أسرار عيد الأضحى المبارك

الاحد 13 أكتوبر 2013

أسرار عيد الأضحى المبارك
1) عيد الأضحى دعوة للاستمتاع والاحتفال  بعبادة الله سبحانه وتعالى.فمشروعية  عيد الأضحى بسورة الكوثر (فصل لربك وانحر) ، ومعنى الكوثر فسره العلماء بتفسيرات عديدة ومنها النبوة والقرآن وأنه نهر في الجنة ،فالنعم الروحية هي أعظم النعم جميعا وغيرها من النعم المادية إلى زوال وتغير.
2) عيد الأضحى يعقب عبادة الحج ،كما أن عيد الفطر يعقب عبادة صوم رمضان ،فكلاهما بعد إنجاز ركنين من أركان الإسلام ،فالفرحة الحقيقية والسعادة الشاملة والسلام الدائم في العبودية لله تعالى .قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ *قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) يونس:57-58.
فالاستمتاع في هذه الحياة عندما تتخفف من كل زينة الدنيا وأعبائها لذلك كان من معاني  لبس الإحرام في الحج التخفف من كل معاني الزينة المادية
3) شعور الامتنان والحمد لله سبحانه وتعالى ،من واجبات هذا الدين ،ومن ضروريات تحقيق السعادة في الحياة ،وجذب الطاقة الايجابية لحياتك.وهذا الامتنان يكون بالعبادة  الحقة لله تعالى ورحمة خلق الله وإعمار أرض الله ،ونشر الرحمة والمحبة والسلام.
4) يسن صباح يوم العيد الإغتسال والتطيب ولباس الأبيض، ثم خروج المسلمين جماعة الأطفال والنساء والرجال لصلاة العيد في المصلى والرجوع منه عن طريق آخروذلك لتهنئة أكبر عدد من الناس  ، فالبهجة والفرح مشاعر مرتبطة بالعيد ،وهي أولويات أساسية في ديننا الإسلامي ،الذي جاء لإسعاد البشرية،قال تعالى (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) (123-124) سورة طـه.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أسعد الناس جميعا رغم المحن والابتلاءات ،بل إنه كان يكون أكثر تفاؤلا في المحن المزلزلة ،وذلك هو معنى اليقين بالله ،ففرحه وسعادته بالله وليس بشيء آخر.
5) الإسلام كدين متكامل يتميز عن كل الفلسفات الوضعية ،لاهتمامه بإنسان متكامل ،وليس فقط بالبعد المادي للإنسان ،ففي الجانب الإيماني يرتبط عيد الأضحى بشكر نعم الله وعبادته في صلاة العيد والتكبير والنسك ،و برؤيا إبراهيم عليه السلام ،وفي البعد  الاجتماعي الذي يعتبر من أهم عناصر تحقيق السعادة حيث تلتقي الأسر على الاحتفال بالاشتراك في الطهو والطعام   والتزاور وصلة الأرحام ،وسنة التصدق بثلث الأضحية على الفقراء ،وبذلك يجمع بين المسلمين  مشاعر المحبة وهي طاقة مدهشة لتحويل المجتمعات من السلبية للايجابية ،(لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه )،وفي الجانب الاقتصادي الرواج في سوق البهائم وحاجيات العيد ،وفي الجانب النفسي تهذيب للنزعة العدوانية في الإنسان وربطها بطاعة رب الناس وليس بطاعة النفس الأمارة بالسوء ولذلك قدمت الصلاة على ذبح الأضحية وارتبط الذبح بالبسملة والتكبير ،وكان في وقت الضحى وهو وقت تدفق الطاقة والنشاط والتغيير حسب علماء الطاقة،وفي الجانب المادي الاستمتاع بالأكل والشرب يوم العيد بعد موسم الحج دلالة على توازن ووسطية الإسلام وعدم رهبانيته ،لذلك احرص رحمك الله على التوازن في طعامك وشرابك ،ومباركته بالبسملة والحمد والدعاء والبهجة ،والحركة ففيها بركة ومساعدة على الهضم للأكل الدسم، عملا بحقيقة دينك الوسط  .
6) عيد الأضحى يذكرنا بأهمية التضحية ،وهو ماتمثل في تضحية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ،والأنبياء عليهم السلام جميعا ،أعظمهم أولوالعزم من الرسل ،يجمع بينهم صفات الصبر والعزيمة والتضحية،وهي صفات الناجحين والقادة والسعداء في الحياتين الدنيا والآخرة ،والمؤمن الفطن هو السعيد في الدنيا والآخرة الذي يعيش لنصرة دينه ورسالته ،وخيره يعم غيره وليس لأنانيته الشخصية فقط (المؤمن كالنحلة أينما وقع نفع).
7) رؤيا الأنبياء حق ،وعدم تحقق رؤيا إبراهيم وهي ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام ،إشارة مدهشة على قدرة الإنسان على التحكم في أقداره (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)،فالقدر تفاعلي بحسب طريقة تفكيرنا ومشاعرنا تكون أقدارنا ،فالأفكار والمشاعر والسلوكيات الايجابية تجذب الأقدار الايجابية ،أما الأفكار والمشاعر والسلوكيات السلبية فإنها تجذب الأقدار السلبية ، و كما يؤكد علماء النفس والدين أنه لايمكن أن يصاب الإنسان بمرض عضوي أو نفسي أو بمصيبة إلا إذا كانت مشاعره وأفكاره وسلوكياته  سلبية أو بسبب معصية اقترفها ،ومن سوء الفهم نسبة الشر لله سبحانه وتعالى ،قال سبحانه: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} النساء: 79
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)سورة الأعراف 96.
الحديث القدسي قال اللهُ جلَّ وعلا : أنا عند ظنِّ عبدي بي إن ظنَّ خيرًا فله ، وإن ظنَّ شرًّا فله.
8) جمهور العلماءأكدوا على سنية الأضحية ووجوبها على الموسر ،وليس على الفقير ،فديننا  دين المساواة بين الضعيف والقوي والفقير والغني ،فلاتمييز بين المسلمين على أساس عرقي أو مادي أو طبقي ،وإنما التمايز الحقيقي بالتقوى وهو عمل القلب الذي يمكن أن يشترك فيه جميع العباد ،كما أن الإسلام يؤكد على التعاون بين الناس والانسجام بين الطبقات الاجتماعية ،على عكس الفلسفات المادية التي تبنى على الاستعباد أو الصراع الطبقي .لذلك حث الإسلام على الصدقة بتوزيع ثلث الأضحية لإغناء الفقير الذي حقه عند الغني المضحي، واسعاد كل المسلمين،ولتكوين مجتمع المؤاخاة الحقيقي،قال رسول الله :( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلماً ، ستره الله يوم القيامة)متفق عليه .
9) عيد الأضحى يذكرنا بمابعد الدنيا وبالدار الآخرة ،دار الخلود والاستقرار الحقيقي ،ويذكرنا بأن حياتنا الدنيوية هي معبر فقط ،فالكبش الذي فدي به إسماعيل عليه السلام كان من الجنة ،وذبحه رمز للاستسلام لأوامر الله تعالى وجعلها في مرتبة الأولوية في حياة كل مسلم قبل المال والولد وكل شيء ،ويذبح في يوم القيامة كبش  يرمز للدنيا دلالة على نهايتها،وهي دعوة لذبح الغرور والأنانية والنفس الأمارة بالسوء المتبعة للشهوات والمغترة بزينة الحياة ونعيمها الزائف ،لذلك يستحب  لمن يريد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره وأظافره شيئا إذا دخل الأول من شهر ذي الحجة كدلالة على التحرر من  الغرور بالذات ،و التعلق بظواهر الحياة كالمال والجاه والسلطة والعمل ،والأصل هو التعلق بالله وحده وذلك هو جوهر معنى التوحيد لذلك يسن التكبير (الله أكبر ،الله أكبر ،لا اله الا الله ،ولله الحمد ) ،ويكبر في الطرقات والأسواق وفي مصلى العيد وفي الطريق إليه وفي الجلوس فيه ، وعقب صلوات الفرائض ،دلالة على أن كل هم يحل بك يا أيها المسلم فرحمة الله أكبر ،و أن كل مرض يحل بك فشفاء الله أكبر ،وكل ذنب يأتي منك فتوبة الله أكبر ،وكل ضعف فيك فالله يمدك بإعانة منه أكبر ،وأن كل من يتآمر عليك أو يريد بك عدوانا فالله أكبر ،وبذلك تعيش هانئا آمنا مستقرا لأن ملك الملوك يحصنك من كل سوء ويمدك بكل خير يقول-جل وعلا-: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (يونس:62).
كما أن الاجتماع في صلاة العيد بين جموع المسلمين ،يذكرنا بيوم القيامة والشمس دانية من الرؤوس حتى تصبح على قدر ميل ،يوم يطول الانتظار والعنت ويشيب من هوله الوليد وتذهل الأم الحنون عن طفلها وتسقط فيه الحامل حملها ،ونتذكر عندما نقرأ سورة الفاتحة الصراط الذي نمر فيه للحساب وضرورة مشينا على الصراط المستقيم وهو طريق الأنبياء والصالحين ، لكي لانكون من المغضوب عليهم ولا الضالين ،ونقرأ بسورة (سبح اسم ربك الأعلى )وسورة (هل أتاك حديث الغاشية )،لنتذكر الحياة الفانية ونرتبط بالحياة الخالدة التي هي رحمة ومغفرة لكل من كان في الدنيا رحيما بفقير أو محتاج أو ضعيف بمودة أوعطاء مادي أو معنوي .
10) الله رحمان رحيم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعث بديننا رحمة للعالمين ،والمسلم الحق هو الرحيم بالبشر والحيوان والشجر والحجر وكل شيء ،لذلك فعملية الذبح إذا طبقت بشروطها كما تؤكد أحدث الأبحاث العلمية لايمكن أن يشعر فيها الحيوان المذبوح بالألم،و حدة السكين التي تمنع الشعور (كمن يحلق ويجرح لايشعر بالألم لحدة موس الحلاقة )،كما أن العروق التي يمر عليها السكين تؤدي لفقدان الأضحية للوعي ،وحركات الرجلين تكون بلاوعي وليس بسبب الألم كما قد نتوهم ،كما أن الذبح الشرعي هو أفضل طريقة لتحرير الأضحية من كل دمائها وتصفيتها من البكتيريا والجراثيم والحفاظ على الحالة الصحية للحم الأضحية.بل إن الأطباء يؤكدون على أن البسملة والتكبير تخلص اللحم من البكتيريا وتجعلها أكثر نفعها من ناحية الخصائص الغدائية.ومن رحمة هذا الدين أن النبي صلى الله عليه وسلم عنف الذي بدأ بسن السكين أمام الشاة والذي ذبحها أمام أختها ، وقال: ((تريد أن تميتها مرتين هلا حجبتها عن أختها)،كما يستحب أن يساعد الأهل على أن لايرتبط بين الطفل والخروف علاقة مودة قوية ،ويبعد عن مكان الذبح لكي لايتعرض لصدمات نفسية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته). رواه مسلم.
الإسلام دين الإحسان في كل الأعمال ،الإحسان بمعنى الإكرام والرحمة بالضعفاء والفقراء والمساكين ،تذكروا اخوانكم المسلمين بالعطاء والتعاطف والمودة والدعاء ،والإحسان بمعنى الإتقان والجودة في الأعمال وأمتنا أمام تحدي كبير فلا يحسن بنا أن نبقى شعوبا متخلفة ننتج أقل كثيرا بأضعاف مما نستهلك (ينتج العرب فقط  3 في المائة من الإنتاج العالمي رغم أنهم يمثلون 5 في المائة من سكان العالم )،فالمسلم القوي المنتج الفاعل في كل مناحي الحياة هو الذي يريده الله عزوجل ،ليس كالبهيمة  يقاد من قبل غيره ،وإنما حرا كريما مختارا قادرا على حمل الأمانة  والتعمير والدعوة ونشر السلام في العالم أجمع ،ولن يتحقق ذلك حتى تكون أفكارنا وسلوكياتنا ومشاعرنا منقادة للشرع وليس للأهواء ،وأن  تكون لنا الريادة في العلم والعمل والإنتاج في كل المجالات ونشر القيم الإسلامية العظيمة.
قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ)آل عمران 110
عمر ابن عبَد


معرض صور