المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

أعلام الفتوى بمراكش عبر العصور / ١ - مقدمة لتعريف الفتوى

السبت 13 يوليوز 2013

أعلام الفتوى بمراكش عبر العصور / ١ - مقدمة لتعريف الفتوى
تعريف الفتوى
 
الفتوى لغة:
1ـ جاء في كتاب العين: (والفَقيهُ يفتي أي يَبَيِّنُ المُبهم، ويقال: الفُتْيا فيه كذا، وأهل المدينة يقولون: الفتوى).
وقال ابن سيده: (الفتيا والفتوى: الجواب عما يشكل من الأحكام، ويقال: استفتيته فأفتاني بذا، قال: (ويستفتونك في النساء قل: الله يفتيكم فيهن).
2 ـ وقال: (والفُتْيا مصدر كالرُّجْعى فَكَمَا أَن الفَتْوَى اسْم لَيْسَ بِصفة كَذَلِك الفُتْيا الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَاهَا).
3 ـ قال ابن الأثير:(يقال أفتاه في المسألة يفتيه إذا أجابه. والاسم: الفتوى، ومنه الحديث:(الإثم ما حاك في صدرك، وإن  أفتاك الناس وأفتوك)، أي: وإن جعلوا لك فيه رخصة وجوازا.
وقال الراغب الأصفهاني:
والفُتْيَا والفَتْوَى: الجواب عمّا يشكل من الأحكام، ويقال: اسْتَفْتَيْتُهُ فَأَفْتَانِي بكذا، قال الله تعالى:ﭽﮱ ﯓ ﯔ ﯕ  ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﭼ .
4 ـ وقال :( وأَفْتَاه فِي الأَمر: أَبانَه لَهُ. وأَفْتَى الرجلُ فِي المسأَلة واسْتَفْتَيْته فِيهَا فأَفْتَانِي إفْتَاء. وفُتًى).
(والفُتْيَا والفُتْوَى والفَتْوَى: مَا أَفتى بِهِ الْفَقِيهُ، الْفَتْحُ فِي الفَتْوَى لأَهل الْمَدِينَةِ).
   وفي المصباح: (وَالفَتْوَى بِالْوَاوِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْيَاءِ فَتُضَمُّ وَهِيَ اسْمٌ مِنْ أَفْتَى الْعَالِمُ إذَا بَيَّنَ الْحُكْمَ وَاسْتَفْتَيْتُهُ سَأَلْتُهُ أَنْ يُفْتِيَ وَيُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ الْفَتِيِّ وَهُوَ الشَّابُّ الْقَوِيُّ وَالْجَمْعُ الْفَتَاوِي بِكَسْرِ الْوَاوِ عَلَى الأَصْلِ وَقِيلَ يَجُوزُ الْفَتْحُ لِلتَّخْفِيفِ).
5 ـ وفي القاموس:(وأفتاه في الأمر: أبانه له، والفتيا والفتوى، وتفتح، ما أفتى به الفقيه) .
6 ـ وقال الزركشي: ( فَالْمُفْتِي: مَنْ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ، وَالْمُسْتَفْتِي: مَنْ لاَ 
يَعْرِفُ جَمِيعَهَا).
7 ـ وفي تاج العروس:({وأَفْتاهُ) الفَقِيهُ (فِي الأمْرِ) الَّذِي يشكلُ: (أَبَانَهُ لَهُ) ). ويقالُ:} أَفْتَيْتُ فُلاناً فِي رُؤْيا رَآها: إِذا عَبرْتها لَهُ.
(وأَفْتَيْته فِي مَسْأَلَةٍ: إِذا أَجَبْته عَنْهَا؛ وَمِنْه قولُه تَعَالَى: ﭽﭒ  ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭼ. (والفُتْيَا والفُتْوَى بضمِّهِما (وتُفْتَحُ)، َي الأخيرَةُ: مَا! أَفْتَى بِهِ الفَقِيهُ فِي مسأَلةٍ).
تعريفها الاصطلاحي الشرعي:
فقد عرفها العلماء بتعريفات عديدة منها:
(أنها الجواب عما يشكل من المسائل الشرعية، فالإفتاء هو إبانة الأحكام في المسائل الشرعية، والمفتي: هو من يتصدر للإفتاء، والفتوى بين الناس، وهو في زماننا المعاصر: فقيه تعينه الدولة ليجيب عما يشكل من المسائل الشرعية.
ولا يختلف هذا المعنى الشرعي للفتوى والإفتاء عن المعاني اللغوية، فالفتوى شرعاً: هي بيان الحكم الشرعي في مسألة من المسائل، مؤيداً بالدليل من القرآن الكريم، أو السنة النبوية، أو الاجتهاد).
وقال القرافي: (الفَتْوَى إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي إلْزَامٍ أَوْ إبَاحَةٍ).
وقال ابن الصلاح: (ولذلك قيل في الفتوى: إنها توقيع
عن الله تبارك وتعالى).
أهمية الفتوى:
للفتوى شأن عظيم في الإسلام، فهي خلافة للنبي صلى الله عليه وسلم في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، فبقدر شرفها وأجرها يكون خطرها ووزرها لمن يتولاها بغير علم، ولهذا ورد الوعيد. ففي حديث الدارمي عن عبيد الله بن جعفر: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار). وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أفتى الناس بغير كان إثمه على من أفتاه).
وقال ابن بشكوال: أن عبد الله بن عتاب كان يهاب الفتوى ويخاف عاقبتها في الآخرة ويقول: من يحسدني فيها جعله الله مفتيا. وإذ رغب في ثوابها وغبط بالأجر عليها يقول: وددت أني أنجو منها كفافاً لا علي ولا لي، ويتمثل بقول الشاعر:
         تمنوني الأجر الجزيل وليتني
                         نجوت كفافا لا علي ولا ليا
مكانة الفتوى:
جاء في كتاب التمهيد: (النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ منصب النُّبُوَّة الْمُقْتَضِيَة لنقل الأَحْكَام بِالْوَحْي عَن الله تَعَالَى ومنصب الإِمَامَة الْمُقْتَضِيَة للْحكم وَالإِذْن فِيمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الإِذْن من الأَئِمَّة كالتولية وَقبض الزكوات وصرفها وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ إِمَام الْمُسلمين والقائم بأمورهم ومنصب الإفتاء بِمَا يظْهر رجحانه عِنْده فَإِنَّهُ سيد الْمُجْتَهدين).
قال ابن القيم: (وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده،يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: ﭽﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭼ، فكانت فتاويه صلى الله عليه وسلم جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب).
وقال أيضاً: (وإِذا كان منصب التَّوْقِيعِ عن الملوك بِالمَحل الَذي لاَ ينكر فضله، ولا يُجهَلُ قدره، وهو من أَعلى المراتِب السَّنِيَّاتِ، فَكيف بِمنصب التَّوْقِيعِ عن رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ؟ فحقيق بِمن أُقِيمَ في هذَا المنصب أَن يَعُدَّ لَهُ عدتَه، وأَن يَتَأَهَّبَ له أُهبَتَه، وََن يعلم قَدر المقَام الَذي أُقِيم فيه، ولا يكون في صدرِه حرج من قَولِ الْحق والصَّدْعِ بِهِ؛ فَإِن اللَه نَاصِرهُ وَهادِيه، وكيف هو المنصب الَذي توَلاّهُ بِنَفْسه رَبُّ الأَرْبَابِ فَقَال تَعَالَىﭽﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ   ﯙﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞﭼ ، وكفَى بِمَا تَولاه الله تعالَى بنَفسه شرفًاً وجلالَة؛ إذْ يقول في كتابِه: ﭽﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭼ، وليعلَم المفتي عَمَّنْ ينوب في فَتْوَاهُ، وَلِيوقن أَنَّهُ مسئول غَداً وموقوف بين يدي اللَّه).
وقال الإمام النووي: (اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر،‏ كبير الموقع،‏ كثير الفضل،‏ لأن المفتي وارث الأنبياء ‏‏صلوات الله وسلامه عليهم‏-‏ وقائم بفرض الكفاية ولكنه معرض للخطأ‏؛‏ ولهذا قالوا:‏ المفتي موقع عن الله تعالى).
 
خطورة الفتوى والتهيب منها:
للفتوى شأن عظيم في الإسلام، فهي خلافة للنبي صلى الله عليه وسلم في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، فبقدر شرفها وأجرها يكون خطرها ووزرها لمن يتولاها بغير علم، ولهذا ورد الوعيد في شأنها.
الفتوى من المناصب الإسلامية الجليلة، والمهام الشرعية الجسيمة، يقوم فيها المفتي بالتبليغ عن رب العالمين، ويؤتمن على شرعه ودينه.
وكان علماء السلف يتهيبون الفتوى، ويتحرجون منها، ويخافون إثمها وخطرها،وعظيم شأنها، وتدافعوها بينهم لما جعل الله في قلوبهم من الخوف والرقابة.لقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التحذير لمن تصدى للفتوى وهو غير أهل لها، حيث: (إنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا وَإِنَّمَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ).
عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي جعفَرٍ قَال قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ).
قال الإمام النووي: (اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، ‏ كبير الموقع، ‏كثير الفضل،‏ لأن المفتي وارث الأنبياء ‏‏صلوات الله وسلامه عليهم‏،‏ وقائم بفرض الكفاية ولكنه معرض للخطأ‏،‏ ولهذا قالوا:‏ المفتي موقع عن الله تعالى).
وقال سفيان بن عُيينة: (أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتى لا يجدوا بُدًّا من أن يفتوا).
وقال أيضا: (أعلم الناس بالفتيا أسكتُهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها).
وقال الماوردي: (وأما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد والتصدِّي للتدريس والفتيا، فعلى كل واحد منهم زاجر من نفسه، أو لا يتصدَّى لما ليس له بأهل، فيضل به المستهدي ويزِلّ به المسترشد، وقد جاء الأثر:(بأن أجرأكم على الفتيا أجرأكم على جراثيم جهنم).
من عادة السلف الحذر من الفتيا والفَرَقُ منها؛ قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (لَقَد أَدْرَكْتُ عشرِين وَمِئَةً من الأَنصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رسول اللهِ صلى الله علَيه وسلم، إِذا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عنِ الْمَسْأَلَةِ أَحَبَّ أَنْ يَكْفِيَهُ غَيْرُهُ).
وكان الإمام مالك يقول: (من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب).
ورحم الله العلامة النحرير المفسر اللغوي محمد بن الأمين الشنقيطي، الذي كان كثيرًا ما يتمثل قول الشاعر:
 
إِذَا مَا قَتَلْتَ الشَّيْءَ عِلْمًا فَقُلْ بِ
وَلاَ تَقُلِ الشَّيْءَ الَّذِي أَنْتَ جَاهِلُهْ
فَمَنْ كَانَ يَهْوَى أَنْ يُرَى مُتَصَدِّرًا
وَيَكْرَهُ "لاَ أَدْرِي" أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهْ
 
ضوابط الفتوى:
إذا كانت الفتوى إخباراً عن الله تعالى، وأنها توقيع عن الله، فلا بد لها من ضوابط نذكر منها:
1 ـ الاعتماد على الأدلة الشرعية المعتبرة عند أهل العلم:
وأول:  هذه الأدلة كتاب الله تعالى.
ثانيها: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثها: الإجماع، وهو اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين.
رابعا: القياس؛ وهو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها في الحكم الذي ورد به نص، لتساوي الواقعتين.
2 ـ تعلق الفتوى بموضوع الاستفتاء.
3 ـ سلامة الفتوى من الغموض
4 ـ مراعاة الحال، والزمان، والمكان.
5 ـ عدم الإجمال فيما يقتضي التفصيل.
6 ـ التجرد من الهوى في المفتي والمستفتي.
7 ـ أهلية المفتي.
 
صفة المفتي:
قال الإمام النووي: (وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهوراً بالديانة الظاهرة، ‏ والصيانة الباهرة.‏ وكان مالك ‏‏رحمه الله‏ يعمل بما لا يلزمه الناس،‏ ويقول: ‏لا يكون عالماً حتى يعمل في خاصَّةِ نفسه بما لا يُلزمه الناس مما لو تركه لم يأثم).‏ ‏
وينبغي للمفتي:(أَن يكون بصِيراً بِمَكْرِ الناس وخِدَاعهِم وأَحْوَالِهِم، وَلا يَنْبَغِي لَه أَن يُحْسِنَ الظَّنَّ بِهِمْ، بل يكون حَذِرًا فَطِناً فَقِيهاً بِأَحوال النَاسِ وأُمُورِهِم، يُؤازِرُهُ فِقهُهُ في الشَّرْعِ، وإِن لَم يكن كذلك زَاغَ وَأَزَاغَ).
وبنبغي للمفتي أن يكون حذراً من تلبيس إبليس الذي لبس به على بعض المنتسبين على الفقه، فيما ذكره ابن الجوزي بقوله: (ومن ذلك أن إبليس لبس عليهم بأن الفقه وحده علم الشرع ليس ثم غيره فإن ذكر لهم محدث قالوا ذاك لا يفهم شيئا وينسون أن الحديث هو الأصل فان ذكر لهم كلام يلين به القلب قالوا هَذَا كلام الوعاظ ومن ذلك إقدامهم عَلَى الفتوى وما بلغوا مرتبتها وربما أفتوا بواقعاتـهم المخالفة للنصوص ولو توقفوا فِي المشكلات كان أولى).
قيل لِيَحْيَى بنِ أَكْثَمَ: (متَى يجب للرَّجُلِ أَن يُفْتِيَ؟ فَقَال: إذا كان بصيراً بِالرأْيِ، بصيراً بِالأَثَرِ، قلت: يُرِيدَانِ بِالرَّأْيِ القياس الصحيح وَالمَعَانِي وَالعِلَلَ الصَّحِيحَةَ الّتي عَلَّقَ الشَّارِعُ بِهَا الأَحْكَام، وجعلَها مؤثرَة فيها طَرْداً وَعَكْسًا).
 
شروط المفتي:
وقد أجمل الإمام الشافعي هذه الشروط بقوله:
قال الشَّافعي: (لا يحل لأَحد يُفْتِي في دينِ اللَّهِ إِلاَّ رجلاً عَارِفًاً بِكتَاب اللَّه: بِنَاسخه وَمنسوخه، وبِمحكَمه ومتشابهه، وتأْوِيله وتنزِيله، ومَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّه، وما أُرِيدَ بِهِ، وفيما أُنْزِلَ، ثم يكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول اللَّه صلَّى اللهُ علَيه وسلم، وبِالنَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ، ويعرِف من الحديث مثل ما عرف من القُرآنِ، ويكون بَصِيراً بِاللُّغَةِ، بَصِيراً بِالشِّعْرِ، وما يحتَاج إِلَيه لِلعلْمِ وَالقُرْآنِ، ويستَعمِل مع هذا الإِنصاف، وقِلَّةَ الكَلامِ، ويكون بعد هذا مُشْرِفًاً علَى اخْتِلَافِ أَهلِ الأَمْصَارِ، ويكون لَه قَرِيحَةٌ بعد هَذَا، فَإِذا كان هذا هكذا فلهُ أَن يتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ في الحَلالِ وَالحَرَامِ، وَإِذا لم يكن هكذا فَلَهُ أَن يَتَكَلَّمَ في العلم وَلاَ يُفْتِي).
وأضاف الخطيب البغدادي إلى هذه الشروط إضافات أخرى أوجب توفرها في المفتي، وقد فصلها بقوله:
(وينبغي أَن يكون: قَوِيَّ الاسْتِنْبَاطِ، جَيِّدَ المُلاحَظَةِ، رَصِينَ الفِكْرِ، صحيح الاعتِبار،ِ صاحب أَنَاةٍ وَتُؤَدَةٍ، وَأَخا اسْتَثْبَاتٍ، وَتَرْكِ عجلة، بصيراً بما فيه المصلَحة، مستوقِفاً بِالمشاورة، حافظًاً لديِه، مشفِقًاً علَى أَهلِ مِلَّتِهِ، مُوَاظِبًاً علَى مروءته، حرِيصاً علَى استِطَابَةِ مَأْكَلِهِ، فَإِنَّ ذلك أَوَّل أَسباب التَّوْفِيقِ، متَورعاً عن الشُّبُهَاتِ، صادفاً عن فَاسد التَّأْوِيلات، صلِيباً في الحق، دائمَ الاشتغَال بِمعادن الفَتْوَى، وطُرق الاجتِهاد،  ولا يكون مِمَّنْ غَلَبَتْ علَيه الغَفْلَةُ، وَاعْتَوَرَهُ دوام السهرِ، ولا موصوفاً بِقلَّة الضَّبْطِ، مَنْعُوتاً بِنَقْصِ الفَهْمِ، مَعْرُوفاً بِالاخْتِلالِ، يُجِيبُ بما لا يسنَح له، ويفتي بما يَخْفَى عَلَيْهِ).
 
- آدَابُ المُفتِي:
أ - ينبغِ لِلمُفْتِي أَن يحسِنَ زِيَّهُ، مع التَّقَيُّدِ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ في ذلك، فَيراعي الطّهارةَ وَالنظافَةَ، واجتناب الحرِيرِ وَالذّهبِ والثِّياب الّتي فيها شيء من شعارات الكفار،ولو لَبِس من الثِّياب العالِية لكان أَدْعَى لقَبُول قَوْلِهِِ تَعَالى: ﭽ ﭣ  ﭤ  ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ  ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ   ﭸ ﭹﭺ       ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭼ، وَلأَِنَّ تَأْثِير الْمَظهَرِ في عامة الناس لاَ ينكر، وهو في هذا الحكم كَالقَاضِي.
ب - وَاعلَم أَنه يجب علَى من تولى القَضاء أَن يعالج نفسه، وَيجتهد في صلاحِ حاله، ويكون ذلك من أَهم مَا يجعَله من باله فيَحمل نفسه علَى أَدَبِ الشَّرْعِ، وحفْظِ المُرُوءَةِ، وَعُلُوِّ الهِمَّةِ، وقّى ما يَشِينُهُ في دِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَعَقْلِهِ، ويحطه عن مَنْصِبِهِ وَهِمَّتِهِ، فَإِنَّهُ أَهل لأَن يُنْظَرَ إلَيه، وَيُقْتَدَى به، ولَيس يَسَعُهُ في ذلك ما يَسَعُ غَيْرَهُ، فَالعُيُونُ إلَيه مَصْرُوفَةٌ، ونفوس الخاصَّة علَى الاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ مَوْقُوفَةٌ.
ج - وينبغي له أَن يُصلح سَرِيرَتَهُ، ويستحضر عدة الإفتاء النِّيَّةَ الصَّالِحَة من قَصد الخلافة عنِ النَّبِيِّ في بيانِ الشرعِ، وإِحْيَاءِ العمل بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وإِصلاح أَحوال الناسِ بِذلك، وَيَسْتَعِينَ بِاللَّهِ على ذلك، ويسأَلَهُ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ، وعليه مُدَافَعَةُ النِّيَّاتِ الخَبِيثَةِ من قَصْدِ العُلُوِّ في الأَْرضِ، والإعجاب بما يقول، وخاصة حيث يُخْطِئُ غَيْرُهُ ويصيب هو، وقَد ورد عن سَحْنُونٍ:(فِتْنَة الجَوَابِ بِالصَّوَابِ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ المَال).
د - وعليه أَنْ يكون عاملاً بِما يُفْتِي بِه من الخَيْرِ، مُنْتَهِياً عما يَنْهَى عنه من المحرمات وَالمَكْرُوهَاتِ،لِيَتَطَابَقَ قَوله وَفِعْلُهُ، فيكون فعله مصدِقاً لقَوله، مؤَيِّداً له، فإِن كان بِضِدِّ ذلك كان فعله مكَذِّباً لقَوله، وَصَادّاً لِلمُسْتَفْتِي عن قَبُولِهِ وَالامتِثَال لَه، لما في الطَّبَائِعِ البَشَرِيَّةِ من التَّأَثُّرِ بِالأَْفعال، ولا يعني ذلك أَنه لَيس لَه الإفتَاءُ في تلك الحال،إِذ ما من أَحد إِلاَّ وله زَلَّةٌ، كما هو مُقَرَّرٌ عند العُلَمَاءِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ في الأَْمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ أَن يكون صاحبه مُؤْتَمِراً مُنْتَهِياً،وهذا ما لم تكن مخالفته مُسْقِطَةً لِعَدَالَتِهِ، فلا تَصِحُّ فتْيَاهُ حِينَئِذٍ.
هـ - أَنْ لا يُفْتِيَ حال انْشِغَال قَلبِه بِشِدَّة غضبٍ، أَو فَرحٍ، أَو جُوعٍ، أَو عَطَشٍ، أَو إِرْهَاقٍ، أَو تَغَيُّرِ خُلُقٍ، أَو كان في حال نعاس، أَو مرض شَدِيدٍ،أَو حَرٍّ مُزْعِجٍ، وبَرْدٍ مُؤْلِمٍ، أَوْ مُدَافَعَةِ الأَْخْبَثَيْنِ وَنحوِ ذلك من الحاجات التي تَمْنَعُ صِحَّةَ الفِكْر،ِ وَاسْتِقَامَةَ الحُكْمِ، لقَول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ).
فإِن حصل له شيء من ذلك وجب عليه أَن يتوقف عنِ الإفْتَاءِ حَتَّى يزول ما به، ويرجع إِلى حال الاِعتدال، فَإِن أَفْتَى في حال انْشِغَال القلب بِشيء من ذلك في بعضِ الأَْحوال وهو يرى أَنَّهُ لم يخرج عن الصَّوَابِ صَحَّتْ فُتْيَاهُ، وَإِن كان مُخَاطِراً، لكن قَيَّدَهُ المَالِكِيَّةُ بكون ذلك لم يُخْرِجْهُ عن أَصل الفِكْرِ.
فَإِن أَخْرَجَهُ الدَّهَشُ عن أَصل الفِكْرِ لم تَصِح فُتْيَاهُ قَطْعاً، وَإِنْ وَافَقَتِ الصَّوَابَ).
و- إِن كان عنده من يَثِقُ بِعلمه وَدِينِهِ، فَيَنْبَغِي لَه أَن يُشَاوِرَهُ، وَلاَ يَسْتَقِل بِالجَوَابِ تَسَامِياً بِنَفْسِهِ عَنِ المُشَاوَرَةِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى:{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(159) سورة آل عمران، وعلى هذا كان الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَخَاصَّةً عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه، فَالمَنْقُول من مُشَاوَرَتِهِ لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ من أَن يحصر، وَيُرْجَى بِالمُشَاوَرَةِ أَنْ يَظْهَر له ما قَد يَخْفَى عليه، وهذا ما لم تكنِ المُشَاوَرَةُ من قَبِيل إِفْشَاءِ السِّرِّ.
ز - المُفْتي كَالطَّبِيبِ، يَطَّلِعُ من أَسرار الناسِ وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيره، وقَد يضرُّ بِهم إِفْشَاؤُهَا، أَوْ يُعَرِّضُهُمْ لِلأَْذَى، فعليه كِتْمَانُ أَسْرَارِ المُسْتَفْتِينَ، وَلِئَلاَّ يحول إِفْشَاؤُهُ لَهَا بَيْنَ المُسْتَفْتِي وبين البَوْحِ بِصوره الوَاقِعَةِ، إِذا عرف أَنَّ سِرَّهُ ليس في مَأْمَنٍ.
أحمد المتفكر / أستاذ باحث
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : تاريخ مراكش, مراكش
أحمد المتفكر / أستاذ باحث

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل