المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

إغلاق ضريح "بويا عمر" ومعركة التحديث الثقافي

الجمعة 9 ماي 2014

إغلاق ضريح "بويا عمر" ومعركة التحديث الثقافي
لا ينبغي أن يتم النظر إلى قرار إغلاق ضريح "بويا عمر" على أنه فقط إجراء لتحرير المرضى النفسانيين الذين يتم احتجازهم في هذا الضريح بحجج خرافية ومعتقدات طقوسية غارقة في الشعوذة، ولكن ينبغي أن يكون هذا القرار تعبيرا عن المضمون الحقيقي للتحديث الثقافي الذي ينبغي أن ينخرط فيه المغرب، إذ لا يمكن أن تظل مظاهر الخرافة والشعوذة والبدع بادية ومتعايش معها، وأحيانا مسنودة في بلد لا تختلف جميع مكوناته على أهمية وشرطية التحديث الثقافي في أي تقدم.
طقوس الشعوذة في المواسم، والسوق العشوائية للتداوي بالأعشاب، وانتحال صفة الطبيب لاستقال المرضى في محلات معروفة لدى السلطات العمومية، وتنامي الطقوس الخرافية المضرة بالصحة والسلامة الجسدية، هذا فضلا عن الاعتقاد ببركة بعض "الصالحين" الذين حولوا محلاتهم إلى عيادات للتطبيب، كل هذه الطقوس لا مكان لها في بلد تتطلع كل مكوناته إلى التحديث الثقافي.
ثمة اليوم قناعة لا التباس فيها، وهي أن التحديث السياسي والمضي قدما نحو الديمقراطية لا يمكن أن يتم بدون قطع مع السند الثقافي للاستبداد والتحكم الذي يسعى إلى إيجاد تحالفات هجينة بين المضامين الثقافية الخرافية وبين الحداثة في وصيغتها المغشوشة لتبرير واقع الاستبداد والفساد.
ولذلك، ليس غريبا أن تتم ملاحظة تحالف بعض مظاهر الحداثة المغشوشة مع الطقوس الخرافية، كما يحدث في مواسم معروفة بالخلط بين مظاهر الشذوذ الجنسي وبين الطقوس الخرافية المغرقة في الشعوذة، بل ليس من المستغرب أيضا أن يسود نوع من الصمت المطبق من قبل فعاليات سياسية ومدنية على هذه الأنواع من الطقوس الخرافية التي كانت وستظل تمثل السند الثقافي للاستبداد والتحكم والفساد، هذا في الوقت الذي تحول فيه مدفعيتها للقضايا ذات الارتباط بالمرجعية الإسلامية، كما ولو كانت محاربة بعض المقتضيات الشرعية باسم إقرار المساواة والجندر أولى في سلم التحديث الثقافي عندها من مواجهة هذه الطقوس الخرافية التي غذت تغزو المجتمع وتهدد أمنه وسلامته الصحية.
نعم هناك حاجة اليوم إلى إدراك أهمية وأولوية التحديث الثقافي في عملية الانتقال الديمقراطي، لكن المهم من ذلك هو تحديد مضمون هذا التحديث وتوجهاته، فبدل أن يتم نسج تحالفات هجينة بين المفهوم المغشوش للحداثة الثقافية التي تتعارض مع مقتضيات المرجعية الإسلامية ومع المنظومة المعيارية للمجتمع، آن الأوان اليوم لتفكيك هذا التحالف، ونسج تحالف موضوعي ولو ظرفي، يركز على تحرير المغرب من الطقوس الخرافية، ومحاربة كل المظاهر التي من شأنها أن تؤثر سلبا على السلامة الصحية للمواطنين.
هناك حاجة اليوم إلى تنظيم ظاهرة التداوي بالأعشاب، ووضع أطر قانونية ورقابية لظاهرة الرقية الشرعية، كما أن هناك حاجة إلى إعادة النظر في كثير من الطقوس الخطيرة التي تسود في المواسم القبلية والتي توظف كثيرا منها النصب والاحتيال على المواطنين باسم بركة الصالحين.
نعم، ثمة تحديات كثيرة أمام بلورة هذا المضمون الجديد للتحديث الثقافي، وثمة عوائق تمنع من الاتجاه في صناعة هذا التحالف الموضوعي بين قوى المجتمع، فالبنية القبلية لا زالت مهيمنة، والخلفية الصوفية في بعدها الطرقي الخرافي لا تزال تؤطر بنية التفكير لدى شرائح واسعة في القرى المغربية، هذا دون أن نغفل البعد السياسي في الموضوع، والوظيفة التي تؤديها هذه المضامين الخرافية في إسناد السلطة في مفهومها التقليدي الاستبدادي.
لكن، كل هذه الإكراهات والتحديات، لا تمنع من أن تعيد القوى السياسية والمدنية جدولة موقع التحديث الثقافي في برنامجها، لاسيما وأن المفهوم الجديد للسلطة صار يفتح إمكانيات لتفكيك السند الثقافي للسلطة التقليدية، وإعادة بلورة مضمون ثقافي جديد تتواضع عليه كل قوى المجتمع بما في ذلك السلطة السياسية القائمة.
إن التجاوب الذي حظي به قرار وزير الصحة إغلاق "بويا عمر" من قبل السلطات العمومية، يعطي بارقة أمل بإمكان أن يفتح المغرب ورش التحديث الثقافي بالمفهوم الذي تلتقي عند مضمونه جميع مكونات المجتمع السياسي والمدني، لا بالمضمون الذي يزكي التحالف السوريالي بين الحداثة المغشوشة التي تصادم المنظومة المعيارية للمجتمع وبين الخرافة. 
بلال التليدي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
بلال التليدي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل