المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الاستثنائي عبد الجبار السحيمي

الاحد 20 يناير 2013

الاستثنائي عبد الجبار السحيمي

لا شك في أن البعض من مواطنيّ قد شاهد من خرس وتجمدت العبرات في عينيه وقد غمر أعز احبابه طوفان الموت، وإن كان الموت بالنسبة لي أيسر من عقد سير حذاء ، لكن بالنسبة للإستثنائي عبد الجبار السحيمي فقد التبس علي الأمر ، فأنا أعتقد أنه حيّ في موته،لهذا السبب و لكوني، وقد باتت ماسة الصدق غارقة في وحل الرياء مما وضعني رهين «قفص السأم» طيلة سنوات فقد هربت مني الكلمات والأحاسيس هرب النّحل من غيوم الدخان، فعبد الجبار رحمه الله بالنسبة لي بمثابة الأخ الشقيق، وبيان ذلك أنّني اعتقلت بفاس وذقت (حلاوة) الطيارة ، والخنق بالماء، وذر رماد السجاير على الوجه المبلول، والركل والصفع، والتهديد بالإتهام بحيازة مسدّس ، وخرجت من (الضيافة) بنحول شديد ، وقرحة معدة؛ وأثمر هذا العنف (الجميل) إيقاعا في شرك محبوك قضيت إثره شهرا كاملا في سجن عين قادوس حليق الشعر، مقملا... لم يحرفني كل ذلك عن اتجاهي المؤمن بالمغرب الأفضل فكتبت مسرحية (الضرب على الحديد الساخن) وتهيأنا تدريبا في إطار جمعية (رواد الخشبة) بآسفي لتشخيصها بالسينما الملكي المغلقة الآن، وكان ذلك ، رغم الملاحقات والضغوط الشرطية ... هنا ظهر الاستثناء،ففي نشاط حزبي قيد لي أن أحضره استوقفني أخ عزيز ودود جمعتنا الحياة الطلابية بفاس، وهو الكاتب محمد بوخزار ليسألني إن كانت مضايقة البوليس مستمرة ، وكان بصحبته الأخ المرحوم عبد الجبار السحيمي الذي بعد تصافحنا، اقترح عليّ الكتابة ل(الملحق الثقافي لجريدة العلم) فنشرت بها قصة (الرجل والرصد والسقوط) وتوثقت الصلات...في جوّ بوليسي رهيب يقتادك شخص إلى شرفة، تتنفس فيها الهواء، وتدمدم ، وأخيرا تضع زهرّتيك. هذا أمر لا يكافأ إلاّ بالصمت الخجول، ولأنّ متابعات لاحقة أجهضت قيام جمعية (رواد الخشبة) بتمثيل مسرحية (السقطة) باشتراط اللجنة أن تكون القاعة خالية من الجمهور، ولأن نفس المسرحية بعنوان متحايل (الرجل والعملاق والنبوءة) قد تمرنت عليها فرقة (شبيبة الحمراء)بمراكش ، فتعرضت الفرقة من أجل ذلك للبعثرة والتشتيت فقد حذا بي اقتراح الراحل السحيمي إلى أن أصبح مهربا، أهرب أفكاري إلى القارئ عبر (القصة القصيرة) لأن قارئها افتراضي... فهذه الأريحية من (عراب) الكتاب عبد الجبار السحيمي شملت العديدين ممن لعبوا ويلعبون دورا أساسيا في الثقافة والأدب حيث وجدوا مجالا حاضنا دون تمييز في الملحق الثقافي.
ذات مرة وكنت أكتب زاوية (مواقف) بالعلم اليومي، أحيانا في مقهى مواجه لمقر الجريدة ، كنت أنهمك في الكتابة ولا تمر لحظات حتى يطل عبد الجبار السحيمي من نافذة مكتبه مستعجلا فأصعد بالمكتوب إن أنهيته فيدفع توا للطبع ، وفوجئت ذات يوم باجتماع لكتاب ترأسه الأستاذ عبد الكريم غلاب أطال الله بقاءه، وقد وضعت أوراق أمام الحاضرين فطلب مني قراءة الورقة فإذا هي مستنسخ للمادة التي هيأتها للزاوية التي أكتبها وكانت مدار نقاش بين المجتمعين، هذا هو سلوك الرجل الذي يبهجه أن يسدي جميلا بأسلوبه الخاص.
وأذكر أننا عقدنا العزم على لقاء ثقافي فلحقت بالراحل في منزله بأكدال، وجدت في بيته ألفة لا أجدها إلا في بيتي ،حيث استقبلتني السيدة حرمه آمنة بوجه بشوش ثم رجاني أن أتمدد على طرحة بمكتبه الخاص للإستراحة، لكنني قضيت الفترة متأملا في موجودات (صومعة) كاتب خاص جدا بنوع من الوله، مستعيدا في ذهني كتاباته،وحركاته الخاطفة في المناسبات الثقافية ، وكيف يحرص على أن يلتقط من نفاية اللغو شذرات غميسة فيوطئ لها الطريق فيتحول من شخص إلى مؤسسة حاضنة. أليس هو من كتب عن فرع اتحاد كتاب المغرب بمراكش ..(ذلك الفرع المناضل) أليس هو من كتب في (يوم 11 أبريل 1994 في عمود « ما كل شيء يقال « ما يلي :
صدرت رواية (.......) ل (..........) ، منذ أكثر من نصف عام. خبر صغير أطل في صحيفة مغربية يعلن عن صدور الرواية و (.......) ليس اسما مجهولا في المشهد الثقافي المغربي، مبدعا ومفكرا ، وهو مرة ثانية ينتخب كاتبا عاما لاتحاد كتاب المغرب في فرع مراكش، وهو مختلف حين يبدع وشجاع حين يناقش، ما الذي حدث؟) أوردت هذا التعليق لا تباهيا ، وإنما كشفا لخاصية من سلوك الرجل، وهي في حجم رأس دبوس من جبل خصائص فريدة تطبع شخصية هذا الرجل الاستثنائي ، فهو ذو نزعة إنسانية تتجاوز الإنتماءات الضيقة، وكاتب زاوية متألق ، ومناضل بمعناه الشامل ، ويكفي أن يكون قد كتب فقط قصته الرائعة (الفاركونيت). فهي خلاصة ما عاشه العالم العربي طيلة عقود، وما يعيشه الإنسان عامة حينما تكون السلطة مقرصنة للحلم .
ابو يوسف طه
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
ابو يوسف طه

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل