اعراس الماضي بمراكش : دار الجار هي دار العرس

حرر بتاريخ 16/06/2017
عبد الصمد الكباص


اعراس الماضي بمراكش : دار الجار هي دار العرس
كما هو شأن تفاصيل أخرى من حياة المراكشيين خرجت حفلات الزفاف عن تلقائيتها المعهودة وتخلت عن بساطتها وحميميتها التي تنتسج من قيم المشاركة العفوية للأقارب والجيران. ربما تصلح الأعراس لأن تكون مؤشرا لرصد وتحليل التحولات التي عرفها المجتمع المراكشي في أسلوب العيش ونمط الحياة.
 
 في الماضي كان الاحتفال بالزواج بأخذ موقعه الطبيعي في الفضاء المفتوح للدرب حيث كل شيء مرتب بعناية: العلاقات، المرافق و المعاملات.. وحيث يصعب ان تغلق أبواب المنازل في وجه بعضها لأن الجوار يؤسس لقرابة أخرى أمتن وأقوى حتى من قرابة الدم. وكل السكان يتعهدون بسعادة بعضهم البعض ويتآلفون في السراء والضراء، ويتقاسمون حميمية اللحظات في الأفراح والأحزان دون حرج أو تكلف.
 
 الملح والرحى يوضع في مدخل البيت الذي لا توصد أبوابه لأنه موضوع رهن إشارة كل من هو في حاجة إليه من الجيران (سكان الدرب) الذي يحق له استعماله دون استئذان أصحاب البيت أنفسهم... خبز هؤلاء طعام الآخرين.
 
 لم يكن في دروب مراكش العتيقة تمايز طبقي، فالقصر يجاور البيت المتواضع والرياض الفسيح ينفتح على الدار البسيطة، والغني والفقير يتقاسمان الدرب والحياة ويلتقيان في ذات المسجد والحمام والفران. ليس كما هو حال مراكش اليوم حيث الأثرياء ينعزلون في قصورهم في أحياء بعيدة وفيلات فخمة تنأى عن أحلام البسطاء ومجال تحركهم.
 
 في الحومة العتيقة كانت الأسر تعرف بعضها أبا عن جد ، علاقاتها تنبني على تاريخ ضمني مشترك تحميه ذكريات وأحلام ومسرات. ليس كما هو الأمر اليوم حيث الوجوه تتغير كل صباح أو حيث الدور تنغلق على نفسها في صناديق إسمنتية ولا أحد منها يعرف من يحاوره ولا يأخذ خبر لا بمسراته ولا بأحزانه وإن حدث ذلك سيكون فرصة مزعجة لا تعني بالنسبة له سوى الضجيج وإرباك نظام الحياة الرتيب وليس المشاركة في دفء لحظة حميمة.
 
 في هذه الأجواء وفي عمق هذه العلاقات كانت الأعراس تشكل جوهرها كحدث سعيد لا يخص الأسرة المعنية فقط وإنما كل أسر الدرب، يظهر ذلك من خلال مراحل إعداد والتهييء له وقضاء عقده والمدعوين له.
 
 لم يكن البسطاء الذين يقطنون دورا صغيرة لا تتسع لعدد كبير من الناس يضطرون كما هو الحال اليوم الى كراء قاعة خاصة للأعراس بآلاف الدراهم. ففي كل درب كانت هناك دور كبيرة او رياض يضعها اصحابها رهن إشارة كل من يطلبها لعقد احتفاله بدون مقابل. كان في ذلك شيء من الإحساس بالواجب تجاه البسطاء وكثير من التضامن والألفة بين السكان الذين يعتبرون أنفسهم أسرة واحدة.
 
وبالطبع فالرياض أو الدار توضع رهن إشارتهم بأثاثها. ولا يضطر صاحب العرس الى اكتراء ما يحتاجه من معدات وأثاث من محلات خاصة... اليوم تتكاثر في مختلف أحياء مراكش متاجر تعرض كل لوازم الحفلات من الكؤوس الصغيرة والملاعق والكراسي والطناجر والأفرشة. وليس على من يهمه الامر سوى ان يكتري ما يلزمه بسعر محدد.
 
  في الماضي لم يكن ذلك قابلا حتى للتصور والخيال، فالجيران يتكلفون بكل ما يلزم بتلقائية وعفوية وأثاثهم بيوتهم موضوع بكامله رهن إشارة أصحاب العرس، لاشيء يكترى، لا فضاء الحفل ولا لوازمه....
 
 الاحتفالية كانت تمتد لأيام طويلة قبل التتويج الذي ينتهي بالحفل الكبير المعروف. الجزء المهم منها يتشكل في الاستعدادات التي تتم بدورها بنفس المنطق، يساهم فيها أفراد عائلة الأسرة المعنية إضافة الى نساء الدرب يتجمعن محفوفات بالزغاريد والأهازيج يعدن الحلوى ويشاركن بأريحية في الأشغال.
 
 كان تنظيم الزفاف شأنا جماعيا تسهر عليه الاسرة، لكنه مفتوح للجيران والأقارب. لم يكن هناك شيء اسمه "تريتور" موضة الأزمنة المعاصرة بمراكش وغيرها من المدن المغربية يتكفل بكل التفاصيل بمقابل كبير طبعا.
 
 الفضاء الحقيقي للعرس بمراكش العتيقة لم يكن الصالات المتأنقة الباردة من فرط تكلفها ولا القاعات الكبرى التي تكترى بملايين السنتيمات اليوم ولا الفنادق الفاخرة، بل كان هو ألفة الجيران والأقارب وحميمية علاقتهم وتواشجهم وتضامنهم وهي العلاقات التي تعبر عنها بقوة حياة الدرب كقيمة ترسخ شيئا أنبل وأقوى وأعمق من مجرد تجاور بنايات جامدة•• إنها أعراس في قلوب مفتوحة وليس في صناديق مغلقة. 
 





من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية