استخدام الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب لآية قرآنية ... مجرد رأي ولكم واسع النظر

الاثنين 22 أكتوبر 2012

استخدام الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب لآية قرآنية ... مجرد رأي ولكم واسع النظر
بغض النظر عن سؤال ما مدى مشروعية اعتماد آيات من القرآن الكريم كمرتكز تأصيلي للعمل ا لنقابي، فإن مجرد التوقف عند الآية 103 من سورة آل عمران ؛ والمعتمدة  كشعار نقابي  من لدن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " ، سيجعل المناضل مترددا في الأخذ بالآية من المنظور النقابي لعدة دواع . ومن مدخل التأصيل الذي يشكل هاجسا فكريا لدى مؤسسي ( ت و ش م ) ؛ نود مناقشة المسألة لتبيان الدواعي المثيرة للتحفظ ، إلى جانب سوق بديل لتلك الآية قد يعتمد كموجه لمسار النضال العمالي داخل أروقة المركزية باعتبارها الطرف المدعو بشكل مباشر للحوار بهذا الشأن.
من الأهمية بما كان تأصيل أي نشاط إنساني له صلة بمصلحة الناس من منطلق عقدي ؛ حتى يتقيد الجهد المبذول للنهوض بأعباء المسؤولية بصدق النية وأمانة القصد. غير أنني كإطار يتحمل مسؤولية  تمثيل القواعد التعليمية  وتأطيرها  ضمن صفوف ( الجامعة الوطنية لموظفي التعليم ) سابقا وجدت نفسي معنيا بإبداء تحفظي على الآية الواردة أعلاه بخلفية ما يلي:  
فالآية 103 من آل عمران ؛ ذات طابع إيماني شمولي ؛ وتحديدا ما يخدم المنحى التوحيدي  بديلا ل"حمية الجاهلية " التي ورد ذكرها في متن سورة (لفتح). فيما يبقى الانتماء النقابي محكوما بالخصوصية القطاعية، إلى جانب تفاوت موازين القوى بين أناس يمثلون طاقات عاملة منتجة وأناس يمثلون طاقات ممولة ، وما بينهما موقع الحليف الموضوعي لأصحاب وسائل الإنتاج  ورأس المال من الذين لا يكثرتون -  في غالبيتهم -   إلا لمصالحهم وأرباحهم على حساب المستضعفين في الأرض. فلا أعتقد أن يعتصم المستفيدون من عرق الكادحين مع المغبونين في حقوقهم مادام الحبل بين النقيضين موصول بأكذوبة "الحوارالاجتماعي " ؛ ولكنه مفتول بمنطق الشد والجذب على خلفية الصراع الطبقي بين النقيضين. وهناك عامل آخر يدعو إلى التحفظ بشأن اعتماد الآية أعلاه كعنوان نقابي ؛ ألا وهو منطق الاختلاف الذي يتحكم في أمور الحياة العملية/المهنية ، وبالذات إزاء التمثيل النقابي المرتبط بنوعية المطالب الظرفية منها و التشريعية ، وهناك أيضا ملابسات التحرك العمالي لتحقيق المكتسبات منها الظرفي ومنها المستدام. وهو نفسه المعطى الذي قد يدفع فاعلين نقابيين من هيئات مدنية أخرى للنظر إلى مكون الآية في المشهد التعددي على أنه صيغة فوقية لمصادرة حق الاختلاف لدى مكونات اللفيف النقابي؛ أو يمكن قراءة الآية بكونها غطاء دينيا لفرض الوصاية على الأداء النقابي باسم ( الاعتصام بحبل الله)، فضلا عن كون خلفية انتقاء الآية بدت ذات منحى طوباوي؛ إذ يكفي أرباب العمل أمام تلك الآية التمسك بقوله تعالى: " إن الله فضل بعضكم على بعض في الرزق" للرد على احتجاجات العمال. وأن لا حاجة لنا بالعمل النقابي ولا بالنضال " وكفى الله المؤمنين" السجال. وعليه فإنني أسوق تحفظي- نقابيا- على (شعار الاعتصام بحبل الله) ؛ باقتراح مواءمة أخرى لتأطير الفعل النقابي على ضوء نفس المرجع/ كتاب " الذكر الحكيم "، حتى ولو كان ضمن المنخرطين  في ال ت و ش م مناضلون من ملل  أخرى . لنجد قوله تعالى: " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" (الانشقاق/ 6 ) أكثر ملاءمة للسياق النضالي.. لماذا؟
لأن التوقف عند متواليات هذه الآية ـ دلاليا ـ سيجعلنا ضمنيا أمام غاية التوحد وليس التوحيد ، إذا كان القصد هو معالجة حال الوضع النقابي المبلقن حتى لا يبقى لفيفا مشتتا " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ". فالنظر إلى آية الكدح تشعر المتأمل أيا كان موقعه بحتمية الخضوع للحساب على  كل ما تحمله و يتحمله من مسؤوليات ؛ سواء كان من المعتصمين بحبل الله أم لا . لذلك جاءت ا لمناداة بصيغة البعيد والقريب ( يا )  لمنادى مقترن بالتنبيه ( أيها) . ثم تأتي لفظة ( الإنسان ) لتفيد التعميم ؛ حيث لم يوجه النداء مثلا بصيغة ( أيها العامل ) .ورغم ضميرالخطاب المفرد الوارد في قوله تعالى : " إنك " ؛ فإن دلالة السياق تتجاوز الإنسان الشخص إلى استهداف عموم الناس. ويتعزز معنى التعميم بدلالة  الثبوت والديمومة من خلال توصيفه المنادى بصفة ( كادح ) ، بصيغة اسم الفاعل وليس بصيغة الفعل كقولنا: إنك تكدح مثلا. وذلك حتى لا ينحصر مضمون  الخطاب  في ظرف زمني  محدد ماضيا كان أو مضارعا ، غير أن معنى الكدح  في سياق الآية لا  يتوقف عند المفهوم المتداول- عاميا – بين الناس؛ والذي يترجم بمعنى " التكرفيس أو تمارا" ، بل إن الكدح القرآني  ورد بمعنى الجهد والسعي . وهو ما يعزز مضمون التعميم الوارد سلفا في عبارة ( الإنسان ) انسجاما مع قوله تعالى: " إن سعيكم لشتى" من  سورة (الليل/4). فالفلاح كادح والجندي أيضا وكذلك البناء والصانع  والربان والطبيب والمدرس والممرض والإسكافي والعالم الباحث والوزير وحراس ضيعاته وسياراته وسائس خيوله وبيطري عجوله وكلابه، ويدخل في السياق المثقف والأديب والمبدع الفنان والصحفي  والرياضي بل و( طالب معاشو أو الشاوش)  و...و... الجميع ضمن دائرة الكدح مع تفاوت درجة الجهد من فئة إلى أخرى . ولنمعن النظر جيدا في الهدف من الكدح الوارد في الآية؛ فهو غير مرتهن بغاية دنوية كاستغلال نفوذ أو كسب امتيازات أو تحقيق رفاه، وإنما يكدح الإنسان وهو ملزم باعتبار يوم التلاقي ليسأل أمام ربه عما بذله من جهد سواء في التجارة  أو في السياسة- حتى وإن كان الفارق بين الاثنين ضئيلا بل و منعدما في أغلب الأحيان – أو في النقابة تعليمية كانت أوغيرها ، أو في الشركة والمعمل والحقل وأروقة الإدارات ودوائر السلطة. أينما وجد الإنسان إلا ويعتبر كادحا إلى ربه ( في منجم أو بمؤسسة خيرية أو أمنية أو في وزارة أو في سفارة)، إلا وعليه أن يضع سعيه في الميزان. لذلك نجد الصفة ( كادح ) في سياق الآية أتت مؤكدة بمفعول مطلق (كدحا) ؛ دون تحديد ذلك الإطلاق لا بنوع ولا بعدد. وللمرء أن يتساءل : لم كل هذه المؤشرات الدلالية لتأطير معنى الكدح في الآية ؟ لأن هنالك مآل لسعي الإنسان ..مآل مجرد عن الزمان والمكان ؛ إنه اللقاء المحتوم لتقييم ذلك الكدح ، هكذا نجد الجواب في صيغة اسم الفاعل (فملاقيه) للدلالة على يقينية مآل جهد الإنسان. وهو ما يستدعي حمل ذالك النداء في الآية على محمل الجد ، إذ لا مفر من لقاء الله عز وجل لنسأل عن العلم والعمل والعمر بشتى أنواع مسؤولياته. وليعتبر الناس بمحدودية هذه الحياة الفاتنة ؛ وأن كدحنا خلالها سيقودنا حتما إلى يوم توفى فيه " كل نفس ما كسبت " ( البقرة / 281 ) .    
أبو أمين عبد اللطيف الـزيـن


معرض صور