الصفحة الرئيسيةمراكش الذاكرة

أيام الحومة الأولى 3 : فرن الحي

كل من قضى ردحا طويلا، ضمن زخم فسيفساء البنية المجتمعية المعروفة بالحومة أو الحارة القديمة، إلا ويجرّ خلفه بالتأكيد سلسة قيم ووقائع تقاسمها بكيفية مباشرة أو ضمنيا، مع ساكنة الفضاء العتيق. ربما، ازدادت حرقة وهج الاشتياق؛ كلما تقادم العهد واتسعت فجوة ابتعاد أيام زمان، مما يعني انتسابه حتما إلى هذه المنظومة الأنثروبولوجية الغنية، سنوات أصالة الحاضرة تاريخيا، كمراكش مثلا، مجال حديثي، قبل أخذها وجهة هوياتية بلا هوية إنسانية حقيقية واضحة المعالم.

طبعا، ليس كلّ عتيق مفعم بعبق التراث، يعتبر جديرا باستعادة الحديث عنه، بل قد لا يستحق ولو مجرد التفاتة. أيضا،لايمثل كلّ تحقق معاصر،سياقا معقولا ومطلوبا قابلا للاستساغة، يلزمنا أن نحيا به ومعه وتحت سقفه. بل، عديدة الأشياء المتحققة جراء حداثة الزمان الراهن، تظل مجرد انعكاس مقلوب لتعليلات شَرْطية مثلما يفتحها أفق حرف ”لو”.
الحومة إطار عمراني صغير، متكامل الروافد، يحوي مجاله المادي تجمعا أسرويا متعددا يقارب عددا معينا، يغدو مع ترسخه الزماني،انتماء ساكنة معينة من خلال انتسابها الهوياتي للمنطقة،مسألة لاغنى عنها.غاية مستوى تصدّر،هذا الانتماء المجالي بكيفية عفوية على حساب نظيره البيولوجي،حين تأكيد المتحدِّث انحداره السلالي من حومة معينة؛قبل الانتقال إلى الكشف عن نسب اسم أبيه.ملاحظة توضح،مدى تجذر الحضور النفسي لارتباط من هذا القبيل.
لذلك،وقبل أن تجسِّد الحومة جغرافية اجتماعية واقتصادية مهيكلة شكلا وغنية مضمونا، توفر لساكنتها أهم مقومات المعيش اليومي : دكاكين، ورشات حرفيين، فرن، حمّام،مراحيض،سوق صغير للخضر والفواكه.أقول،قبل ذلك وبعده،وطَّدت أدبيات الحومة التراثية لدى الساكنة روابط اجتماعية وقيما إنسانية،رسمت في نهاية المطاف أفقا موحِّدا على أصعدة مختلفة،عَكَسَ زخم حضور قائم بذاته؛ يناظر تشكُّلات من نفس العيِّنة،تتجلى لدى مجموعة ثانية تتلاءم بتعددها داخل حومة أخرى؛غير بعيد في جهة أخرى من هندسة المدينة العتيقة.
اكتشفتُ منذ نعومة أظافري،في خضم أجواء الحومة،منظومة فسيفسائية ثرية.خريطة حياة صغيرة،تنمّ يومياتها عن مكامن سُبُل درس الحياة تبعا لتعقيدات مشهده الكبير.فقد قضيت سنوات معتَبَرة،تحت أسقف دروب الحومة،قبل المغادرة أواسط التسعينات نحو خارج أسوار المدينة القديمة.فترة،استلهمت خلالها إيتيقا الحس الإنساني،ولعل أهم قيمة أستحضرها غاية اللحظة، من وقائع تلك الأيام التي صارت حاليا بعيدة جدا،مسألة التناغم المجتمعي بين الأفراد، وكذا الخاصية المذهلة فيما يتعلق بشيم التكافل والتراحم.

الحومة وحدة تنظيمية ميكروفيزيائية،أرست لأهلها مقومات البقاء المادي والمعنوي والروحي.تكوَّنت،من أسِّ الأسرة كنواة صغرى،فالجيران ثم سلسلة جيران،تراصت منازلهم متلاصقة على امتداد درب عريض أو ضيق،طويل جدا أو شيئا ما،حسب عدد قاطنته.متى طال عهد إقامة أسرة معينة داخل الدرب،إلا وأضحت مشهورة مثل نار على عَلَم،ربما بلغ بها المقام حينها تسمية الدرب بلقبها العائلي.
استقرت العائلات داخل تلك الدروب لسنوات طويلة،إلى درجة أنها أصبحت كتلة واحدة تتقاسم كل شيء؛الطعام فالهواجس والآمال والآلام،محيطة بأسرار بعضها البعض وشتى التفاصيل الحميمة.توارث الأبناء والأحفاد نفس الثقافة المتأصلة،مادام مفهوم الانتقال أو الترحال بتغيير المنازل والتحول صوب أخرى،قد اشتغل أساسا ضمن حدود الحومة نفسها.ولم يبدأ انفكاك نسيج هذه الوحدة،سوى

arArabic