أعلام الفتوى بمراكش عبر العصور / ٢- الافتاء بالمغرب

الاثنين 15 يوليوز 2013

أعلام الفتوى بمراكش عبر العصور / ٢- الافتاء بالمغرب
    ما إن حل المرابطون بأغمات حتى وجدوا ثلة من الفقهاء كانوا خير معين لهم على بناء دولتهم، واعتمدوهم في تثبيت آرائهم وتوجيهاتهم. جاء في المعجب :(وكان ـ أي علي بن يوسف ـ لا يقطع أمراً في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء؛ فكان إذا ولى أحداً من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمراً ولا يبت حكونا في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغاً عظيماً لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس.
   ولم يزل الفقهاء على ذلك، وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم، طول مدته، فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا).
  وعرف هذا العصر نخبة من المفتين سواء مغاربة أو من الوافدين عليهم من الغرب الإسلامي أمثال عبد الله بن أحمد بن خلوف الأزدي السبتي المعروف بابن شبونة أحد أحفظ المذهب المالكي، ومحمد الأموي السبتي القاضي، والقاضي عياض، يوسف بن عيسى المعروف بابن الملجوم الذي كان رأساً في الفتيا والحديث والأدب وغيرهم.
العصر الموحدي
   كان هذا العصر قد شابه فتور التحمس لمذهب مالك،  بسبب تشجيع الموحدين للاجتهاد، وإلزام الفقهاء بالإفتاء بمذهب ابن حزم. قال العلامة علال الفاسي: (وفي زمهذا، وحدين وقع تشجيع الاجتهاد وأمر الفقهاء بالإفتاء لمذهب ابن حزم). ويرى العلامة عبد الله كنون خلاف هذا، إذ يقول: (فهذا علم الفقه على مذهب مالك قد واصل تفرعه وانتشاره كما كان قبل أو أكثر. ونتيجة للتفاعل مع الدعوة الجديدة فقد مال أهله إلى الترجيح والتأويل، ونبذوا التعصب لأئمتهم ومشايخهم، وجعلوا البحث والنظر رائدهم في معرفة الحقائق وتقرير الأحكام؛ فرجعوا بذلك إلى أصوله ومصادره الأولى من الكتاب والسنة وما إليهما) إلى أن قال: (والذي نريد أن نسجله هنا هو أن المذهب المالكي لم ينهزم مطلقاً أمام الدعوة إلى الاجتهاد التي كان الموحدون يتزعمونه، ولا أمام المذهب الظاهري الذي نشط نشاطاً كبيراً في هذا العصر. وذلك برغم الحملة المنظمة من رجال الدولة للقضاء عليه......).
  ومن أشهر المفتين في هذا العصر: راشد بن أبي راشد الوليدي.
العصر المريني
    كانت خطة الفتيا في هذا العصر من أرفع مناصب القضاء، ويزداد صاحبها رقياً. قال العلامة علال الفاسي: (وقعت العناية بتقريب الفقهاء واستشارتهم في جميع المسائل فانتعش أمر الإفتاء والمفتين، وقد كان القاضي يأذن لصاحب الدعوى بالسؤال في النازلة المعروضة على أنظاره.
 ومن كبار المفتين محمد بن أحمد بن علي الذي ينتمي نسبه إلى إدريس الأول، وعلي بن عبد الحق الزرويلي المعروف بالصغير، أحد الأقطاب الذين دارت عليهم الفتيا. وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الجذامي الشهير بالقباب.
العصر السعدي
   كان تعيين المفتين من اختصاصات الملك، وكان يعين بظهير. ويشمل نفوذه منطقة واسعة، وكانت هذه الخطة من أسمى الوظائف لا يرخص فيها إلا لذوي المروءة والدين، ومن ظهر منه ما يخالف ذلك يعزل ويضرب على يده.
  وممن تولى منصب الفتوى في مراكش محمد شقرون بن هبة الوجديجي التلمساني، وأبو مالك عبد الواحد الشريف.
العصر العلوي
    تعد الفتوى وظيفاً رسمياً، والمفروض أن صاحبها يتوفر على إطلاع فقهي واسع يشمل الأصول والفروع، كما أن عليه أن يكون على اطلاع بالأعراف والتقاليد المحلية. والقاضي هو الذي يرشح الراغبين أو الصالحين لشغل منصب الإفتاء لدى الدوائر العليا، بل إن المفتي كثيراً ما يكون أوسع فقهاً من القاضي، ويتقاضى المفتي أجرة من الأوقاف، بالإضافة إلى ما يتقاضاه من المستفتين عن كل فتوى، وليس له مبلغ محدد.
    ومن أعلام الفتوى بمراكش محمد بن إبراهيم السباعي رئيس الفتوى بمراكش الذي كانت ترد عليه الأسئلة من كافة أنحاء المغرب فيجيب عنها بما يبهر العقول، بدون تسويد لكثرة تحصيله واستحضاره.
    وأختم هذا الفصل بنص للعلامة محمد الحجوي يقول فيه: (حال الإفتاء في زماننا:
   إن الإفتاء في زماننا بيد الفقهاء المعروفين من أهل التقليد، ولا يوجد بينهم في مغربنا بوقتنا هذا من يدعي اجتهادا، أو رتبة ترجيح، أو يقدر أن يفوه بها إلا إن كان معتوها فيما أعلم، ولا أدري هل يوجد بغير المغرب من يدعيه.
  وغاية ما يشترط الآن فيمن ينتصب للفتوى أو للقضاء في إحدى العواصم الكبار أن يكون له إلمام بقواعد العربية بحيث يميز العبارة الصحيحة من الفاسدة، ويفهم دقائق معاني الكلام بحيث يعرف أن يطالع الكتب، ولا سيما مختصر خليل بشرحيه الخرشي والزرقاني وحواشيه، فإذا عرف مطالعة هذه الكتب وأحرى تدريسها، فإنه الغاية، ويعد نفسه هو ملك المغرب، فصار مختصر خليل بوقتنا وعند أهل جيلنا المنحط قائما مقام الكتاب والسنة مع أن الذي يفهم خليلا ويحصله، ويقدر على أخذ الأحكام الصحيحة منه لا شك عندي لو توجه لكتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمرن عليهما لكان قادرا على أخذ الأحكام منهما، فهذا الذي يشترط في وقتنا في أعلى مدرس، وأعلى قاض أما الأدنى، فكم من مفت وقاضي لا يعرف ماذا كتب، ولا ما حكم به، ولا يميز بين ما أثبت أو نفى، وإلى الله المشتكى.
    وكم رأيت وسمعت من فتاوى، وأحكام في البوادي والمدن يضحك منها ويبكي على غربة المغرب والدين من أجلها، وإن أصحابه محتاجون للتعليم كثيرا، وقد تأفف أحمد الهلالي في وقته مفتيه، وقبله الباجي وابن حزم بكثير يعلم ذلك من طالع كتب الفتوى والتاريخ، وكل وقت هو كوقتنا هو يوجد المحسن والمتسلط إلا أن وقتنا هذا عظم فيه الجهل، وغلب الفساد، وأصبحت الفتوى بين كل من مد يده إليها وتجرأ عليها ولو كانت اليد شلاء، والكف خرقاء ترسم بها من اتخذها مكسبا ومتجرا، ولا تسأل عما جرى كيف جرى. ويجب على من قلده الله أمر الأمة أن يرفع هذا المنصب عن تناول أوساخ الناس، وبيع الشريعة بما بيع به يوسف عليه السلام، فذلك باب عظيم؛ إذ الباذل للمال يتوصل إلى الاستظهار به على استمالة نصوص الشريعة نحوه ولو كان مبطلا فبيع الفتوى هادم للشرع، مفسد للمفتين، وهو مقت عظيم، وخطب جسيم، وها هي تونس أختنا لا يتصدر للفتوى بها إلا من ثبتت مقدرته ونزاهته، ويجعل له الراتب الكافي، ويمنع من تناول كل أجرة وكل هدية وهكذا ينبغي).
أحمد متفكر / أستاذ باحث


معرض صور