أحد رجالات مراكش السبعة: أبو العباس السبتي /٢

الجمعة 19 يونيو 2015

أحد رجالات مراكش السبعة: أبو العباس السبتي /٢
فترة الصلاح الفعلي :
إن الحديث عن المنحى الصوفي لأبي العباس السبتي خاصة يكون مستأصلا ومنتزعا من نسيج اجتماعي متماسك ومعقد، وإذ نفرز هذه البنية بقصد التأمل والدراسة ينبغي ألا ينسينا ذلك بقية البنى التي نكتفي منها بهذا الفرش الخاطف الذي يصل إلى حد الابتسـار.
لقد تميزت التجربة الصوفية في مراكش خلال منتصف القرن السادس بشيء من الخفوت والضمور، وهذا أمر طبيعي نظرا لأن عبد المومن الموحدي لا يقر بالولاية إلا للمهدي بن تومرت، ومن ثم لم يسمح لأي صوفي بإظهار نحلته أو الكشف عن وجهه، لكن في خلافة أبي يوسف تبدلت الأحوال، فقد كانت للرجل ميول فلسفية وانفتاح فكري على جميع التيارات مما دفع مجموعة من المتصوفة إلى الاستقرار في مراكش، فخلال ولايته توفي مجموعة من رواد التصوف المغاربة؛ مولاي بوشعيب في آزمور (562 هـ/116 م)، ابن حرزهم في فاس (ت 569 هـ/1173 م) أبي يعزى (ت 572/1176 م). لكن الفترة الذهبية للتصوف في العصر الموحدي هي فترة يعقوب المنصور؛ فخلال ولايته توفي سيدي أبو عصفور (ت 582 هـ/86-1185 م) شيخ سيدي يوسف بن علي، وسيدي السفاج دفين باب الدباغ على الضفة اليسرى لوادي سيل، وسيدي يوسف بن علي(7) (ت 593 هـ/97-1196 م). ومن انعكاسات هذا الجانب الصوفي على الوضع اللغوي في القرن السادس تميزه باكتمال عملية التعريب في وسط المغرب. "فالقسم الغربي منه تعرب تعريبا ثقافيا عميقا يماثل التعريب الذي حصل في القسم الشرقي قرنين من قبل. ومع التعريب تعمق فهم السكان لتعاليم القرآن؛ فتجاوز الإسلام النطق بالشهادتين إلى إحياء وتجسيد مكارم الأخلاق كما جاءت في السنة النبوية،قام بتلك المهمة التربوية نساك وعباد نجد أسماءهم في كتاب التشوف لابن الزيات، والمقصد للبادسي، ودعامة اليقين للعزفي" (8).
ففي هذه البيئة السوسيوثقافية التي ألمعنا إليها سيرى أبو العباس السبتي النور. وسنحاول رصد أحواله وأطواره من خلال مصدر جدير بالثقة، هو كتاب التشـوف لابن الزيات (ت 627 هـ)، المعاصر لأبي العباس السبتي، فقد ترجم فيه مجموعة من متصوفة العصر، محتذيا أسلوب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم ( ت 430 هـ)، وقد أفراد لأبي العباس ترجمة مطولة إذا ما قورنت ببقية مترجميه، استهلها بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي "ص" فجاءت وكأنها كتيب مستقل. وتظهر أهمية هذه الترجمة في وفرة المعلومات السوسيوثقافية والسياسية التي يمكن استنباطها من الأخبار وتأويل الكرامات. أول ما يطالعنا في ترجمته : انشغال أهل مراكش به وحيرتهم في أمره "وأهل مراكش إلى زماننا هذا مختلفون؛ فمنهم من يراه وليا وأنه على مذهب الملامتية (9)؛ من أجل ما يتكلم به من الكلمات المأثورة ... ومنهم من يراه قطبا من الأقطاب، ومنهم من يكفره، ومنهم من يبدعه، ومنهم من يراه ساحرا إلى غير ذلك من الأقوال التــي تقال فيه" (10). والصورة الواردة في التشوف لا تقدم لنا الملامح الكاملة المفصلة لهذه الشخصية، بقدر ما تركز على كراماته ومناقبه بعد أن ذاع صيته واشتهر أمره. أما ما قبل هذه المرحلة فكل ما نعرفه عنه؛ هو أنه أبو العباس أحمد بن جعفر الخزرجي ولـد سنة 524 هـ /1129م بسبتة في أسرة فقيرة، امتهن والده صناعة الفخار. وتفاقم فقر العائلة بعد فقد عائلها وأبو العباس لازال وليدا صبيا، مما اضطر الأم إلى استخدامه لدى حائك، بيد أن ميول الصبي نزعت نحو العلم ففر إلى مكتب الشيخ أبي عبد الله الفخار – تلميذ القاضي عياض – الذي أعجب بذكاء الصبي ونباهته، فتولى تعليمه، وضمن للأم المبلغ الزهيد الذي كانت ستدره عليها خدمة الابن. أخذ عن أبي عبد الله الفخار القراءة والعربية والأحكام وفنونا من الأدب، وتأثر بمسلكية شيخه الصوفية التي اكتسبها من بركة الشيخ القاضي عياض. ولما بلـغ العشرين (11) وقيل ست عشرة سنة ، ثاقت نفسه إلى الاستزادة من العلم، فاستأذن شيخه وارتحل إلى مراكش حيث نزل بجبل جليز. وكانت المدينة آنذاك محاصرة من عبد المومن بن علي الموحدي الذي سيستولي عليها سنة 541 هـ.
هذا كل ما نعرفه عن مرحلة ما قبل الشهرة، وهو أمر طبيعي، إذ الإنسان قبل أن يصبح علما، يكون في عداد عامة الناس وجمهورهم، ولا يتميز عنهم إلا بعد أن يبني مجده في ميدان من الميادين، فيلتفت إليه معاصروه وحينئذ يهتمون بمجريات حياته. كان هذا شأن أبي العباس الذي تعتبر رحلته إلى مراكش العاصمة منعطفا حاسما في حياته، فهي مركز سياسي وعلمي هام "زاحمت عواصم العروبة بغداد والقاهرة وقرطبة(12)، زارها وسكنها ودفن فيها فلاسفة ومفكرون وأطباء، زيادة على الفقهاء والأدباء المشهورين، والهجرة إلى العواصم قصد الاستبحار في العلوم، أو إدراك مجد ما معروفة ومقررة في العهد الوسيط، ففيها يتمركز كل شيء، وإليها تجبى ثمرات جميع الجهات.
لقد وقع التركيز على هذه المرحلة من حياة أبي العباس. ومن خلالها يتبدى لنا الرجل مستويا في العلوم اللغوية والفقه والولاية، ويواجه خصوما عنيدين؛ هم الفقهاء، والعامة، وسوء ظن الساسة وتربصات الفلاسفة. كانت التحديات كثيرة. ويظهر من خلال أخباره أنه اجتمع لديه من المؤهلات ما مكنه من تدليل جميع تلك العقبات. فقد لبث في جبل جليز قرابة أربعين سنة من غير أن يدخل المدينة، علما بأن صيته وصلاحه هيمن لدى مختلف الفئات الاجتماعية المراكشية. فمن خلال تلك الأخبار نرى الرجل قد امتلك مجموعة من السلط :
1) سلطة اللغـة : أعطي أبو العباس فصاحة في اللسان وقدرة على البيان، يأخذ بمجامع القلوب(13)، ويسحر العامة والخاصة ببلاغته، ومن نماذج نثره الفني ابتهالاته وأشعاره. وأتي بالإضافة إلى ذلك حسا نقديا مرهفا جعله ينحو بالشعر نحو أغراض النسك والمنحى العملي الأخلاقي. قال أبو بكر بن مساعد اللمطي "وما حضرت معه قط فأنشد أحد شعرا في الغزل إلا قال له : دعنا من هذا وخذ في مدح الله تعالى. وسمع منشدا ينشد من أبيات :
رفعوا الهوادج للرحيل وسلموا
فقــال :
رفعوا الأنامل للصلاة وكبـروا فبدا الخشوع لخوفهم يترنــم
وبدت سواكب دمعهم مسبولة خوفا لما قد أخروا أو قدمـوا
هذي صلاة المتقـين وغيرهـم نائي الفـؤاد وألسـن تتكلم (14).
وسمع بيتين من قصيدة ابن عمار التي أولها :
أدر الزجاجـة فالنسيم قد انبرى
فقطع إنشاده وكره سماع القصيدة وقال: لابد أن أكفر عن هذين البيتين اللذين سمعتهما بهذين البيتين :
أقم الصلاة مهاجرا سنـة الكرى واجعل صباحك عنده حمد السرى
واطو المراحل بالعروج لمـن لـه لطف ينـزله إذا هجع الــورى (15)
فهذه النتف التي وردت في مقام نقدي تدل على ملكة شعرية مرهفـة، ويظهـر أن أبا العباس لم يستثمرها في هذا الفن، ولو فعل لوصلنا عنه شعر صوفي رقيق يكشف عن أبعاد تجربته الصوفية.
2) العقلية الحجاجية : "كان لا يناظر أحدا إلا أفحمه، سريع البديهة، كان القرآن ومواقع الحجج على طرف لسانه عتيدة حاضرة. "يأتيه من يأتيه للإنكار عليه، فما ينصرف عنه إلا وقد سمع له وانقاد لقوله" (16).
3) إضفاء الصبغة الشرعية على مذهبه : وذلك بالاستدلال بالقرآن والسنة على مسلكيته، وبهذا يقعد تصوفه على رسوم الأصلين الكتاب والسنة؛ كالجنيد وأبي طالب المكي حتى يؤصل اتجاهه ويجعله موصولا "بالمحققين من المتصوفة الذين تمتد أصول طريقتهم إلى أيام الصحابة والتابعين وتابعيهــم ومـن بعدهم" (17).
4) حجية الكرامة الصوفية : ومن أدلتها أنه أصاب الناس قحط، فأمرهم أبو العباس بالصدقة أولا، ثم خرجوا بعد ذلك للاستسقاء. قال أبو الحسن علي بن أحمد الصنهاجي :" فلقينا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن جذع الجذامى، فنـزل عن دابته وسلم على الشيخ، فقال إلى أين خرجتم؟ فقلت:خرجنا نستسقي، فضحك بنا وقال:صدقتم هذا الشيخ الأحمق ارجعوا، فقلت له:أما أنا فلا يمكنني الرجوع، فتقدم أبو العباس وهو ينظر إلى السماء ويحرك شفتيه ثم قال لنا:قولوا سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فإن الخلائق يرزقون بهذا، فكنا نقول ذلك ونرفع به أصواتنا، وأقمنا على ذلك ساعة ثم قال لنا : بادروا المطر وخذوا نعالكم بأيديكم، فضحك ابن الجذع وقال : هذا والله هو الحمق، يقول لكم هذا القول والشمس شديدة الحرارة ! فقلت أما أنا فلا أكذبه، فأخذت نعلي بيدي، فوالله ما وصلنا باب الدباغين حتى غيمت السماء وانهمرت بالأمطار. فبقي ابن الجذع مذعورا فقال لأبي العباس: اغفر لي سيدي، فإني أتوب إلى الله تعالى مما ظننت بك. فقال له لن تقبل توبتك هكذا حتى تتصدق بشيء" (18).
فهذه المنقبة الحية بالحوار وتداخل الأصوات، تتنامى بالصراع بين العقل والحدس الصوفي. فأحكام العقل لا تسلم بانهمار المطر، فأسبابه غير موجودة" فالشمس شديدة الحرارة" ومدعي ذلك في عرف العقل "أحمق". ولكن سرعان ما تحدث المفاجأة، ويقع ما لم يكن منتظرا، حيث تجود السماء بماء منهمر. فلم يبق للعقل إلا الاستسلام أمام الكرامة الصوفية ويتوب إلى الله من سوء ظنونه. فإذا نظرنا إلى الدلالة اللغوية لممثلي العقل والوجدان، فإننا نرى رمز العقل أبا عبد الله محمد بن جذع الجذامي، فهـو يتصل نسبــا بمـادة ج، ذ،ع. وقبليا بمادة، ج، ذ، م،: من مداليل المادة الأولى صغار الحيوانات، والحبس عن الخير والرزق، كما أن من مداليل المادة الثانية "جذم" القطع والداء، وكلها أوصاف ألصقت دلالتها بالعقل. أما بطل هذا الخبر وهو أبو العباس، ممثل الحدس الصوفي، فإن عباس اسم من أسماء الأسد الذي يرمز إلى السلطة والقوة. هذه بعض الارتسامات التي يمكن أن تساعد في تحليل هذه المنقبة ولم نسر فيها إلى نهايتها إذ الذي يعنينا في هذا المقام هو القوة الحجاجية للكرامة الصوفية، في مغرب فلاحي متطلع للأمطار متأفف من الجفاف وما ينجز عنه من المجاعة والأوبئة والقحط.
محمد الطوكي / كلية آداب مراكش


معرض صور