المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

اقتصاد الريع وضريبة الثروة وحكومة بنكيران

الاثنين 8 أكتوبر 2012

اقتصاد الريع وضريبة الثروة وحكومة بنكيران
يتتبع الرأي العام الوطني بإهتمام كبير العديد من القضايا المتعلقة بالجرائم الاقتصادية والمال العام، وفي هذا السياق قامت فرقة الجرائم الاقتصادية التابعة للفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء بإعتقال المدير العام السابق للقرض السياحي والعقاري، من أجل تقديمه للقضاء على هامش الإختلاسات التي تضمنها تقرير المجلس الاعلى للحسابات لعام 2009  ، ومتابعته من أجل صرف قروض ضخمة لبعض المنعشين العقاريين الذين لا يزالون مدينين للمؤسسة منذ سنوات بقروض سابقة، وذلك دون تأشيرة مديرية الإلتزامات والمخاطر أو اللجوء إلى مساطر التسوية التوافقية، وهو ما يشكل خروقات جسيمة للنظام الداخلي للمؤسسة المذكورة.
فإذا كانت هذه المؤشرات قد تدفع إلى إعادة الثقة لدى المواطنين والرأي العام الوطني في دور القضاء لحماية المال العام، و يجسد إنخراط هذه السلطة  في دينامية  تنزيل الوثيقة الدستورية وتفعيل السياسة العمومية في مجال معالجة إختلالات  تخليق الحياة العامة، فإنها بالمقابل تدق ناقوس الخطر لرواسب سياسة الريع  التي تشكل تهديدا حقيقيا للإقتصاد الوطني.
 
- سياسة الريع وتعطيل حركية التنمية الإقتصادية والإجتماعية
تكشف الجرائد الوطنية والمواقع الإجتماعية، من حين لأخر، عن حالات متعددة تجسد إنتشار إقتصاد الريع والزبونية ،  فمثلا قام رئيس مجلس النواب ووزير النقل والتجهيز سابقا بإعطاء رخصة جرف 400 ألف متر مكعب من الرمال سنويا من مصب وادي سبو وإحتلال مساحة   20ألف متر مكعب من الملك العمومي لإيداع الرمال المستخرجة من البحر، لفائدة شركة" إكسبورسيا" لمالكها رفيقه في نفس الحزب السياسي والوزير السابق المكلف بالعلاقات مع البرلمان والوظيفة العمومية.
ومن جانب أخر، قامت الدولة بتفويت حوالي 90 ألف هكتار من أراضي صوديا وسوجيطا سنة  2005 في إطار "مشاريع الشراكة" إلى شخصيات نافذة  والذين إستفادوا أيضا من دعم وزارة الفلاحة والصيد البحري الذي يتجلى في الحصول مجانا على جرارات واليات حفر الأبار ووسائل السقي الموضعي والمواشي مقابل خلق فرص الشغل القارة والموسمية.
ولكن تبين فيما بعد حسب ما توصلت إليه وكالة التنمية الفلاحية التابعة لوزارة الفلاحة، أن المستفيدين من سياسة الريع التي تنهجها الدولة من خلال تفويت أراضي صوديا وسوجيطا، لم يحترموا عقود الإستثمار المبرمة مع الدولة من خلال قيامهم بإعادة كراء الضيعات والأراضي الفلاحية و تسريح جماعي للعمال.
إن سياسة الريع تؤدي إلى التوزيع السيء للثروات والتشجيع على الإتكالية وثقافة الكسل وتعطيل حركية التنمية الإقتصادية والإجتماعية في بلادنا مما يؤدي إلى إنتاج وتركيب نخب سياسية وثقافية ورياضية تروم الإلتصاق بالمخزن وتكرس تغييب معايير الكفاءة وعدم تكافؤ الفرص بين المواطنين لإعتبارات مرتبطة بالحزب السياسي والقرابة العائلية والقبيلة والعشيرة والانتماء النقابي والاجتماعي وغيرها. . .
يبدو أن هذه العوامل ساهمت في إنتشار إقتصاد الإمتيازات التي يستفيد منها بعض كبار الموظفين في هرم السلطة والنخب السياسية والمثقفة ومجموعة من الرياضيين والفنانين. واذا تفحصنا تاريخ المغرب سنجد انه بعد الإستقلال تم توزيع أجود الأراضي المسترجعة حوالي 600 ألف هكتار من أجل خلق برجوازية موالية للسلطة والتي استفادت ايضا من الضيعات الفلاحية التابعة لصوديا وصوجيطا بثمن رمزي  واحتكار مجالات متعددة مثل الشاي والسكر بشكل يشجع الزبونية وتكريس ثقافة الإمتيازات والتراتبية الإجتماعية.
 
- مناهضة الريع وضرورة تفعيل آليات تخليق الحياة العامة
لقد أجمعت العديد من التقارير الدولية على تصنيف المغرب في المراتب المتدنية في مؤشر التنمية بفعل ارتفاع جرائم الفساد المالي، حيث أضحت بعض المؤسسات والمجالس الجماعية المنتخبة وسلطات الوصاية مجالا لسوء التدبير والفساد المالي والتلاعب بالأموال العمومية واستنزاف الموارد وتهريب الصفقات  والاستفادة  من الإعفاءات الضريبية، مما أدى إلى تعطيل العديد من القطاعات الحيوية العمومية من خلال تعقيد المساطر الإدارية وفتح المجال لسلطة الرشوة والزبونية والمحسوبية وإستغلال النفوذ.
إن تخليق الحياة العامة و مواجهة سياسة الريع يستدعي تفعيل آليات المراقبة المالية والإدارية ومناهضة الإفلات من العقاب في حالة  استغلال النفوذ والثراء غير المشروع، بإعمال المراجعة القبلية والبعدية لمالية المسؤولين الممارسين لمختلف المهام الإدارية والمنتخبين في المجالس الجماعية والبلدية، وكذلك توظيف الضريبة على الثروة للنهوض بالطبقات الفقيرة والمعوزة وتضييق هوة الفوارق الاجتماعية بشكل يضمن تكافؤ الفرص لجميع مكونات المجتمع المغربي، وهذه التدابير وحدها هي المقومات الحقيقية لتفعيل مبدأ المساواة في الوثيقة الدستورية الجديدة والمنحى الصحيح لكسب رهان التنمية و مأسسة المجتمع الحداثي.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند مصادقة لجنة المالية بمجلس المستشارين في الأسبوع الأول من شهر ماي  2012 على تعديل في قانون المالية تقدمت به المعارضة والفريق الفيدرالي يروم إحداث ضريبة تضامنية على الثروة، ولكن حكومة عبد الإله بنكيران رفضت هذا التعديل تحت تبرير تخوفها من العواقب الناتجة من فرض الضريبة التضامنية على الثروة، لأنها قد تدفع أثرياء المغرب إلى تهريب ثرواتهم إلى الخارج  والإستثمار في بلدان أجنبية.
وربما ما أغفلته حكومة عبد الإله بنكيران من خلال التشبت بتقديم طروحاتها بشأن تبرير تخوفاتها من تهريب الأموال ورفضها القاطع لفكرة الضريبة على الثروة، هو أنها تعترف علنية بأن أثرياء المغرب لا يتمتعون بالقيم الأخلاقية للواجب نحو هذا الوطن، الذي ينتفعون من خيراته ومن إمتيازاته المتعددة والتي تندرج في إطار سياسة الريع وتتنافى مع المبدأ الدستوري للمساواة وتكافؤ الفرص.
فهذه الإمتيازات ساهمت بشكل مباشر في تحقيق شريحة عريضة من أثرياء المغرب للإغتناء الفاحش، وتراكم الثروات مثل منح الاراضي بدرهم رمزي، والإعفاءات الضريبية لأصحاب الضيعات الفلاحية، والإعفاءات الجمركية  من تصدير المنتوجات، والمتاجرة في رمال الشواطئ وغيرها. . .
وخير دليل في ذلك هو ما أكدت هيئة السلامة المالية العالميةGlobal Financial Integrity في تقريرها السنوي الاخير، حيث أن المغرب يحتل المرتبة الثانية في شمال إفريقيا بعد تونس في تهريب الأموال إلى الجنات الضريبيةLes paradis fiscaux ، وذلك بالقيام بإنشاء شركات وهمية وتحويل الأموال إلى العملة الصعبة في الأبناك الأجنبية، بعد الحصول على ترخيص مكتب الصرف من أجل إستيراد منتوجات وبضائع من الخارج.
 
 
 
 

د.يوسف البحيري / استاذ القانون الدولي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

د.يوسف البحيري / استاذ القانون الدولي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل