إدغار موران: نحن نحمل فينا قصة الكون

الجمعة 25 أكتوبر 2013

إدغار موران: نحن نحمل فينا قصة الكون
 
تُنتج طبيعتُنا ثقافتَنا التي تنتج بدورها طبيعتَنا…غير أنَّ العلمَ يَستمرُّ بإلحاح في دراسة هذين البعدين الإنسانيين على نحو منفصل.
‘سأقول ،أولاً وقبل كل شيء, إنه لايمكن تعريف الإنسان بكونه الإنسان العاقل(Homo (sapiens فقط. فهو أيضاً الإنسان المخبولHomo demens) )، أي القادر على ارتكاب الحماقات، لكون الجنون ليس منحصراً في الطب النفسي ولكنه يحيلنا أيضاَ على المبالغة في السلوك والإحساس، وعلى الهذيان. فالإنسان العاقل ـ الإنسان المخبول هما إذن القطبان اللذان يتقلب بينهما نشاطُنا. ومن جهة أخرى، فالإنسان ليس فقط ذلك الذي يصنع الأدوات(Homo faber)، بل هو أيَضاَ الإنسان الخالق للأساطير (Homo mythologicus)، ويخلق معها معتقدات خارقة عن الطبيعة و أديانا. وأخيراَ،فهو ليس فقط الإنسان الاقتصادي(Homo oeconomicus) ، وهو مفهوم يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، لكنه أيضاً كما قال المؤرخ الهولندي يوهان هْوي زينغا: الإنسان اللاعب(Homo ludens) ، ذلك الذي يلعب ويستنزف حياته، كما يفعل بخيراته. ولا يعمل الإنسان فقط من أجل كسب قوت عيشه. فالطبيعة الإنسانية ليست مكوَّنة ً فقط من نشاطات بسيطة مبتذلة, وإنما تملك كذلك جانباً شعرياً، وسمة التعبير الصريح عن الإحساس، والتوحد في الانتماء إلى الدين، وكذا جانباً متعلقاً بالحب حيث يزدهر الفرد بهذه الجوانب داخل الجماعة. قد ينبغي تعويض المفهوم المفرط في البساطة للإنسان العاقل صانع الأدوات(Homo faber sapiens) بمفهوم’الإنسان المعقد’(Homo complexus) .
والنقطة الثانية هي أن الكائن الإنساني يُفْصَل فيه غالباً وبإفراط بين جانبه الثقافي والنفسي وجانبه البيولوجي والحيواني. وكَحُجَّةٍ على ذلك كون الدماغ موضوع الدراسة في علم الأحياء…والذهن في علم النفس !بَيْدَ أنه من المهم أخذ الهوية المزدوجة للإنسان بعين الاعتبار. ويدرس الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ جانبَنا الثقافيَّ. وهي فروع معرفية ينبغي الربط بينها، لكنها لا تتواصل إلا قليلاً جداً. أما بالنسبة إلى الأدب، فإنه يسمح بالاقتراب من ذاتية الكائن، وحياته اليومية وآلامه؛ وذلك مالا تظهره العلوم. وتأتي من ذلك القوةُ الإدراكية لنصوص ديستويفسكي و نصوص بروست. دون أن ننسى الشعر الذي هو طقس إدماج حقيقيٍّ في طريقة التفتح الجمالي.
ونظرا إلى كون الدماغ والذهن لا يقبلان الفصل بينهما، فإن الجانب الآخر للإنسان هو إذن جانبه البيولوجي. ذلك الجانب الذي يجعلنا قردة ًعُليا بقيتْ بعد الثدييات والحيوانات الفِقرية وفي نفس الوقت أصبحت بشرية ً تحمل خلايا وريثة لمغامرة الكوكب الكبرى. لكننا لدينا أيضاً بعدٌ فيزيائيٌّ: فنحن آلات حرارية تؤدي وظيفتها عند درجة حرارة 37 مئوية. آلاتٌ ‘ غير مبتذلة’ ـ إذا أردنا أن نقتبس تعبير عالم الفيزياء هاينز فود فورسترـ قادرة على الإتيان بأفعال غير محكومة بالحتمية ولا يمكن التنبؤ بها، وقادرة على خلق ابتكاراتٍ … وأن تكون سببَ كوارث! أضف إلى ذلك أن تكوين خلايانا يحيلنا على الفترة التي تكونت فيها الذراتُ، بل ربما أرجعنا إلى بداية الكون، عندما ظهرت الجُزَيْئاتُ. كل قصة الكون هذه هي ماثلة فينا، فنحن أطفال الكون، أطفال الأرض، وأطفال الحياة، لكن في نفس الوقت، نحن غرباء عن الكون والأرض والحياة بالثقافة وبالمعرفة اللتين تميزاننا عنها. لقد خلصت المعرفة الغربية إلى نسيان هذا الجانب الفيزيائي البيولوجي. غير أنه بدون علم الأحياء لا يؤدي الدماغ وظيفته، ولا يقوم الذهن بوظيفته أيضاً. ولا يمكننا الفصل بين كل هذا. ومن جهة أخرى تنتج طبيعتُنا ثقافتَنا، التي تسمح لنا بالاستمرار في إنتاج طبيعتنا. 
سأختم بجملة لهايدغَر: ‘ لم يكن لدينا قطُّ هذا الكم الكبير من المعارف عن الإنسان في الماضي، و مع ذلك لا نعرف عنه إلا القليل جدا’. لنلاحظ سريعاً، أن ماهية الكائن الإنساني لم تُدَرَّسْ قط في المدرسة… ما يهمني، وفي الوقت الحاضر، هو مصير الإنسانية، التي تعرف أزمة ً غير مسبوقة: مخاطر هائلة وفرصٌ جديدة . إننا مدفوعون بكل سرعة من طرف سلسلة أحداث لا يمكن التحكم فيها: اقتصادية، نووية ، إيكولوجية… فهل ترانا نقدرعلى النجاة منها؟
إشارات: 
*هذه أقوال جمعتها برناديت أرنو عن إدغار موران حول موضوع : ‘ما الإنسان؟’. و هو عالم اجتماع فيلسوف و مدير أبحاث فخري في المركز الوطني للبحث العلمي(CNRS) بفرنسا وحائز على دكتوراه فخرية من 14 جامعة في العالم. إلى جانب هذا هو رئيس المجلس العلمي لمعهد علوم التواصل بـ CNRS، ورئيس الوكالة الأوروبية للثقافة باليونيسكو.
 
المصدر: 
مجلة (علوم ومستقبل) عدد 169 خاص ـ شهر يناير- فبراير 2012(ص. 62) 
 
بيسان بن ميمون / ترجمة


معرض صور