المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الإعلام وتفعيل الحق في الخبر

الاربعاء 10 أكتوبر 2012

الإعلام وتفعيل الحق في الخبر
إذا كان دور الإعلام يتجسد في ممارسة الرسالة النبيلة في نقل المعلومات وتفعيل وإعمال الحق في الخبر، فهو يقوم أيضا بنشر ثقافة المواطنة من خلال تنوير الرأي العام والرقابة على حماية المال العام مع احترام ضوابط أخلاقيات المهنة مثل حماية الحق في الحياة الخاصة وتجنب جميع أشكال القذف والتجريح والإشاعة.
ترتبط حرية الاعلام بضمانات وردت في العديد من المواثيق الدولية والإقليمية أهمها:
المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:"لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود".
المادة 19 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية:"لكل فرد الحق في حرية التعبير وهذا الحق يشمل حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار من أي نوع واستلامها ونقلها بغض النظر عن الحدود، وذلك إما شفاهة أو كتابة أو طباعة وسواء كان ذلك في قالب فني أو بأي وسيلة أخرى يختارها".
 
-   الضمانات الدستورية لاعمال الحق في الخبر في قضايا المال العام
إن تأكيد الدستور الجديد على التشبت باحترام حقوق الإنسان كما عي متعارف عليها كونيا، هو بمثابة اعتراف صريح بالتزاماتها بإعمال المقتضيات الواردة في الاتفاقيات والصكوك الدولية المتعلقة بحماية حرية الصحافة وبأنها تشكل جزء لا يتجزأ من التشريع المغربي.
إن مرجعية الدستور الجديد تمثل في حد ذاتها دعامة أساسية لنشر الوعي وثقافة حماية المال العام على المستوى الوطني، وتشكل تعبيرا قويا عن الطابع العالمي والبعد الكوني لمبادئ تخليق الحياة العامة، لأن الدولة تتعهد وتضع على عاتقها إلتزامات المساءلة والمحاسبة في مجال تدبير السياسات العمومية.  
      فالتنصيص على التعهد بإحترام مبادئ المساءلة في مجال تدبير السياسات العمومية في الوثيقة الدستورية الجديدة يكتسي قيمة قانونية خاصة، ويحمل بين طياته دلالات عميقة من حيث الترتيب الدستوري. فبعد تحديد الديباجة لهوية الدولة، تؤكد على تأصيل إلتزامات الدولة المتعلقة بتخليق الحياة العامة، وتعتبر أن مبادئ المحاسبة والمساءلة بمفهومهما الكوني يندرجان في مقومات هوية الدولة المغربية والثوابت التي يقوم عليها النظام السياسي المغربي.
وإن حاولنا تحليل المقتضيات المتعلقة باحترام المبادئ الكونية لحقوق الانسان الواردة في الدستور الجديد، فسنجد أنها تعكس بشكل جلي كونية المبادئ الدولية لحرية الصحافة، على أساس أن مبادئ حرية التعبير والرأي والتماس المعلومات ونقل الخبر هي ثابتة المضمون وتحمل نفس المقتضيات والدلالات ولا تختلف من دولة إلى أخرى، وبالتالي لا يجب أن تتأثر بالأنظمة السياسية أو نمط الحكم، حتى لا يتم مصادرتها على نحو تعسفي أو غير قانوني قد يؤدي إلى حرمان المواطن من الحق في الخبر والتوصل بالمعلومات.
لذلك فحرية الإعلام  لا يجب أن تنحصر في حق الإعلامي في التعبير والرأي فحسب، وإنما تشمل أيضا حق تلقي ونقل المعلومات إلى المواطنين، لذلك ينطوي الحق في الخبر في إطار نشر حماية المال العام على بعدين أساسيين أحدهما فردي والآخر جماعي.
فالحق في الخبر وتلقي المعلومات المتعلقة بتدبير الشأن العام هو حق لكل مواطن بشكل فردي يتفاعل مع حرية الفكر والضمير والرأي والمشاركة الفعالة  في التنمية السياسية والاقتصادية للبلد.
إضافة إلى ذلك، فالحق في الخبر هو حق جماعي يساهم في تشكيل الرأي العام ويسمح للمجتمع في الحصول على المعلومات الكافية عند ممارسة خياراته وممارسة نوع من الرقابة على مؤسسات الدولة في إطار إشراك المواطن في إدارة الشؤون العامة للبلد.
       إن طبيعة دور الإعلامي في نقل المعلومات المتعلقة بالرقابة على المال العام على شكل مكتوب أو بأية وسيلة أخرى يندرج في نطاق حق المواطن في التماس الخبر ومختلف ضروب الأفكار والمعلومات. لذلك فممارسة حرية الصحافة هي شرط أساسي لإخبار الرأي العام ويجسد الإعلام المستقل عن الدولة  الأداة التي يمتلكها الرأي العام لمراقبة سير مؤسساته. فضمان حرية الصحافة هي حق لجميع المواطنين من أجل التلقي والحصول على المعلومات المتعلقة بتدبير الشؤون العامة وسير المؤسسات العمومية
إن مجال الرقابة على حماية المال العام يجب أن يخرج العلاقة التي تجمع الدولة والإعلام من مجال السيادة المطلقة إلى مجال تقنين المسؤولية القانونية في مجال نشر المعلومات، وهو ما يستدعي تقييد حرية تصرف مؤسسات الدولة مع الإعلام من أجل تفعيل الحق الدستوري في الخبر، الأمر الذي سيساهم في ترشيد العمل الإعلامي  بالإلتزام بالتحري والتقصي قبل نشر الخبر وحماية الحياة الخاصة للأفراد وكرامتهم الإنسانية وتجنب جميع أشكال القذف والتجريح والإشاعة.
حددت  لجنة الحقوقيين الدولية مفهوم ممارسة حرية الإعلام عام 1981 في كونه "أن كل إعلامي هو حر في التعامل مع القضايا وفق حدود القانون وضوابط أخلاقيات المهنة دون أن يكون خاضعا لأية مؤثرات أو ضغوط مباشرة وغير مباشرة كيفما كان مصدرها..."
وأكدت لجنة الحقوقيين الدولية أن الدولة هي التي تضمن استقلالية الصحافة من خلال التنصيص عليها في الدستور والتشريع، حيث تضمن حرية واستقلالية الصحافة بمنأى عن أي تدخل كيفما كان نوعه.
وفي هذا الإطار، أكدت هيئة الأمم المتحدة في اتفاقية Saragosa عام 1984 على مجموعة من المبادئ التوجيهية للدول في مجال إعمال حرية التعبير ومنها بالطبع حرية الإعلام:
1- إن إعمال حرية التعبير لا يجب أن تخضع إلا للقيود المنصوص عليها في القانون.
2- إن القيود التي تحد من حرية التعبير لا يجب أن تكون تعسفية أو أن تعيق بناء أسس الديمقراطية.
3- إن القيود التي تحد من حرية التعبير يجب أن تكون قانونية واضحة وفي متناول الجميع، ولا يجب أن تصاغ القيود بشكل غامض وغير محدد تفسره السلطات العمومية كيفما شاءت.
4- أن ينص القانون في مجال الحفاظ على النظام العام على ضمانات وطرق طعن لمواجهة أشكال التعسف في مجال حرية التعبير.
          كما ركزت اتفاقية Saragosa على تحديد مفهوم حماية النظام العام في مجال حرية التعبير وذلك من خلال إلزام الدول بمبدأ أساسي: ضرورة خضوع أجهزة الدولة المكلفة بالحفاظ على النظام العام في مجال حرية التعبير لمراقبة البرلمان والقضاء. 
          يتبين أن مبادئ Saragosa خلقت نوع من الترابط العضوي بين ممارسة حرية الصحافة واحترام القانون من أجل حماية الحق في الخبر وتأصيل مسؤولية أجهزة الدولة أمام الرأي العام الوطني، وهو ما يستدعي توفر جميع مؤسسات الدولة على خليات للتواصل قصد تزويد الصحفيين بالمعلومات في إطار إعمال حق المواطن في الخبر.
 
-   دواعي تفعيل الحق في الخبر ورهان تخليق الحياة العامة
تعرف الساحة الوطنية أحيانا أحداثا عابرة ولكن الرأي العام لا ينتبه إليها بالرغم من أنها تحمل بين طياتها دلالات عميقة، فقد  تعرض مثلا مكتب إحدى الجرائد الوطنية بمراكش لإجتياح من طرف عشرات النساء والأطفال، كما يتم الإعتداء بالسب والقذف على الصحفيين، وذلك أثناء قيامهم بواجبهم المهني في تجميع المعطيات حول بعض الملفات لتنوير الرأي العام كما يمليه واجب دور الإعلام في تفعيل الحق في الخبر.
فتعدد حالات الإعتداء على حرية الصحفيين أثناء قيامهم بواجبهم المهني، يعتبر ظاهرة تندرج في سياق شكل جديد من البلطجية يعود بنا إلى زمن السيبة والخروج عن القانون يروم تكميم الأفواه والتهديد والتخويف لم تعهده بلادنا من ذي قبل، كما أن هذه الظاهرة الشادة تعكس وجود عقليات تنتمي إلى الزمن البائد التي لا تؤمن بثقافة المواطنة، وهو ما يشكل مساسا خطيرا بالحق الدستوري في الخبر وإجهاض مراقبة الرأي العام لتدبير المؤسسات المنتخبة ويعطل  المشروع المجتمعي في سياق الدستور الجديد في الشق المرتبط بإرساء دعائم الشفافية والنزاهة والبناء الديمقراطي.
وهوما يدعو إلى التفكير في فتح نقاش وطني حول السبل والاليات الناجعة من أجل تفعيل مقتضيات المادة 41 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بتفعيل حق المواطن في الخبر، ويمكن الاستئناس بمنهجية المحاكم في استراليا المرتبطة بنشر بلاغات صحفية عن تطورات القضايا ذات إهتمام بالغ بالنسبة للرأي العام، وذلك بناءا على إقتراح رئيس المجلس الأعلى Sir Ninian Stephen، تفسر فيه المحكمة حيثيات ومضمون الحكم لتمكين عامة الناس من الإطلاع على روح العدل في الأحكام القضائية.
وعلى نفس المنوال، تقوم المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان بستراسبورغ والمحكمة الأوربية باللوكسمبورغ بإصدار بلاغات صحفية في العديد من القضايا التي تعرف متابعة إعلامية لتفادي أي تفسير أو تأويل للأحكام الصادرة بشأنها.
     فمأسسة شعار الشفافية والرقابة على تدبيرالشأن العام يستدعي فتح  جميع المؤسسات للنوافذ والأبواب أمام الاعلام من أجل إعمال الحق  في الخبر في سياق إرساء دعائم ثقافة دولة القانون.
لذلك فمسألة وضع قانون خاص ينظم الحق في الوصول إلى الخبر والمعلومات  أضحى ضرورة آنية لنشر ثقافة ترشيد وحماية المال العام و الفصل بين السلطة والثروة ، حيث أن نساء ورجال الاعلام يجدون صعوبة كبرى في الوصول إلى المعلومات المرتبطة بمجموعة من قضايا وملفات الفساد المالي ذات البعد الوطني.
      إن إحداث قسم الاتصال لدى جميع المؤسسات هو ضروري من أجل نقل الخبر في مجال تدبير الشأن العام إلى الرأي العام الوطني والتواصل مع الإعلام، للمساهمة في تدفق المعلومات والأخبار ومناهضة الإشاعة وتجاوز سياسة النوافذ المغلقة.
فالتحول الديموقراطي الذي يعيشه المغرب يستدعي الإنتقال بالعلاقة التي تجمع الفاعل السياسي بالإعلام  إلى مجال تقنين المسؤولية القانونية في مجال نشر المعلومات والحق في الخبر، حيث يجب تقييد تصرف المسؤول عن تدبير الشأن العام و الفصل بين السلطة والثروة من أجل تطبيق سيادة القانون واليات المسالة والمحاسبة الواردة في الدستور الجديد ومنها الية الرقابة الاعلامية.
إن حرية الصحافة تشكل رافعة أساسية للبناء الديمقراطي وهو ما يستدعي اتخاذ مجموعة من التدابير التي تنسجم مع المعايير الدولية لحرية الصحافة وذلك تحديد مفهوم النظام العام بموجب القانون، كما ذهبت إلى ذلك مبادئ سراقوسطة. فحرية الصحافة ليست ترفا وإنما عامل يؤثر ويساهم في البناء الديمقراطي.
إن اعتبار نشر وثيقة لا تشكل مساسا مباشرا بالنظام العام جنحة قد يشكل تدبيرا من تدابير الرقابة الذاتية ينعكس سلبا على تدفق المعلومات ويمس حقا متأصلا من حقوق الإنسان وهو الحق في الخبر.
فالحديث عن حرية الصحافة في سياق رهان البناء الديمقراطي يستوجب إعمال المعايير الدولية للحق في الخبر وعدم إخضاعها لمجموعة من القيود المرتبطة بتفسير خاطئ وسيء كما تم التأكيد عليها في المادة 19 العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية "إحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم وأيضا حماية الأمن القومي والنظام العام والصحة العامة والآداب العامة".
وفي هذا الصدد، يؤكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التعبير عن دور حرية التعبير في إرساء دعائم المجتمع الحداثي والبناء الديمقراطي: "حرية التعبير هي حجر الزاوية الذي يقوم على بناء المجتمع الديمقراطي ذاته، ولا يمكن الاستغناء عنها في تشكيل الرأي العام، وهي أيضا شرط لا غنى عنه لتنمية الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات العلمية والثقافية ولكل من يرغب في التأثير في المجتمع عموما. وهي تمثل باختصار طريقة تمكين المجتمع من الحصول على المعلومات الكافية عند ممارسة خياراته. وبالتالي يمكن القول بأن المجتمع الذي لا يحصل على المعلومات الكافية ليس حقا مجتمعا حرا".
يوسف البحيري / استاذ الحقوق بمراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : الاعلام, الحق في المعلومة, الخبر
يوسف البحيري / استاذ الحقوق بمراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل