المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

أيام من سيرة اغمات .. أمجاد عظيمة يُخفيها حاضر فقير

السبت 11 يونيو 2016

أيام من سيرة اغمات .. أمجاد عظيمة يُخفيها حاضر فقير
أغمات اليوم، هي بالنسبة لأغلب المراكشيين سوق الجمعة الأسبوعي، وحقول أشجار الزيتون الممتدة على ضفة الوادي الذي تتقاسم معه نفس الاسم، هي أيضا مشاتل النباتات العطرية، وشتلات الجيرانيوم، والإبسكوس بزهرته الكبيرة وألوانها الزاهية ، و شجرة البيكونفيلييه المتسلقة.. التي من أجلها يقطع عشاق الحدائق والنباتات تلك المسافة التي تفصلها عن مراكش لتعزيز رصيد حدائقهم الخاصة من الأزهار والورود والأشجار.. لكنها مع ذلك هي الخلفية الغامضة لتاريخ مراكش، لامتدادها المنسي ماقبل لحظة التأسيس. اغمات المبرر الخفي لوجود مراكش و قد صار أطلالا . المدينة الشجرة التي أخفاها الظل بعد أن أصبح غابة و تحولت هي إلى مجرد ذكرى. ماذا كانت هذه المدينة التي أضحت اليوم مجرد قرية على هامش مراكش؟ ما الذي يقوله عنها التاريخ والمؤرخون؟ أي أمجاد عاشت؟
آثار عقبة بن نافع و جامع ابن نصير
يشير الأستاذ أحمد توفيق إلى أن كلمة اغمات أمر جمع من فعل « غم « الذي يعني عند الأمازيغ خضب . و في نصوص التاريخ ، كتبت اغمات سيرتها في فضاءين يحمل كل منهما نفس الإسم : اغمات السهل واغمات الجبل . الأولى هي اغمات وريكة، نسبة إلى القبيلة التي كانت هناك، يجري الماء في واديها الأخضر الو ريف. ويقول عنها غاستون دوفردان « ولم تزل ظاهرة آثار الرخاء بحاضرة الحوز القديمة هذه . وفي مستويات أرضها، بين ارتفاع و انخفاض، ما يُنبئ بكثرة عمارتها، لكنها عفت رسومها فلم يبق منها شيء. وقد نقب دوتي في رسوم المباني التي وقف عليها حول الموضع بعينه المسمى أغمات فما عثر على شيء. ولا على قطعة رخام. والثابت أن اغمات وريكة كانت في السهل على طول الوادي الذي نسبت إليه ، على مسيرة ساعة إلى الشمال مما يعرف اليوم بدار الأوريكي على أبواب مضايق الوادي . و هذه الأغمات ذات السعة والرخاء في العصر الوسيط إنما يطلق اليوم اسمها على سوق ينعقد كل جمعة « ( ص74)
وذكر البكري أن اغمات الجبل، وتسمى اغمات هيلانة ، توجد على بعد ثمانية أميال من جنوب اغمات أوريكة. ويرجح دوتي أنها و«إيغيل ن أيلان» التي ذكرت في بعض المصادر، نفس الشيء، أي أنها نفس الحاضرة التي كانت توصف في بعض المصادر بأنها توجد في أسفل القلعة المرابطية «تاسغيومت». ويشير دوفردان إلى أن دوتي كان يرى أن اغمات وريكة واغمات هيلانة كانتا تؤلفان مدينة واحدة. أما ابن سعيد فقد رأى أن الصحابة هم من بنى اغمات. وتزعم قبيلة هوارة المشهورة، نسبتها إليها.
ويقال إن اغمات، التي هي من أقدم مدن المغرب حيث يعود تاريخ تشييدها إلى ما قبل دخول الإسلام ، لم تكن معروفة إلا بعد أن حاصر بها عقبة بن نافع نصارى البربر الذين تجمعوا بها. وأن موسى ابن نصير الذي ولي على الجنوب المغربي بعد عقبة بن نافع، قد جعل أهلها يسلمون على يديه من دون قتال، فبنى جامع اغمات ووضع منبره .و يظهر اسم اغمات مرة أخرى مرتبطا بثورة الخوارج، وبعدها في نهاية القرن العاشر عندما قامت مجموعة من مغراوة الزناتيين، فاستولت على جزء من الحوز، وأقاموا به إمارة لهم بين برغواطة النازلين في السهل الأطلنتي ومصمودة في الجبل ، و يقول عنها دوفردان « هذه الإمارة هي أقدم دولة يذكرها التاريخ في هذه الناحية، وكانت عاصمتها اغمات « حاضرة ملك المصامدة الأولى.. وطالت مدة أمرائها بها، على صغر دولتهم ، إلى أن ظهر المرابطون. وآخر أمرائها الذي قتل على يد جيوش أبي بكر هو يوسف بن لقوط ، زوجته هي زينب المشهورة بالحسن والدهاء..»
حاضرة قيروانية
تغذت اغمات من روح القيروان، و خاصة بعد سقوط هذه الأخيرة في 448، على إثر ما كان بإفريقية من معارك دامية، حيث هاجر عدد من العلماء من القيروان إلى اغمات. ولم يكن أهل اغمات من النافرين من الغريب والمعادين للوافدين عليهم ، بل كانوا متسامحين. ويعد كتاب التشوف لأبي يعقوب بن يوسف بن يحيى التادلي المعروف بالزيات ( 617 ه) دليل هذه الصلة التي أقامها التاريخ مابين أغمات و القيروان، إضافة إلى وجود زينب النفزاوية القيروانية بها.
وجاء في وصف المؤرخين لأحوال المدينة في سابق عهدها «كانت مدينة أغمات في فحص أفيح، أحسن مكان من الأرض، طيبة التراب، كثيرة النبات والأعشاب، تخترقها المياه يمينا وشمالا، معطرة بريح النبات والشجر؛ وحولها جنان محدقة، وعنب، وبساتين أكثر شجرها زيتون، وبها نهر ليس بالكبير يشقها من جنوبها إلى شمالها، قيل: كان يعرف باسم تاقيروت أو تاكيروت، ولا يدخل المدينة سوى أربعة أيام في الأسبوع، وفي الثلاث البواقي يقطعونه عنها لسقي أراضيهم... وكانت طيبة الثرى كثيرة الخير، ولم تعدم شيئا مما تنتجه الأنعام ، لأن أكثر أهلها يقومون عليها. وكانت أحياؤها منفصلا بعضها عن بعض في قصور من الطوب، هندستها محكمة معقدة، وكانت الدور مثل دور القصور اليوم متعددة الطوابق، يصل بينها درج حسن الصنع، ولها سطوح وممرات بسقائف، وتحظر الأنعام والدواب ليلا في باحاتها. «
سوق الأحد
تشير مصادر التاريخ إلى أنه كانت لأهل أغمات صيغة فريدة في تدبير الحكم ، حيث كانوا يولون أمرهم لأمير لمدة سنة فقط بالاتفاق بينهم. واشتهرت بسوقها الأسبوعي الذي كان يُقام يوم الأحد (بدل يوم الجمعة كما هو عليه الحال اليوم) وكان يُتسوق منه أهالي الناحية كلها، حيث كان يذبح فيه أكثر من مائة ثور وألف شاة، ويذكر دوفردان أن سكانها كانوا أكثر الناس تكسبا وطلبا للرزق، وأنهم كانوا يدفعون نساءهم صبيانهم للتكسب ؛ وأن المعاملات المصرفية كانت رائجة بينهم .
لم يشتهر الأغماتيون فقط بالنشاط الزراعي، بل كانوا أصحاب تجارة، وكانت قوافلهم تعبر الصحراء قي اتجاه السودان التي ينقلون إليها النحاس الأحمر ووثياب الصوف و العطر و آلات الحديد، ويجلبون منها التبر والآبنوس والرقيق. «وكانت القوافل تعود أيضا بسكر القصب، الذي كان يصنع بسوس ،و الجلد المسمى بالغدامسي «الذي يرجح أن يكون موجها إلى الأندلس و أروبا. (دورفيدان)، ومن العوائد الغريبة التي تنسب إلى أثرياء أغمات في ذلك الزمن أنهم كانوا يقيمون علامات عند أبواب بيوتهم تدل على مقدار ما لديهم من ثروة .
نواة التصوف المغربي
لمدينة اغمات ذكر كبير في عالم التصوف، حيث ارتبطت بداياته بالمغرب بهذه المدينة التي اشتهرت بازدحام أعلامها من العلماء والمتصوفة. إذ لا نشرع في استشارة الأعمال التي رصدت نشوء الصوفية بالمغرب إلا و نجد اغمات وقد تبوأتها موقع الصدارة، حيث الرصيد الهائل من علمائها و متصوفتها، سواء أولئك المدفونين فيها، أو الذين خرجوا منها حاملين للفكر الصوفي ناشرين إياه في آفاق أخرى من الربوع المغربي.
ومن أعلام المدرسة الأغماتية في التصوف الإمام أبو عبد الله محمد بن سعدون المتوفى في 485 هجرية والإمام أبي محمد عبد العزيز التونسي المتوفي في 486 هجرية، والإمام أبي محمد بن محمد بن ويحلان المتوفى في 541 هجرية .
وتشهد كتب التاريخ والمصنفات أن حاضرة اغمات كانت مجمعا لكبار المتصوفة ممن ينتسبون إلى الطبقة الأولى من متصوفة المغرب وأعلامها الكبار، وعنهم تفرعت الطرق الوصفية السنية الأكثر شهرة في العالم الإسلامي .
حمام القرن العاشر
قد لا تذكر اغمات اليوم، إلا مرتبطة بمأساة المعتمد بن عباد وأسرته، بعد نفيه وسجنه فيها من قبل يوسف بن تاشفين . لكن التاريخ يذكرنا أن سيرتها أعمق من تفاصيل هذه المأساة ، التي يدل عليها اليوم ضريح جميل أقيم للمعتمد بها .
في سنة 2005 انطلق المشروع الأثري لميدنة اغمات، باتفاقية بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث من جهة ، وجامعة دوفانديربيلت بالولايات المتحدة الأمريكية، وذلك من أجل البحث والتنقيب عن آثار الحمام القديم لاغمات المطمور منذ مئات السنين تحت تربة حقل، حيث اكتشفت معالمه عن طريق الأنشطة الزراعية.
يقع الحمام الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن العاشر، وسط النسيج الحضري القديم، ويمثل الأثر الوحيد الذي لا زال قائما من بنايات المدينة. ويمثل تصميمه جزءا من تصاميم الحمامات الإسلامية المشهورة بالمغرب و الأندلس سواء في عهد الموحدين (قصر الصغير) أو عهد المرينيين (شالة، فاس، الرباط)
التنقيب الأركيولوجي قاد أيضا إلى اكتشاف بناء على الجانب الجنوبي من الحمام ، مستقل عن هذا الأخير ، و هو عبارة عن قاعة الاستراحة مخصصة للاستقبال ووضع ألبسة الضيوف، وهي عبارة عن ساحة رئيسية يعلوها سقف ومحاطة بأروقة من الجوانب الأرع و أرضية مبلطة بطوب آجور مصفف على شكل نسيج متراص . ويضم الجناحان الشرقي والغربي مقاعد حجرية مخصصة للراحة. وزين وسط الساحة بحوض بديع يضم نافورة و يحتوي على ثمانية أضلع، وهو شكل غني بالرموز الدينية والفلكية .
ويبين التدقيق التاريخي الذي قام به الفريق المكلف بهذه التنقيبات، أن تاريخ تشييد القاعة الرطبة للبناية يعود إلى القرن العاشر، وتوقف استعمالها في نهاية القرن الرابع عشر.
كما مكن البحث الأركيولوجي من اكتشاف جانب من بناية مستطيلة الشكل توجد حولها أحواض هي الأخرى محاطة من الجانبين بدعائم مرتبة بطريقة متتالية وتشكل بذلك أروقة . البناية كانت قصرا يتوفر على بنية صلبة و متوازنة تمتد إلى أزيد من 250 متر مربع.
و يضم الرصيد الأثري الذي اكتشف أخيرا باغمات قناة مائية قديمة تزود بالماء الصالح للشرب الحمام و مباني أخرى مجاورة . و تشكل هذه القناة الموجهة من الشمال إلى الجنوب، جزءا من شبكة مائية معقدة وناجعة تسمح بتزويد المدينة وكل بناياتها، بالماء الصالح للشرب . أما جزؤها الشمالي فيتجزأ إلى شطرين، أحدهما يتجه نحو الحوض ذي الثمانية أضلاع و الآخر نحو داخل الحمام.
بورصة النباتات
لا يكاد اسم اغمات يُذكر اليوم إلا وتذكر معه مشاتلها و جنانها و نباتاتها العطرية . ففي هذه المنطقة طور السكان على امتداد قرون تقاليد زراعية عريقة و فنونا متكاملة في البستنة و تهيئة الحدائق مازالت آثارها بادية إلى الآن. فمنذ تأسيسها عمل سكانها على تنمية خبرتهم بهذه الفنون، حيث استقدموا تقنيات الري العربي وحسنوها، وأدخلوا في وقت مبكر أسلوب زراعة الزيتون ، وتفاعلوا مع التجارب الفلاحية المجراة في الأندلس ، التي لاقت نجاحا في اغمات قبل أن تعمم في المغرب و غيره من الأقطار العربية. ومن ذلك التجارب المجراة على غرس الحوامض التي ساعد نجاحها على نشرها بمناطق أخرى تتوفر على ما يناسب مثل هذه الزراعة من شروط مناخية.
وساهمت المؤهلات الطبيعية التي تتميز بها منطقة اغمات في تطوير المهارات الزراعية، وفنون البستنة وإعداد الحدائق ، وخاصة مناخها، والفرشة المائية التي يوفرها الوادي الذي يعبرها. وسمح ذلك لأهاليها ممن يحترفون الزراعة، باكتساب مهارات في عمليات التطعيم، وهو ما مكنهم من إنتاج عدد من أصناف الحوامض والورود بهذه المنطقة، وزعت بكميات كبيرة لإحداث بساتين جديدة في مناطق مختلفة من المغرب .
اغمات حسب خبراء البستنة، هي «مشتل المغرب«، وسوقها بورصة النباتات، التي فيها يتقرر سعر النباتات تبعا لقانون العرض والطلب والجودة، لذلك فهي اليوم تواصل دورها في هذا المجال إذ يقصدها المحترفون للبحث عن الجديد من التطعيمات. وبمشاتلها اشتهر نبات « رعي الحمام « الذي يسمى بالمغرب ب «بايموت«، عرف إقبالا كبيرا، وأضحى من مشروبات الشاي الأكثر استهلاكا بالمغرب وأروبا والولايات المتحدة. وأصبح من النباتات العطرية الأكثر تصديرا نحو الخارج.
في اغمات تصطف البساتين والمشاتل وحدائق الزيتون، هناك يستثمر عدد من أهالي المنطقة كامل وقتهم في إنتاج ما تحفل به الحدائق العامة والخاصة ببلادنا من ورود وأزهار وأشجار ونباتات عطرية، ينفقون حياتهم في صحبة الورود يرعون أحلام الأزهار ويؤمنون لمدننا رئة مقاومة لكل أشكال البشاعة و التلوث.
ومع ذلك فكل من يزور اغمات يستشعر مرارة تنكر حاضرها لهذا الماضي الثري، فهي اليوم بعيدة كل البعد عن تلك المدينة المشعة برموزها وتاريخها . إنها مجرد قرية حافلة بالعشوائيات، تسودها كل المظاهر الخصاص والفقر المألوفة ببلادنا، حتى أنه يصعب عليك أن تصدق أنها ذات المكان الذي تقاسمه كل ذلك المجد والإبداع وعمره الإشباع الروحي والعلمي.
تعيش هذه المنطقة من قطيعة مطلقة مع تاريخها القوي، ومن جهل حاد بقيمته، ومن عسر في إعادة توظيفه لصالح الحاضر. حتى مراكش لم تعرف كيف تستفيد من تاريخ الشجرة التي اشتقت منها، كما لو كان نفس المبدأ هو الذي يتكرر إلى الأبد: لا مستقبل للفرع إلا بمحوه للأصل الذي انبثق منه.
عبد الصمد الگباص
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد الصمد الگباص

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل