المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

إيران والسيناريو الأفغاني

الاحد 9 غشت 2015

جاء الاتفاق حول الملف النووي الإيراني مع الغرب ليكون نهاية قصة طويلة من المفاوضات عرف الطرف الإيراني كيف يسيرها لفائدته، مستغلا الظروف التاريخية، لاعبا على عامل الزمن، بصبر طويل النفس، لقطف ثمارها في الوقت الملائم، مثيرا بذلك جدلا واسعا بين بعض الأطراف الغربية والعربية والتركية والإسرائيلية.
أرى أن عاملين رئيسيين عملا لفائدة إيران، وجعلاها تحقق «النصر» الذي بات يفتخر به المسؤولون الإيرانيون. هذان العاملان هما:
أولا: تنامي الإرهاب، على المستوى الدولي، تحت عنوان القاعدة وامتداداتها مع داعش. ولما كان الصراع ضد الإرهاب لم ينته بقتل بن لادن، بل إنه اتخذ صيغة أخرى مختلفة مع الدولة الإسلامية التي باتت تحقق انتصارات على الأرض، وتعمل على توسيع رقعتها لتمتد من العراق إلى حدود تركيا عبر سوريا، بل إن لها موطئ قدم في سيناء وليبيا، وتهدد المغرب العربي، كان الالتفاف العالمي على مواجهتها. ومن الطبيعي أن تعتبر إيران (ولاسيما بعد مجيء الإصلاحيين)، من لدن أمريكا والغرب، طرفا مهما في المعادلة؛ فهي تتواجد في العراق ميدانيا، لدعم الشيعة، ضد الدولة الإسلامية، وهي منحازة بالكامل للنظام السوري. وهي بكل ذلك تلعب دورا مهما، على الأرض، في مجابهة الدولة الإسلامية التي صرحت أمريكا، فور بداية أعمال التحالف، أن الحرب معها لا يمكن إلا أن تكون طويلة الأمد. ومن هنا يأتي الدور الإيراني للإسهام في محاربة داعش.
ثانيا: تحول السياسة الخارجية الأمريكية مع مجيء الديمقراطيين إلى البيت الأبيض. كان المسعى الرئيس الذي عمل أوباما على تحقيقه هو تحسين صورة أمريكا في العالم العربي تجنبا لاستهدافها من لدن الإرهاب الذي كان من نتائجه تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، وتورط أمريكا في أفغانستان والعراق، وما كان لذلك من تبعات أدت إلى كراهية أمريكا. وكان من الخطوات التي أقدم عليها أوباما في هذا السبيل، البدء بسحب قواته من أفغانستان والعراق، واتباع سياسة لينة تجاه قضايا الشرق الأوسط ومشاكله العويصة، وفتح العلاقات مع كوبا. ومن أبرز معالم هذه السياسة عدم تدليل إسرائيل بالصورة التي كان يشتغل بها الجمهوريون، من جهة. وعدم اتخاذ أي موقف استعراضي للقوة تجاه ما كان يجري في سوريا خلال السنوات الأربع على الثورة، أو التفكير في التدخل في ليبيا، بينما كان يكتفي بطائراته بدون طيار لضرب أهداف للقاعدة في اليمن في الحقبة نفسها. وكانت المشاركة في هذا التحالف بدعم عربي لمواجهة الإرهاب.
في سياق هذين العاملين كان من مقاصد أمريكا الديمقراطيين، ومن ورائها الغرب الذي يعاني بدوره من تداعيات الأزمة الاقتصادية، وتنامي الهجرة غير الشرعية، وهجرات بعض الغربيين لنصرة داعش، إيجاد توافق للملف النووي الإيراني، للتصدي للمشكل الجوهري على المستوى العالمي: الإرهاب. وكان من الطبيعي في هذه الصيرورة أن تنال إيران الحظوة الأمريكية والغربية ما دامت منخرطة في المواجهة بشكل جذري، من داخل العراق، وسوريا. ولإعطاء مصداقية لهذا التوافق لا بد من تقديم تطمينات لإسرائيل، والدول العربية، وعلى رأسها السعودية ودول الخليج، بتأكيد أن هذا التطور لا يمكن أن يضر بأي منهما.
إن التخوفات العربية والإسرائيلية من هذا التوافق لا مبرر لها، في رأيي، من نواح كثيرة. فالموت الذي ترفعه إيران، وحلفاؤها الحوثيون وسوريا،  لأمريكا وإسرائيل ليس سوى شعار للاستهلاك الإيديولوجي. وليست التأكيدات التي رفعها المرشد صبيحة الاتفاق سوى كلام المنبهر والمدغدغ للعواطف بشكل مجاني، فإيران ومن ورائها سوريا «الممانعة»، لم تقذف حجرا، بله صواريخ إلى إسرائيل على طول التاريخ الذي ظلت تكتفي فيه «لَغْويا» بالموت لها.
كما أن التهديد الإيراني للعرب لا مسوغ له، والحرب العراقية ـ الإيرانية لها أكثر من دلالة. إن الشعب الإيراني الذي عانى الويلات من تلك الحرب، لا يمكنه أن يظل يرضخ أبدا لإيديولوجيا المرشد، وهو الذي قاسى كثيرا من فتاويه التي جعلته متضررا اقتصاديا واجتماعيا نتيجة ما ترتكبه السياسة الإيرانية تجاهه. لقد سقطت الإمبراطورية السوفييتية رغم قوتها العسكرية والنووية نتيجة حلم الشعوب التي كانت رازحة تحت قبضة من حرمها الحرية باسم دكتاتورية الايديولوجيا، ومحاربة الامبريالية الأمريكية. والشعب الإيراني ليس نشازا في التاريخ.
أمام إيران خياران لا ثالث لهما. الاستفادة من هذا التوافق لتحقيق هدفين أساسيين: العمل على رفاهية الشعب الإيراني العظيم، وتحسين ظروف حياته المعيشية، من جهة. والعودة، من جهة ثانية، إلى صف الدول الإسلامية الذي بات منقسما إلى شيعة وسنة، وبينهما حروب تستعيد عرقية الجاهلية، والفتنة في صدر الإسلام، والشعوبية… وذلك في نطاق احترام الخصوصيات الدينية، وتجاوز ذهنية تصدير إيديولوجيتها التشيعية، والتعاون من أجل مواجهة كل أصناف الإرهاب، بما فيها الإرهاب التشيعي في العراق واليمن، وممارسة المصالحة الدينية والطائفية، والاهتمام المشترك بتجاوز كل ما يسهم في تدمير المنطقة لأن ذلك لن يخدم سوى إسرائيل وأمريكا والغرب.
أما استمرار إيران في سياستها التي تمارسها، حاليا، باسم محاربة «الإرهاب السني»، سواء تعلق الأمر بداعش أو القاعدة أو غيرهما ممن تعتبرهما جزءا من الإرهاب في العراق وسوريا واليمن والبحرين، أو محاولتها تصدير التدين الشيعي إلى المغرب العربي… فليس سوى هروب نحو الكارثة التي ستعصف بالمنطقة أكثر، والتي لن تتضرر منها أبدا أمريكا ولا إسرائيل. إن المتضرر الأكبر هو الشعوب العربية والإيرانية والإسلامية التي ما تزال تعيش على هامش العصر، حتى وإن امتلكت بعض الدول الإسلامية سلاحا نوويا.
إن هذا الوضع الذي تغذيه إيران، باتباعها سياسة تأجيج الصراع الطائفي في العالم الإسلامي، وتسخير كل إمكاناتها المادية والإعلامية، لن يسهم إلا في المزيد من التوتر في العلاقات، من جهة، ومن التسابق على التسلح، من جهة ثانية، وإلى تنمية التطرف الديني، ودفع العديد من الشباب إلى الالتحاق بداعش، من جهة ثالثة. ويبدو ذلك بجلاء في تدخلها السافر في العراق، تغذية للطائفية، وللفرقة بين أبناء العراق، وفي تهجير السنة من مناطقهم، وفي الوقوف إلى جانب نظام يذبح شعبه بلا  هوادة. فلا يولد التطرف المذهبي غير التطرف المذهبي المضاد.
قوة داعش، وقدرتها على التأطير والتواصل ليستا دليلا على عبقرية أصحابها أو مصداقية أطروحتهم. إنها تستمد استمرارها من معاينة الواقع الذي يفرضه النظام السوري، والفساد الذي مارسه النظام العراقي، وعجزه عن إيجاد حلول للمشكلة العراقية. ولن يولد ذلك سوى الكراهية والمواقف المتطرفة. لقد بدأت الصحافة المغربية، في الآونة الأخيرة، تتحدث عن التحاق أطر وموظفين وفنانين إلى داعش عكس ما كان عليه الأمر في البداية، حيث كان الأمر مقتصرا على الشباب العاطل والمنحرف، ولا بد أن يدفعنا هذا إلى التساؤل.
ليس من مصلحة الدول العربية والإسلامية توسيع شرخ العلاقة مع إيران. ولعل الدرس الذي تلقته إيران في البحرين، وتتلقاه الآن في اليمن، كفيل بجعلها تراجع حساباتها، وترضخ لمطالب الشعوب الإيرانية والعربية والإسلامية ومطامحها، وأنها في حاجة إلى الأمن والحرية والديمقراطية، وليس إلى حروب دينية.
أمريكا لا يمكنها، الآن مع الديمقراطيين، محاربة عدوين: السنة (تحت عنوان داعش والقاعدة) والشيعة. إنها تستعين بالشيعة لمحاربة السنة، لتنفرد، غدا، بالشيعة. ألم تحارب بالإسلام لهزيمة الشيوعية؟ إنه السيناريو الأفغاني يتكرر، وتلك سياسة من يريد أن يبقى المهيمن في المنطقة. والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.

عن القدس العربي
سعيد يقطين
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيد يقطين

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل