المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

أحد رجالات مراكش السبعة: أبو العباس السبتي /١

السبت 26 ديسمبر 2015

أحد رجالات مراكش السبعة: أبو العباس السبتي /١
لو أتيح لعابر أزقة الزاوية العباسية بمراكش أن ينسى ولو للحظة ما سكنه من هم، ويتأمل المجال العمراني، لما يسمى بحرم أبي العباس السبتي، لوجده يمثل صورة مصغرة للمدينة الإسلامية الوسيطة(1) المطبوعة بالطابع الأندلسي.
فقد تداخل في نسيج تلك المتوالية من البنايات الخطوط والمميزات العمرانية لمعظم الدول التي حكمت المغرب(2) البائد منها والسائد، وقد تفاعل مع هذا الفضاء مسلكيات معقدة لجمهور يعيش عتبة الألفية الميلادية الثالثة، وفي الأعماق سديم صوفي من العصر الوسيط، تهيمن عليه نفحات الولي الصالح أبي العباس السبتي.
فالمدخل الرئيس لهذه المدينة – على سبيل التجوز – هو باب تاغزوت، ينحرف الزائر يمينا فيجد نفسه يخترق بابا ثانية، وينعطف يسارا ليلج بابا ثالثة تفضي إلى المرافق التالية؛ سوق لمجادليين، فالمسجد السعدي الذي ينفتح بابه الشمالي على بعض الأزقة، فالساحة – الدص – المحفوف بمجموعة من البيوت الشبيهة "بلبنيقات"، فمبنى الضريح الــذي ينتهي إليه الزائر بعد أن يمر بتلك المحطات التي تعتبر كلها حرما لأبي العباس السبتي. يفصل بين كل مرفق وآخر باب قوسه على هيئة حذوة الفرس. وعلى يمين الداخل ويساره تنفتح بعض الدروب، ويعانق كل ذلك رياض الزاوية العباسية ودورها القائم منها والمترهل. كلها جاثية بتواضع كالمستجير عند قدم الضريح الذي يعتبر النواة الأولى لحي الزاوية العباسية.
فإذا زاغ البصر عن العمران وتعلق بالأحياء راعته حركة دائبة، خاصة يوم الأربعاء بين رائح وغاد، فئات اجتماعية متباينة، فيهم من هدته عتبة الفقر، أشباح أنهكها الجوع وأقعدها المرض، سترت العورة بما تيسر من الأسمال المحلي والخلق البالي الوافد من دول الشمال مما وراء البحار، يمشي بهم العكاز إلى قلب الضريح، ومنهم متوسطو الحال، فالمترفون في لباس تقليدي أنيق أو بدلة بآخر طراز، أوقفوا سياراتهم الفارهة بساحة باب تاغزوت، واخترقوا هذا الحي الشعبي نحو المزار، تتلاعب أصابعم البضة الناعمة بالمفاتيح الفضية لتلك العربات الفاخرة. هؤلاء وأولئك يغدون أمام الضريح ذوي(3) حاجة، يتقدمون في خشوع بين يدي المزار متضرعين مناجين، يعلم الله ما تحمل كل نفس من ألم وهموم، من تطلع الميسورين إلى نجاح صفقة تجارية، أو نفاق تجارة بائرة، أو توبة من ظلم، أو صرخة تظلم ممن هو أقوى، أو استدامة خطة، أو استرداد مركز بعد عزل، أو ستر فضيحة، أو لطف في جنايــة أو جريمة... إلخ أما المستضعف فأغلى أمانيه في الكفاف والعفاف والغنى عن الناس. وتنتهي الزيارة بتقديم بين يدي النجوى صدقة، يشي وقعها داخل الصندوق بقيمتها، للضعيف الزهيد منها دوي المعدن، أما القيم الورقي فلا تكاد تسمع له حسيسا. فعالية دينية ضاربة في أعماق العصر الوسيط، تدور في إطار منظم، يأتيها أناس بكامل القناعة وحسن النية يجدون فيها راحة وتنفيسا وقد يتنكر لها أو ينكرها آخرون، ولكل مستنده ورموزه وشواهده وأهدافه.
 فما الصلاح؟ وما المقصود بالصلاح الفعلي؟ وماذا نعني بمؤسسة التبرك؟ ومتى ظهرت،بالنسبة لأبي العباس السبتي، ليكتب لها الاستمرار؟
الصلاح، كما جاء في لسان العرب، ضد الفساد. صلح يصلح ويصلح بضم اللام صلاحا وصلوحا، وهو صالح، والجمع صلحاء وصلوح. ورجل صالح في نفسه، ومن قوم صلحاء، ومصلح في أعماله وأموره، وقد أصلحه الله، والإصلاح نقيض الفساد، والصلح السلم، وصلاح بالكسر وصلاح بالضم من أسماء مكة، يجوز أن يكون من الصلح؛ لقوله عز وجل "حرما آمنا". وقد سمت العرب صالحا ومصلحا وصليحا(4). وقال الراغب "وإصلاح الله تعالى الإنسان، يكون تارة بخلقه إياه صالحا، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجــوده، وتارة بالحكم له بالصلاح، قال تعالى " أصلح بالهم" "يصلح لكم أعمالكم". "وأصلح لي في ذريتي" "إن الله لا يصلح عمل المفسدين"(5). وإذا فالصلاح قيمة دينية مضادة للتدمير والفساد، لها بعد نفسي ذاتي واجتماعي وإنساني، والتحلي به كما في القاموسين، لا يتأتى إلا بإلهام من الله تعالى وتوفيقه، فقد يكون بدءا، وقد يأتي بعد قطع شوط من الحياة اختلط فيها العمل الصالح بالفاسد فتتبدد نزوعات الفساد وتتمحض الذات لفعل الصلاح(6). هذه الفضيلة يتطلع إلى التحلي بها كل إنسان، لذا يتخذ البعض اسم صالح علما لعقبهم على نية أن تتماهى الذات مع الاسم. وقد خصها العرف العام بالدلالة على أولياء الله، فيقال على سبيل المثال صلحاء الريف، وصلحاء مراكش وصلحاء سوس... الخ. وطريق الصلاح لحب وشاق، يتطلب في اصطلاح القوم، مكابدة ومجاهدة وتوفيقا ربانيا.
ونقصد بالصلاح الفعلي ما كان يصدر عن الشيخ أبي العباس، وهو حي يرزق، من مسلكية الصلاح، سواء أمس الجانب الديني أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي أو غير ذلك. أما ما أسميناه بمؤسسة تثبيت فعالية التبرك والزيارة، فلم تتولد إلا بعد وفاة صاحب الضريح، حيث يتخذ قبره مزارا اعتمادا على استمرار الكرامات واسترسالها بعد الوفاة كما عند المتصوفة. تجري داخل هذه المؤسسة فعالية – ذات طبيعة دينية - يندمج فيها صاحب الضريح والرواد والمشرفون وبقية المستفيدين، وتستهدف ضمنيا تحقيق غايات نفسيـة أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية. توظف المؤسسة مجموعة من المقدمين والقيمين والحفظة والشواش وغيرهم ممن يقومون بخدمات تضيق أو تتسع بحسب هذا الولي أو ذاك. وتراعى في انتدابهم لهذه المهام مواصفات خاصة، تسير بما جرى به العرف، إلى جانب المدون من القرارات والظهائر. يمتد تاريخ هذه الفعالية بالنسبة لأبي العباس السبتي من مستهل القرن السابع (601 هـ/1204 م) تاريخ وفاة الشيخ إلى الوقت الراهن.
إن استحضار من أسدى لهذه الأمة معروفا، بالثناء عليه والدعاء له، والتضرع إلى الله عند قبره، اعتراف ونزوع نجدهما لدى معظم المغاربة،ولعل في ذلك دلالة إلى التطلع والتشوف إلى صلاح افتقدوه في أنفسهم وواقعهم، وتأتي هذه الانعطافة النفسية الصوفية لتحدث لديهم نوعا من التوازن والتكيف بين الذات والواقع.
إن بحثنا في دينك البعدين، الصلاح الفعلي ومؤسسة المزار، يدخل في إطار الحفر في البنية التكوينية للزاوية العباسية بمراكش.
 
محمد الطوكي / كلية اداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

محمد الطوكي / كلية اداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل