المراكشية : بوابة مراكش

إبراھیم الھلالي .. أصالة القرویین وابن یوسف وحداثة جامعة محمد الخامس العصریة


محمد الطوكي/ كلیة الآداب بمراكش | حرر بتاريخ 29/07/2020




استشففت من خلال مخاللتي للمرحوم، بعفو الله سیدي ابراھیم الھلالي، وقراءتي لمجموعة من أعمالھ النثریة والشعریة أن الثقافة لدیھ، وھي تمثل رؤیتھ للعالم، أنھا، أي الثقافة ، لیست معارف متنوعة یُجھد ویُجتھد في إدراكھا بالعقل لتنحط بعد ذلك إلى درك التباھي في باب الجدل والمناظرات، و"التطاوس" بھا في المجالس، وتسلیة رواد الصالونات وتفكھتھم بالنوادر والطرف، بل الثقافة ثروة إنسانیة سامیة یؤمن ویقتنع بصحتھا عن طریق العقل والقلب، ومن حیث
ھي معارف فإنھا مطلوبة من أجل العمل، والالتزام بما یوجبھ ذلك الإیمان . ثم ھي بعد ذلك، بالنسبة إلینا، انتماء إلى ھذه الثقافة العربیة الإسلامیة المنفتحة على الحضارة الإنسانیة انتماء یدرك معھ حاملھا، أنھ لو فرط فیھا لأداه ذلك التفریط إلى الضیاع، ضیاعھ ھو، وضیاع ما ینتمي إلیھ. ورأس ھذه الثقافة كامن في الدین المتغلغل في أغوار النفس تغلغلا یجعل صاحبھ قادرا على ضبط الأھواء الجائرة ، وقمع الأنانیة الماكرة المقیتة )1( ؛ فالعیاذ با من علم لا ینفع،
والنفعیة ھا ھنا تتجاوز خویصة النفس، إنھا بمثابة واحة تأوي القریب والبعید. فمن خلال ھذه الرؤیة المنكرة للذات والطافحة بالغیریة ناضل المرحوم، وكتب، وعلم وربى، تجد تلك الرؤیة الثقافیة كامنة، مسلكیة وإنتاجا، في جمیع
محطات حیاتھ، من ذلك أنھ : 1 - انظر مقالة ابراھیم الھلالي : مھمة الأدیب، مجلة رسالة الأدیب، العدد 1 ، ینایر 1958 ، ص 15-14
1 - انتمى إلى جماعة مراكش الوطنیة، بزعامة المرحوم عبد الله ابراھیم، ابتداء من أواسط أربعینات القرن الماضي، وظل مستأمنا على تلك الأصول والثوابت الوطنیة السامیة طیلة حیاتھ، وابتلي في حقبة الاستعمار بما حاق بكل
من وسم بسمة الوطنیة . 2 - خط أعمالا ناھزت أربعین مؤلفا، راوحت بین الدراسة العلمیة، والإبداع
الأدبي بمختلف فنونھ، ناھیك عن مجموعة من المقالات، نشرت لھ في رسالة المغرب، وما أدراك ما رسالة المغرب، إلى جانب دوریات خمسینات القرن الماضي وما بعدھا من العقود .
3 - انخرط في معظم جمعیات المجتمع المدني الجادة التي عرفتھا مدینة مراكش، بدءا من جمعیة شباب محمد في أربعینات القرن الماضي، انتھاء بجمعیة إحیاء جامعة ابن یوسف. وتراوح انخراطھ في ھذه الجمعیات بین الرئاسة أو تحمل مسؤولیة الكتابة العامة. من ذلك : جمعیة الأدیب المراكشیة، رئیسھا الحبیب الفرقاني ، وكاتبھا العام إبراھیم الھلالي الذي یقول في بیانھا : "مھمة جمعیة الأدیب یجب أن ترمي إلى خلق وإیجاد أدباء لھم اتجاه نبیل یسعد الإنسانیة المعذبة، إننا نمقت الأدیب الذي یستخدم قلمھ، في سبیل مصالح معینة لیضرب على وتر أغراضھ السیاسویة أو المادیة، إننا نرید أدبا حرا شریف المقصد، سامي الغایة یعبر عن أمانینا وانبعاثنا ودموعنا، وعند ذلك نستحق لقب "أدیب"،
ویومئذ یكون الأدیب المغربي قد أدى مھمتھ في الحیاة " )2(. ثم إنھ یعتبر أول رئیس لفرع اتحاد كتاب المغرب بمراكش، ورئیس جمعیة
الوعي ومنبرھا مجلة الوعي، وآخر مناشطھ، رحمھ الله وھو في أواسط السبعینات من عمره ، دعوتھ إلى إنشاء جمعیة إحیاء جامعة ابن یوسف، التي
2 - إبراھیم الھلالي نفسھ ، ص 15 .
استجاب لھا جمھور غفیر من مثقفي المدینة الذین أسندوا إلیھ مسؤولیة رئاستھا بالإجماع، فخصص لھا من وقتھ الثمین، وخبرتھ الإداریة والعلمیة والتواصلیة، إذ من سجایاه أنھ موطأ الأكناف ألفھ الخاصة والعامة، فرعى تلك الجمعیة حق الرعایة مادیا وأدبیا، مما ضمن لھا الاستمراریة، فنظمت ندوات وطنیة، وأصدرت مجلة علمیة باسم جامعة ابن یوسف، في مستوى صادرات المؤسسات الثقافیة العربیة الجادة ، بلغت ستة عشر عددا، حشد لھا نخبة من الباحثین الجامعیین، یكفي أن نذكر من كتابھا السادة الأساتذة محمد بنشریفة، وعباس الجراري، ومحمد بن شقرون، ومحمد بلقزیز، و المرحومون، بعفو الله، عبد الله إبراھیم، محمد حجي، الشرقاوي إقبال ومحمد الحبیب الفرقاني. وقد حققت استمراریة منقطعة النظیر فقد توفي، رحمھ الله، ومعظم مواد العدد 17 بین یدیھ
.
وكان من بین أھداف الجمعیة والمجلة إعادة الاعتبار لجامعة ابن یوسف التي سادت زھاء تسعة قرون ، ثم ما لبثت آن آلت إلى أثر بعد عین، وإلى شيء كان !!
وكان، رحمھ الله، یقول : "إن المستقبل، والحمد ، فسیح ومدید، وإن "مع العسر یسرا، إن مع العسر یسرا"، فسنبقى حاملین لـِـھـَـم ِّ المطالبة بإعادة الاعتبار لتلك الجامعة العتیدة، ولن تباد أو یقضى علیھا أو تمحي من ذاكرتنا الوطنیة مادمنا أحیاء، فإن قدر الله وقضى بالوفاة، فإن مواصلة ھَم ِّ مطلبنا المشروع واقع على كاھل الأجیال اللاحقة من ساكنة المدینة ومحبیھا، وإن التفریط فیھ جریرة لا
تغتفر".



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة






الأكثر قراءة

Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة