المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

أتضامن مع شارلي .. ولكن !؟

الاثنين 12 يناير 2015

أتضامن مع شارلي .. ولكن !؟
في الدارجة المغربية فكرة تروق لي كثيرا وتساعدني بقوة للوصول لما أريد من هذه الكلمات، فالمغاربة يعبرون عن الفكرة ب "الراس" في نوع من الخلط أو المزج بين مصدر الفكرة والفكرة. وتتجلى هذه الفكرة في قول شخص معين عندما تتزاحم في ذهنه الأفكار فتخلق له حالة من الحيرة والتردد في قراراته "واحد الراس كيقول لي ندير هدي وواحد الراس كيقول لي ندير ديك".
هذه الحالة بالضبط هي التي انتابتني حينما تم الهجوم على مجلة "شارلي إيبدو" حيث إن رأسي عج بالأفكار المتضاربة حول ضرورة التضامن أوالتحفظ من هذا التضامن.
لماذا سوف أتضامن مع "شارلي إيبدو" ؟
لأنني أرفض العنف كيفما كان منطلقه وغايته، وذلك لسبب بسيط أن العنف مدمر للذات وللآخر، وممارس العنف ضعيف لا يستطيع الدفاع عن مايريد، لهذا يمنع الناس من معارضته، ولا يمنح لنفسه حتى في فرصة التفكير في مدى صواب أو خطأ ما يدافع عنه.
لأن الأمر يتعلق بالحرية، مبررنا الحقيقي والفعلي للوجود.  فلامعنى للحياة بدون حرية، ولا معنى حتى للموت إن لم تكن من أجل الحرية.
لأن المظهر الجلي للحرية هو حرية التعبير، فهي مفتاح المعرفة والوعي، وما لم نعبر لن نعرف الصواب من الخطأ، ولن نتطور ولن نضفر بكل الحريات الأخرى.
لأن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب منا أن نصلي عليه، وأن ندعو له، ولم يطلب منا أن ننتقم له، بل إنه منع المسلمين من سب آلهة الكفار لكي لا يسبوا الله انتقاما. فلا داعي لكي ينتدب أحد نفسه مدافعا لا على الرسول ولا على الإسلام. وهنا أتذكر حكاية طريفة ومعبرة جدا، وهي أن عبد المطلب جد الرسول (صلعم) عندما ذهب عند أبرهة نجاشي الحبشة بغية رد غنم استولى عليها جنود النجاشي، قال له  أبرهة مستغربا "كيف تأتي لتنقذ غنمك وأنا أعتزم هدم الكعبة كلها؟".  فأجابه عبد المطلب بعبارته الحكيمة "إن للكعبة ربا سوف يحميها".
لماذا سوف أتحفظ في التضامن ؟
لأن العالم أقام الدنيا وأقعدها تضامنا مع فرنسا ضد الإرهاب، ولم يتحرك بالحجم نفسه ضد بوكو حرام عندما أسرت، ولاتزال، أزيد 200 طالبة بريئة نتضح بالانسانية.
لأن العالم لايزال متقاعسا في التضامن اللازم مع الشعب الفلسطيني حماية لدولة الإرهاب الفعلي و القانوني.
لأنه حسب منطقي المتواضع لا فرق بين داعش والقاعدة والدولة الإسرائيلية، فكلهم أرهابيون أليست الدولة الإسلامية مثلها مثل الدولة اليهودية، ليس من حيث الديانة، ولكن من حيث العنصرية وإقصاء الآخر وتبرير قتله باسم اختلافه.
ما المعنى الحقيقي للتضامن مع شارلي إيبدو؟
أنا أحب السخرية لأنها حرية في التعبير، ولأنها نقد وتصحيح لإنسانيتنا، ولهذا أتضامن مع الوعي النقدي، مع ذلك المبضع الذي يتناول المسكوت عنه في حياتنا، مع القلم الذي لا يكف عن تعرية المقدسات الزائفة التي لاتزال تخترق أذهاننا. ومن هذا المنطلق فأنا أتضامن مع كل ضحايا الإرهاب سواء كان ممأسسا أو شاردا.
سأتضامن مع ضحايا أحداث "شارلي إيبدو" لأنهم بشر، ولأنهم قرروا العيش في منطقة التماس بين نعيم الديمقراطية وجحيم الاختلاف.
سأتضامن مع أقلام السخرية في "شارلي إيبدو" لأنهم لم يكفوا عن نبش الثنايا والفجوات المخيفة في حياتنا.
وسأندد بكل عملية النظر الجزئي للحرية، وللنظر للإرهاب برؤية قاصرة على تنكفئ على الذات، ولا ترى العيب في منظارها الخاص.
سأندد بتوظيف هذا الحدث لتصفية الحساب مع الآخر المخالف للغرب.
سأندد بكل عملية استثمار هذا الحدث لتركيع المخالفين، أو للتراجع عن ما شكل القوة الحقيقية لتجربة "شارلي إيبدو" والتي لاأراها إلا في احترام الاختلاف وتكسير كل الأصنام حتى ولو كانت ذواتنا.
لم يتطور العلم إلا لأنه يراجع مسلماته، ولم نعتمد قيمة الحرية قيمة إيجابية إلا لأنها تتيح السخرية من ذاتها وتسمح حتى لمخالفيها بالصدح بما يعتمل داخلهم.
رشيد برقان
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
رشيد برقان

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل