الامازيغية العفيفة لن تجد فيها مرادفا لكلمة " شكرا " لاننا بكل بساطة تعودنا أن نعطي لا أن نأخذ ..... ما ننتظره هو أن ترقى القصيبة إلى إقليم قائم بذاته وقادر على بلورة مشاريع حقيقية تستفيد منها الاغلبية الساحقة من المواطنين وعلى الانخراط الفعلي في الاوراش المحمدية الشريفة ، شأننا في ذلك شأن العديد من المدن والجهات التي أعيد لها الاعتبار بفضل رجل المغرب الاول ملكنا الشاب الهمام رعاه الله.
 
و الادهى من هذا كله هو أن هذا التخليد المرتجل تزامن مع إنزال مكثف لمختلف قوات التدخل السريع وحفظ النظام و الدرك الملكي و رجال السلطة و أعوانها وكأننا في حرب ، والحال أن سكان منطقة أمشاظ ،و إمي نتفرست ومرامان التاريخية التي تحولت بكل وقاحة الى مطرح للازبال ومحطة تصريف المياه العادمة تظاهروا بطرق سلمية حضارية للتعبير،في إطار مقاربة تشاركية، عن رفضهم لمشروع إنشاء محطة لمعالجة و تصفية المياه العادمة والتي من شأنها أن تلحق أضرارا أكثر خطورة بالمجال و الانسان إن لم تنشأ في مكان آخر أكثر أمنا وتزامنت أيضا مع "السطو" على ممتلكات المقاومين أنفسهم الذين كانوا يشكلون بالامس القريب العمود الفقري لمجاهدي آيت سري. و هذا ما سنوضحه في السطور أدناه.
 
القصيبة ما بعد موحى و سعيد
لن نستطيع سرد تاريخ القصيبة (ما بعد 1924) الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من تاريخ الامة المغربية المجيدة في بضع سطور حتى و لو اقتصرنا على ذكر أسماء بعض المجاهدين و المجاهدات الذين ضحوا بالغالي و النفيس ليذوق مغرب الامس نوعا من الاستقلال و ينعم مغرب اليوم بالاستقرار والسلم الاجتماعيين الذين تحسدنا عليهما العديد من الامم. و في انتظار إصدار مقال خاص و مفصل عن مجاهدي آيت سري و آيت سخمان نكتفي بالقول بأن جهة تادلة أزيلال، على غرار العديد من جهات المملكة، أفاقت من حلم الاستقلال الذي ظل يراود كل المغاربة الاحرار لاكثر من خمسة عقود أي الفترة التي شرد فيها الشعب المغربي و نكل بأبنائه من طرف الاستعمار الغربي و أزلامه لتجد نفسها أمام كابوس آخر هو التهميش،والاقصاء والاستبداد الذي استفحل و تطور إلى حد خلق و نشر ثقافة جديدة: ثقافة الميديوكريتان la Culture du Médio-crétin
 
جماعة الميديوكريتان وانقلاباتها الخفية 
ميديوكريتان مشتقة و مركبة من كلمتين فرنسيتين هما Médiocre   و Crétin  و قد استعملت أول مرة من طرف السيد جمال الدين القشيري أستاذ سابق بكلية الاداب و العلوم الانسانية بمراكش التابعة لجامعة القاضي عياض- لنعت إنسان يجمع كل أوصاف الرداءة و البلادة.
 
يمكن أن نلخص هذه الثقافة في ما يلي:
كل من توفرت فيه خصلتان هما الكفاءة و الاستقامة يصبح منبوذا و مستهدفا من طرف "مريدي" جماعة الميديوكريتان ممن تزخر بهم كل طبقات المجتمع المغربي، فهم انتشروا كالسرطان في جسم المجتمع و في جل خلاياه: الادارات،والمؤسسات، و القطاعات العمومية و الخاصة،و الشركات ،و الاحزاب،و الجمعيات،و النقابات،و الجامعات،.الخ.
 
تتصف جماعة الميديوكريتان بصفتين أساسيتين متلازمتين هما البلادة والرداءة. الصفة الاولى يمكن إلصاقها  بجانبها الكفائي أي فيما اكتسبته من الكفايات والمهارات والصفة الثانية تتلبس بأعمالها وأفعالها تجاه البشر والشجر والحجر فهي أينما اتجهت سواء للطبيعة أو الانسان لاتنتج الا الرداءة. لنقل بايجاز غير مخل بمقصدنا أن جماعة الميديوكريتان بليدة من حيث قدراتها،  رديئة في ادائها يصدق عليها قوله عز و جل :" الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا "
أما دليل الميديوكريتان في محاربة الصلاح و الاصلاح و الصالحين فيرتكز على ترسانة من السلوكات و القواعد و الاهداف نجمل أهم بنودها في ما يلي:
 
إذا كنت كفؤا و مستقيما فجماعة الميديوكريتان تعدك بما يلي :
1- لا تحلم بالمسؤولية أو الوصول إلى مركز القرار ولو شاء الله ووصلت فسوف يضرب عليك طوق من حديد يجعلك تستقيل في أقرب وقت ، و أما إن كنت من المثابرين الصابرين و كان "راسك قاسح" فمصيرك السكري، أو مستشفى المجانين أو الجلطة الدماغية.
2- ستصنف في خانات "المغضوب عليهم" و  "الضالين".
3- لن تترق في مسارك المهني قط بل حتى في مسارك الدراسي ستعاني و تكابد كل أشكال الحرب المادية و المعنوية.
4- سترث هذه اللعنة أنت و عائلتك الكبيرة و الصغيرة و جل المقربين إليك إلى ما شاء الله.
5- ستمارس عليك الضغوطات و المضايقات من كل الاصناف. (Harcèlements de tous genres)
6- ستنعت بالاوصاف التالية : "راسو قاسح" ،"ما كايتفاهمش" ، "متزمت"، "شيوعي"، "إسلامي"، "علماني"، "خوانجي"، "كافر"، "قاعدي"،"رجعي"، " تقدمي "، "مخزني"، "انفصالي"، "إرهابي"، " ملايقش"، أمازيغي"، "عروبي" إلخ. هذه الاوصاف تتنافى و تتناقض ظاهريا حسب المواسم و المصالح و الاهداف و لكنها في الباطن عدة مسميات لعملة واحدة....
أما ما حققت هذه الجماعة خلال الخمس عقود الاخيرة فيكمن في مساهمتها الفعالة في تحقيق المغرب لكثير من الارقام المخجلة على الصعيد العالمي و نخص بالذكر احتلال المغرب لرتب متدنية جدا في ما يتعلق بالدخل الفردي للمواطن، التنمية البشرية (رغم الجهود والمحاولات التي أتاحتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية)،  الترتيب العالمي للجامعات، الفوارق بين الرجل والمرأة (التي أريد علاجها بطريقة كارثية اختزلت في التمييز الايجابي)، محاربة الرشوة، محاربة الامية، إلخ.
 
 تهميش الرجال ...تقزيم الارض....الانهيار المحتوم
إن التهميش الممنهج للكفاءات في كل المجالات و على جميع الاصعدة و الذي لم يتوقف منذ عقود هو الذي ساهم بشكل خطير في تقوية الاعداء و تقزيم رقعة الدولة المغربية الشريفة. يكفينا أن نذكر لمن يعتبر أن التهميش الذي طال رجالات المغرب الاكفاء و الاوفياء هو الذي أبعدنا لمئات الكيلومترات عن حدودنا الطبيعية التاريخية المتمثلة إلى غاية الامس القريب في نهر السنغال جنوبا وحال دون استرجاعنا لالاف الكيلومترات المربعة أي "الصحراء الشرقية" التي اقتطعها الاستعمار الفرنسي ليضمها غصبا إلى الجزائر الشقيقة وهو الذي لم يمكنا إلى غاية اليوم من استكمال استقلالنا واسترجاع ما اغتصبه الاسبان ، أقصد: سبتة، مليلية، الجزر الجعفرية، جزر الخالدات، جزر الكناريا...
 
ألم يدفع تهميش الميديوكريتان بفئة مهمة من الشباب المستوطن للجنوب المغربي وغالبيتهم من أبناء المقاومين وجيش التحرير الاشاوس إلى الانتفاضة التي وصلت إلى درجة المطالبة بالانفصال عن الوطن الام ولا أدل على هذا من القولة الشهيرة للوالي مصطفى السيد رحمه الله، أحد المؤسسين الاساسيين لما بات يعرف بجبهة "البوليساريو":
 
(صعدنا الجبال سكنا القمم
 
لنصبح رجالا من بعد العدم
 
لنفضح من قال رعاة الغنم)
 
لم تتوان جماعة الميديوكريتان في رصد كل الكفاءات في كل المجالات وجمع كل المعطيات المتعلقة بها (une véritable veille informationnelle)  وفي الحرص كل الحرص على إبعادها وتهميشها ،ونذكر على سبيل المثال لا الحصر عالم المستقبليات د. المهدي المنجرة رحمه الله ، الدكتور طه عبد الرحمان أحد أكبر الفلاسفة و المناطقة في العالم (الذي تدخل جلالة الملك محمد السادس شخصيا لفك الحصار المضروب عليه)، سعيد عويطة بطل الابطال وفي كل الاوقات وسيد الحلبات بدون منازع ، د. عبد الجليل هنوش العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية مراكش، القائد المجاهد موحى وسعيد أويرّا (الويرّاوي) أحد الركائز الأساسية للدولة العلوية الشريفة والذي لم يتفاوض قط مع الاستعمار الاجنبي ، العالم العلامة الجليل سيدي محمد بلقزيز) الذي تم تكريمه بجائزة محمد السادس للفكر والدراسات الإسلامية (الذي أهين و طرد من كلية الآداب والعلوم الانسانية بمراكش إلخ....
 
بالرجوع إلى القصيبة، على غرار عدة مناطق بجهة تادلة أزيلال، نقول بأنها عانت في بعض الاحيان أكثر مما عانت منه المناطق الاخرى إذ تم تهميش الانسان والمجال واستنزفت خيراتها الطبيعية مما يؤشر على اختلالات بيئية واجتماعية عميقة بدأت تلوح في الافق والتي من شأنها أن تخل بتوازنات البلد برمته إذا ما تم السكوت على جماعة  الميديوكريتان  و تركت لتواصل عملها التخريبي الممنهج وانقلاباتها الخفية الخطيرة المتكتمة.
سلطة الرجال ورجال السلطة
 
 
 
لفهم خطورة الموقف وجب الوقوف على آخر فصول تهميش رجال القصيبة إذ بعد محاولات الاقصاء الممنهج الذي طال القائد التاريخي موحى وسعيد، والذي لا يزال ساري المفعول،  ومن خلاله كل قبائل الاطلس المتوسط الجنوبي، عمد الميديوكريتان إلى تطبيق كل البنود التي تضمنها دليلهم وأوصت بها "قوانينهم"،  وخاصة البند الرابع الذي يختص بتوريث الابناء والاحفاد اللعنة التي طالت الاباء والاجداد والذي بموجبه تم تسليط الضوء على أول أحفاد موحى وسعيد وحامل سره واسمه " القائد محمد" بن علي بن موحى وسعيد الذي تحمل مسؤولية الارث التاريخي الجسيمة ( il en était le véritable et principal dépositaire)، والمتمثل في الذود اللامشروط عن الوطن والهوية ورعاية عقد البيعة التي تجمع آل موحى وسعيد وكل قبائل دائرة القصيبة بالعرش العلوي الشريف منذ 1880 م وبصفة رسمية منذ 1888م.
 
بدون الخوض في تاريخ الرجل الذي يعتبر من أبرز شخصيات "القصيبة" في الخمسين سنة الماضية إن لم يكن أبرزها على الاطلاق يكفينا القول بأنه يعتبر بشهادة الجميع، بدءا بالميديوكريتان  أنفسهم، الوجه الوضاء لوزارة الداخلية ومن أنظف رجالات الادارة المغربية على الاطلاق.
 
ما كانت سلطة الرجل ليحتويها القالب الضيق الذي ابتكرته الوزارة المذكورة وفرضته إلى عهد قريب على غالبية رجال السلطة. فبالاضافة إلى كفاءته المهنية وحرصه الشديد على تشريف الظهير الملكي الذي يحمله، لم يذخر جهدا في محاربة الفساد والرشوة والاقطاعية (بدءا بمحيطه القريب ! ) والتزوير والزبونية والمحسوبية، بل تعدى الاختصاصات التي خولت له كعضو في الجهاز التنفيذي للدولة ليضع في صلب اهتماماته مبادرات جعلت منه أسطورة عصره نذكر منها: تشجيعه للمشاريع المذرة للدخل، تسهيل هجرة المواطنين الراغبين في تحسين ظروف معيشتهم خارج الوطن، إقامة مشاريع سياحية تتلاءم والمكانة التاريخية للقصيبة، تأسيس أولى الفرق الرياضية بكل من زاوية الشيخ، و أغبالة والقصيبة والتي عرفت نوعا من الاحتراف خلال الستينيات مكنها من جلب لاعبين محترفين (أمثال مصطيفة، الحارس سطوني الخ.( ومن الاحتكاك بكبريات الفرق الوطنية آنذاك (كرجاء بني ملال التاريخي، ، شباب خنيفرة الكبير، الجيش الملكي العريق بقيادة كليزو والمولودية الوجدية تحت قيادة الرئيس بلهاشمي رحمه الله والدولي السابق الفيلالي التي اتخذت من القصيبة مركز لتربصاتها( وكذلك  من تطعيم فرق وطنية أخرى بلاعبين قصباويين (نسبة إلى دائرة القصيبة) أكفاء نذكر منهم على الخصوص أحمد لمان رحمه الله، العميد السابق للفريق الوطني المغربي الذي يعتبر صنعا محليا قصباويا صرفا، المايسترو الموهبة بوهادي صالح رحمه الله، مصطفى بلعبيد، جحيد، اسّو، حوباين، بيدوش، علمي/أجديعا، الخ...
 
بدأت مضايقات الرجل منذ أن كان تلميذا في القصيبة، ثم بثانوية طارق بن زياد بازرو وثانوية ليوطي بالبيضاء، (حيث كان ولي أمره آنذاك الوطني الكبير ابراهيم الروداني رحمه الله)، ثم انتهت بالنفي إلى تولوز الفرنسية - بإيعاز من النقيب فالاش(le Capitaine Valache) وتحت المراقبة اللصيقة للاستعمار -التي استقر بها كطالب لبضع سنوات قبل الرجوع إلى المغرب وولوج وزارة الداخلية سنة 1961 م والتي أبان فيها عن اجتهاد ومثابرة وصبر منقطع النظير. لقد حرص الميديوكريتان على تهميش الرجل وجعله لا يبرح مكانه في نفس المنصب لاكثر من 34 سنة. هذه الوضعية التي زادت من تشبث الرجل بمبادئه عوض الانهزام والانصياع جعلت منه أسطورة حية يحترمها الجميع خاصة وأنه كان يبيع إرثه (أو الفتات الذي ورثه بصعوبة بعد عقود عرف فيها اليتم ،والمعاناة و الحرمان، و الحصار، والترقب، و النفي وظلم ذوي القربى) لكي لا يمد يده إلى ميزانية الدولة أو جيب المواطن.
 
لم يكن هذا كافيا لثني الميديوكريتان عن غيهم إذ بلغت بهم الوقاحة إلى محاولة إهانته وهو على فراش الموت –يعاني من مرض عضال-، هذه المحاولة باءت بالفشل بفضل تدخل شخصية سامية استطاعت بتبصرها وحنكتها وحلمها وسعة صدرها أن تحتوي الموقف وأن ترد الاعتبار للرجل ومن خلاله لكل قبائل آيت سري و آيت سخمان.
 
وسرعان ما انتهينا من هذه الحادثة المؤلمة، حتى عاود الميديوكريتان الكرة إثر وفاة رجل القصيبة الاول بتاريخ 30 يونيو 2010
 
ففي فاتح يوليوز 2010، أفاقت قصيبة موحى وسعيد ومعها قبائل الاطلس المتوسط الجنوبي على نبأ وفاة القائد واسو محمد بن علي بن موحى وسعيد وما كاد الناس يصدقون الخبر حتى أطل عليهم الموكب الجنائزي القادم من مراكش فاستيقنوا أخيرا بأن صفحة كبيرة من تاريخهم المشترك المجيد قد طويت وفهموا أن دائرة القصيبة وجهة تادلة أزيلال فقدتا بالفعل أحد أبرز المدافعين عنهما.
 
لقد عمد الميديوكريتان إلى تعتيم المعلومة وجعل الامور تمر في صمت، فعطلت شبكات الاتصالات "بقدرة قادر" طيلة ذلك اليوم (أي فاتح يوليوز2010)، ولكن هذا لم يثن كل القبائل عن التوافد فرادى وجماعات على بيت الفقيد بتاغبالوت نوحليمة يتزعمها أحباؤنا من كبراء آيت سخمان الاحرار أولئك الذين كرموه بصفة رسمية في ذلك اليوم المشهود من 3 شتنبر 2006 م الموافق للتاسع من شعبان 1427 ه ، وكل المكونات لقبائل آيت سري.
 
بعد صلاة الجنازة بتاغبالوت، اتجه الموكب الجنائزي المهيب، يتقدمه رئيس المجلس البلدي السيد مصطفى مشهوري (ابن المجاهد والوطني الكبير سيدي أحمد والحسين رحمه الله) وشباب القصيبة، إلى مقبرة الاجداد بساريف، الذي غاب عنه والي جهة تادلة آنذاك بالاضافة إلى كل العمال والولاة المنحدرين من دائرة القصيبة والمحسوبين في خانة الاصدقاء ، كما غاب ممثلوا وزارة الداخلية عدا باشا القصيبة آنذاك والسلطات العمومية ورجال الدرك الملكي الذين جاؤوا للتحقق من هوية الفقيد وإعطائنا الاذن ببدء عملية الدفن مؤكدين بذلك أن القائد محمد واسو طبق القانون وطبق عليه منذ أن ولد ببويصعان سنة 1934 م حتى لحظة دفنه بارض ساريف الطاهرة في الفاتح من يوليوز  2010 م بعيد صلاة الظهر.
 
بعد الانتهاء من مراسيم الدفن بدأ الجميع يتساءل عن سبب هذه الغيابات فجاءت بعض التوضيحات أسبوعا بعد ذلك إذ في التاسع من يوليوز 2010 م حضر وفد هام يضم بعض مستشاري جلالة الملك ووزير الداخلية وعدة شخصيات مدنية وعسكرية لتشييع جنازة الراحل واسو سعيد بن حمو بن رحو تغمده الله بواسع رحمته بنفس المقبرة أي بساريف. وقف الجميع للترحم على روح المفتش العام السابق لوزارة الداخلية وهذا أمر محمود ومشكور يستحق كل التقدير والامتنان ولكن المؤسف هو أن والي جهة تادلة أزيلال لم يتدارك هفوته السابقة ولم ينبه أحدا من هؤلاء المسؤولين الافاضل أنه على بضعة أمتار يرقد واسو محمد بن علي بن موحى وسعيد، أسد من أسود الاطلس الذين خدموا الوطن والعرش منذ ما يقرب من 130 سنة.
 
السيد الوالي لم يخبر أحدا أن المجال الترابي لقبائل آيت سري،و آيت سخمان تحول إلى بيوت عزاء وأن غض الطرف عن وفاة أحد أكبر زعمائهم هو بمثابة تهميش وتحقير لهذه القبائل برمتها بل ذهب البعض إلى حد القول بأن هذه الهفوة المقصودة أو غير المقصودة تعد محاولة يائسة وميؤوسة للمساس بالبيعة وأن المسؤول الاول عن هذه النازلة هو الوالي السابق لجهة تادلة أزيلال. وننتهز هذه المناسبة لنقول للرجل:
 
- أما عن مراسيم تشييع الجنازة، وفق الطقوس والتعاليم الاسلامية، فالراحل شيع من طرف المستضعفين والبسطاء والمساكين وحملة كتاب الله، وهذه هي زمرة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم. فهل هناك أعظم من زمرة رسول الله أيها الوالي المحترم ؟
- نقول لك بكل احترام سيدي الوالي، لست أنت من يقوم بتعيين أو اختيار أو تسمية الاعيان، فهذا من اختصاص الامة والتاريخ ونحن في القصيبة رغم بساطتنا وكون منطقتنا تشكل نقطة صغيرة في الخريطة الجغرافية واستصغاركم  لنا سوف نظل دائما وأبدا طرفا رئيسيا في صناعة هذا التاريخ ولقد فوت على نفسك، سيدي الوالي، فرصة لا تعوض ألا وهي التقاء غالبية أعيان قبائل آيت اسري،و آيت سخمان، وآخرين ما كانوا ليلتقوا إلا بمشيئة الله ولامر جامع يستحق الملاقاة.
- أحيطكم علما سيدي الوالي أنه بالاضافة إلى خيرة شباب القصيبة وأعيانها حضر أناس أخيار ممن يعظمون الدولة العلوية الشريفة وركائزها من قبيل سليل الشرفاء العروسيين والركيبات السيد الكنتوري سعيد بن الناجم بن المهدي بن محمد بن حماد أحد أحفاد الشهيد والشيخ المجاهد البخاري بوكجة كبير شيوخ الركيبات، وعدة أعيان من احواز مراكش وآيت اورير وتاحناوت الخ
أتدري سيدي الوالي أنه فور وفاة الرجل بمراكش تلقينا مساندة ومواساة كل جهة تادلة أزيلال المجسدة في شخص رجل الاخلاق والمبادئ الرجل التقي النقي والعصامي السيد عمر اضريس ونجليه احمد نعمان ويحيى بالاضافة إلى المؤازرة الفعلية لخيرة شباب القصيبة كالحاج محمد صدقي، وكذلك الاستاذ عبد الجليل هنوش سليل مجاهدي آيت باعمران البواسل وآخرون لا تسعهم هذه الاوراق.
 
إن ما يمكن أن تعاتبوا عليه، سيدي الوالي، هو رمزية غيابكم إذ ترتب عنه عدة أشياء نصفها بالخطيرة:
 
- بدأ الناس يؤولون ويتساءلون : إذا كان هذا هو مصير الشرفاء المخلصين الاوفياء فما جدوى الاخلاص والوفاء والاجتهاد ؟
- هل هذا الغياب مجرد هفوة أم يحمل في طياته أمورا أو خطابات سيكشف عن فحواها فيما بعد ؟
- على كل حال اعتبر الميديوكريتان غيابكم كممثل أول لجلالة الملك وللحكومة في المجال الترابي الذي وكل إليكم، ضوءا أخضرا يسمح لهم بالسطو على ممتلكات طالتها أيادي الاستعمار الغاشم وانتظر أصحابها ) نذكر منهم على الخصوص آيت با (أو آيت فرتاحي)، آيت توحليمات وآيت واغاظ  (طويلا تصفية منصفة تقوم على أساس مقاربة تشاركية عادلة.
إن إعادة هيكلة هذه الممتلكات المكونة أساسا لمصطاف تاغبلوت نوحليمة دون إشراك مالكيها وممثلي المجتمع المدني شجع الميديوكريتان على القيام بخطوات أكثر خطورة وغير محمودة النتائج والعواقب إذ تابع هؤلاء سطوهم الرمزي والفعلي الممنهج على ما تبقى من ملك القائد الراحل واسو محمد الكائن بتاغبلوت متبعين في ذلك سياسة الاحتلال الصهيوني للاراضي المحتلة. فهناك من صادر مساحات هامة وحول طريقا رئيسية، الطريق المسماة "تارقاست" التي تربط بين ساريف وتاغبالوت من أجل التمويه وإحكام الطوق، وهناك من ترامى على قطعة أخرى وبنى وشيد على مرئ ومسمع الجميع في تحد سافر للقانون والشرعية وهناك من غير مجرى الساقية بغية حرمان بستان الراحل من مصدره الوحيد لسقي النبات والاشجار آملين أن تدفعنا هذه المضايقات إلى الرحيل وأن تثني المالكين الاخرين عن الدفاع عن حقوقهم المشروعة
 
والطامة الكبرى هو أن كل هذا تم ومازال ساري المفعول حتى تاريخ 20 غشت 2014 بمباركة من السلطات المحلية التي ظل ممثلها -أي باشا القصيبة المنتهية ولايته- يراوغنا قرابة السنتين متذرعا بأنه في مهمة "دائمة" وأنه على كل حال لا ولن يستطيع فعل أي شيء بدعوى أن أحد المترامين –وهو إقطاعي معروف- من "الاعيان" وأن الاخر" قريب من القصر" على حد قوله المشاع في كل أرجاء مدينة القصيبة.
 
إن غيابكم سيدي الوالي، له أكثر من دلالة ويصب في مصلحة الميديوكريتان الذين أبدعوا في خلخلة التوازنات وقد بدا واضحا للعيان أنهم، بالاضافة إلى ما ذكر، يخدمون أجندات أجنبية تعمل على زعزعة النظام الداخلي وفي هذا الصدد لن يفوتني استحضار إرهاصات وخلاصات أستاذي وشيخي (l’un de mes Maîtres à Penser) الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله، الذي قال نقلا عن أحد المستشرقين: "من أراد هدم حضارة أمة فهناك وسائل ثلاث، (وهذا بالفعل ما اجتهدت فيه جماعة الميديوكريتان):
 
1- هدم الاسرة: وذلك بتغييب الام وجعلها تخجل من وصفها كربة بيت. للوقوف على هذا التهميش تكفينا الاشارة إلى أن بطاقة التعريف الوطنية ما قبل البيومترية عوضت أحسن مهنة في الوجود "ربة بيت" بعبارة مستفزة دنيئة و رديئة "بدون".
2- هدم التعليم: أبدعت "الجماعة" في هذا الباب وقامت بكل ما في وسعها لاذلال المعلم (بمعناه العام) وجعله يهوي إلى الدرك الاسفل مما يسمى "السلم الاجتماعي" وذلك بالنظر إلى مدخوله الشهري الرديء وإلى نسج حكايات وطرائف مضحكة من سبيل: "كال ليك واحد لكوعليم"، "واحد المعلم مسكين"، ……ولاكتمال هذه الصورة الدرامية مكنوا أتباعهم من السطو على بعض المناصب الحساسة كرئيس جامعة، وعميدة كلية، و مدير معهد جامعي الخ.
3- إسقاط القدوات والمرجعيات: وذلك عبر التهميش، والاقصاء،و المضايقات،  وتحريف وتزوير التاريخ وخلق شخصيات وأسماء و أعيان مزورين ليصبح هذا التخصص الاخير حكرا على الميديوكريتان بدون منازع.
ثورة جديدة للملك والشعب
القصيبة وأبنائها الابرار ماضون في خدمة الوطن والعرش رغم مكر الماكرين. لا نطلب امتيازا أو انحيازا أو منصبا أو شيئا من هذا القبيل...لا نطلب شيئا غير الانصاف، إنصاف أناس خطئهم الوحيد هو النظر دائما إلى النصف المملوء من الكأس والحرص الابدي على المشاركة في الحل وليس في المشكل. لا نهاب الموت ولكن تشل أيدينا أمام إخوتنا في الدين والوطن ونعمل كل ما في وسعنا لتجنب الفتن ما ظهر منها وما بطن. ولكن إن لم نحترس من الميديوكريتان وفلولهم، يمكن للزمن أن يغير أمورا كثيرة لن تصب لا قدر الله في صالح الامة المغربية.
 
إذا نظرنا إلى تاريخ البشرية وحاولنا الفهم والتشخيص والتمحيص مستعينين باللجوء إلى الكتاب والسنة، ظهر جليا من خلال استشفاف قرآني يقيني أن الاجيال تتغير كل أربعين سنة. وإذا سلمنا بأن تاريخ القصيبة جزء لا يتجزأ من المسار التاريخي لدولتنا الشريفة فإن:
 
- جيل موحى وسعيد الويراوي أي الجيل الاول، لم يعرف غير الجهاد واستمر من 1880 إلى غاية 1928.
- وتلاه الجيل الثاني الذي تابع النضال من أجل الاستقلال من الفترة الممتدة من ثلاثينيات القرن الماضي إلى منتصف الستينات من نفس القرن. هذا الجيل أضحى أكثر مرونة من الجيل الاول، والدليل على هذا هو أنه لم يتمكن من استكمال استقلال البلاد إلى غاية اليوم. 
- أما الجيل الثالث الذي عاش فترة مفصلية، اتسمت بصراعات ما بعد "الاستقلال" وامتدت إلى حدود 2008 و 2010 فهو الذي تنتمي إليه غالبية " المثقفين" وأشباههم وهو المطالب باستدراك الهفوات وبمضاعفة الجهود قبل فوات الاوان.
لقد بدأ بالفعل العد العكسي لفترة حافلة بالازمات استهلها الميديوكريتان بنهج وتشجيع سياسة ما يسمى " بالمغادرة الطوعية" التي حرمت المغرب من خيرة علمائه وأجود طاقاته، وهنا تجدر الاشارة  إلى أن جلالة الملك محمد السادس ما فتئ منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين  يلفت الانتباه إلى الاعتناء بالرصيد البشري واقترح تصورات شاملة شافية وكافية بدأت بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وتواصلت وتكاملت بعدة أوراش أخرى منها ما ترجم على أرض الواقع و منها ما سيأتي لاحقا في إطار عمليات التشخيص والتقييم التي أعطى العاهل الكريم انطلاقتها الفعلية في خطاب العرش ل 30 يوليوز 2014 والمتعلقة بالرأسمال غير المادي للمغرب المتمثل أساسا في ثروته البشرية أي الثروة الحقيقية التي لا تخضع لقوانين السوق المتغيرة ولا للتقلبات المناخية أو السياسية لانها بكل بساطة لا تباع ولا تشترى.
 
لكي لا نطيل، نقول إن استمر الميديوكريتان في تزوير التاريخ ونشر الرداءة وتشجيع الاستهلاك الجنوني القائم على الجشع، وإن واصل محاولاته اليائسة في اجتثاث النظام من جذوره الحقيقية الاصيلة سينتهي كل شيء جميل في هذا الوطن العزيز قبيل حلول 2025 أي مع الجيل الرابع الذي ولد بحلول 2010 والذي يحاول الميديوكريتان جاهدين محو ذاكرته (en le rendant amnésique) وجعله يعتقد أن لا دور له في المجتمع وأن العهود والمواثيق لا فائدة ولا جدوى منها، وان يركز كل كيانه على "الحقوق" دون الواجبات وأن يستخلص بأن الحياة الحقيقية لها مرادف واحد هو الاستهلاك ثم الاستهلاك ثم الاستهلاك دون قيد أو شرط.
 
أما نحن وأمثالنا في القصيبة وغيرها فبالمرصاد قاعدون وعلى درب الاباء والاجداد سائرون وصابرون نحمي الحمى (nous sommes les Gardiens du Temple) نذود عن الوطن، نحرص على طاعة أولي الامر منا مع التذكير بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، لا نساوم في المبادئ ولا نخاف في الله لومة لائم.
 
قبل الختام، نريد أن نتوجه من هذا المنبر بخالص التشكرات إلى خديم الاعتاب الشريفة الرجل الوفي المخلص وابن جهة تادلة أزيلال الغالية السيد الشرقي اضريس على الجهود التي يقوم بها لاستباق واحتواء الازمات ورأب الصدع مطالبين إياه التدخل شخصيا وفي أقرب الاجال الممكنة لاعادة الاعتبار لقصيبة موحى وسعيد ورجالها ورفع الضرر الذي طالهم والذي لم يعد باستطاعتنا تحمله لان الميديوكريتان تجاوزوا كل الخطوط الحمراء.
 
لقد باءت كل محاولاتنا السلمية الدفاعية المشروعة بالفشل، لقد سئمنا من التماس آلاف الاعذار لهؤلاء المتسلطين الذين لا يولون أي اعتبار لنا ولما مر ويمر به الوطن من أزمات ومصاعب ولما يحاك ضده من طرف الاعداء.
 
لقد ظن هؤلاء أنه برحيل زعمائنا أصبحت الطريق معبدة أمامهم ليهددوا كياننا ووجودنا. ذلك ظنهم وقولهم بأفواههم يضاهون قول الذين ظلموا من قبل ولا نجد لهم ردا أعظم وأحسن من قوله تعالى:" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و أن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" صدق الله العظيم.
 
وفي الختام ننتهز هذه الفرصة لنتقدم بأحر التعازي لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله إثر فقدان القائد واسو محمد بن علي بن موحى وسعيد الويراوي- ومن خلاله إلى الشعب المغربي وإلى قبائل آيت اسري، و آيت سخمان   ولتلك القلة القليلة التي خدمتهم بإخلاص نذكر منهم على سبيل الحصر، إلى جانب السيد الشرقي اضريس، المهندس الناجح والديبلوماسي المحنك الاستاذ العامل السابق لبني ملال السيد يحيى بن سليمان- ولنجدد له الولاء والبيعة التي تشرفنا بها وحفظناها منذ 1888 م راجين من العلي القدير أن يحفظ جلالته في أسرته الكبيرة والصغيرة وأن يقيه كل مكروه وأن يقدرنا على نصرة الحق  بنصرته حتى نلتحق بدورنا بالرفيق الاعلى 
د.علي واسو
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
د.علي واسو

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل