ثلثا سكان مدينة مراكش يجهلون مكان ضريح مؤسس مدينتهم.
المراكشية : عبد الكبير الميناوي
ثلثا سكان مدينة مراكش
يجهلون مكان ضريح مؤسس مدينتهم يوسف بن تاشفين.
جاء ذلك في استطلاع للرأي أنجزه أحد المواقع الالكترونية وإن كان لا
تتوفر له المواصفات العلمية التي تتطلبها مثل هذه العملية إلا أن
سؤاله يبقى مُهماً في حد ذاته لجهة المؤشرات التي يعلن عنها أو
الحقائق والمعطيات التي يؤكدها، أو لجهة الإجابات والنسب المسجلة،
والتي تفجر، من جهتها، قدراً هائلاً من الأسئلة بصدد مضمونها
وأبعادها.
وقال طارق السعدي، الإعلامي "فكرتُ في طرح السؤال بخلفية عبثية، مع
أن الجواب يهمني حقاً. لقد وضعت السؤال بسوء نية بعدما تعبتُ من
أسئلة زوار مراكش وبعض ساكنتها عن موقع قبر يوسف بن تاشفين، والنتيجة
الأولية لحد الآن تزكي حقيقة أن المغاربة لايفقهون شيئاً كبيراً في
تاريخهم. وأنا أعرف الكثير من سكان مراكش ممن يجهلون، فعلاً، مكان
ضريح يوسف بن تاشفين، مع أنه ليس لديهم أدنى شك في أنه دفين مراكش.
أما الأجانب فعذرهم مقبول مادام أنه ليست هناك أية إشارة أو علامة
تشير إلى موقع الضريح، لكن مايثير الانتباه، هنا، أننا نادراً ما نجد
إشارة إلى الضريح ضمن المطويات السياحية، كما لو أنهم يتشاءمون منه
ومن تاريخه".
ومن جهته، قال حسن بنمنصور، إعلامي وباحث مهتم بتاريخ المدينة، إن
"الإجابات جاءت عادية، مادامت تعكس وتؤكد جهل العديد من ساكنة
المدينة بتاريخها، ومادام أن زيارة الضريح تبين بالملموس أننا لسنا
بصدد ضريح مؤسس المدينة. والغريب أن الضريح يعرف عند البعض بأنه ضريح
"سيدي مول لبلاد"، وحين تسألهم من يكون "سيدي مول لبلاد" تكتشف أنهم
لايعرفون أنه هو نفسه يوسف بن تاشفين".
وبصدد سؤال يتعلق بمسؤولية الجهل بمكان ضريح يوسف بن تاشفين، قال حسن
بنمنصور "إنها تقع على كل من يهمهم أمر المدينة، أي مجلس المدينة
ووزارة الثقافة والجمعيات التي تدعي اهتمامها بصيانة تراث المدينة".
وغالباً ما يثار اسم يوسف بن تاشفين، حين تتم العودة للحديث عن زمن
التأسيس وتاريخ مراكش، يوسف بن تاشفين الذي كان له فضل وضع الأساس
لأول بناء في هذا المكان الذي صارت تؤمه أفواج السياح من كل فج عميق،
والذي تنقل كتب التاريخ أنه كان عبارة عن "موضع صحراء رحب الساحة،
واسع الفناء ... خلاءٌ لا أنيس به إلا الغزلان والنعام، ولا ينبت إلا
السدر والحنظل".
كانت هذه خريطة مراكش قبل أن يحفر يوسف بن تاشفين الآبار ويجلب
المياه، وقد حدث هذا قبل نحو ألف عام.
وهناك من يقول إن مؤسس مراكش، يوسف بن تاشفين، "تحرى بواسطة منجميه
وضع أول حجر من تأسيس بنائها في برج العقرب الذي هو برج الغبطة
والسرور، لتبقى دائماً دار سرور وحبور. وذاك السر في كون السُلو
والنشاط يغلب على سكانها ويفيض من بين أركانها" ... لذلك أعطيت لقب
البهجة.
ومراكش هي، بعد كل هذا، تاريخٌ ممتد بأحداثه، أسرةٌ حاكمة تترك
مكانها لأخرى، أحداثٌ وتواريخ، وملوكٌ وفلاسفة وشعراء وعلماء وقادة
حروب، وأسماءٌ ظلت تقدم من خلال سيرة وحياة أصحابها نظرة رمزية عن
مسار ومصير حضارة.
ومراكش هي، أيضاً، الحمراء ومدينة السبعة رجال : سيدي يوسف بن علي
والقاضي عياض وأبو العباس السبتي والإمام الجزولي وعبد العزيز التباع
وعبد الله الغزواني والإمام السهيلي.
ويرتبط الحديث عن يوسف بن تاشفين بمراكش ودولة المرابطين، كما يرتبط
بما أحاط بالعبور المتكرر إلى الأندلس، وما خلده التاريخ من حكاية
المعتمد بن عباد، الذي لايذكر إلا وتذكر اعتماد الرميكية – زوجته
الشهيرة. اعتماد، التي عاشت تحتل مكانة بارزة في حياة المعتمد، حتى
أنها كانت لسمو مكانتها وتمكن نفوذها يطلق عليها اسم "السيدة
الكبرى".
وكانت اعتماد - والعهدة على كتب التاريخ وكتابات المهتمين والباحثين-
تغالي في دلالها على المعتمد، ومن ذلك، أنها طلبت منه أن يريها
الثلج، فزرع لها أشجار اللوز على الجبل المقابل للقصر، حتى إذا نوّر
زهره بدت الأشجار وكأنها محملة بالثلج الأبيض. ومن ذلك أيضا، أنها
رأت نساءً يمشين في الطين، في يوم ممطر، وهن يتغنين فرحات، فاشتهت
المشي في الطين، فأمر المعتمد أن يُصنع لها طين من الطيب، فسحقت
أخلاط منه وذرت بها ساحة القصر، ثم صب ماء الورد على أخلاط المسك
وعجنت بالأيدي حتى عاد كالطين، فخاضته مع جواريها.
الغريب في كل الحكاية أنه حدث أن غاضبها المعتمد ذات مرة، فأقسمت
أنها لم تر خيراً منه قط، ليَرُدّ عليها متعجباً مستنكراً : "ولا يوم
الطين" !!؟؟
غير أن مايمكن أن يجلب العذر للمعتمد، في سياق الحديث عن ملوك
الطوائف ويوسف بن تاشفين، الذي تذكر كتب التاريخ أنه "كان صوّاماً
قوّاماً زاهداً مُتقشِّفاً لم يكن يأكل سوى خبز الشعير، ولحم الإبل،
وشرابه لبن النوق"، هو مستوى الهيام الذي ظل يكنّه لزوجته الشاعرة.
وهو هيامٌ يمكن أن يُفقد العقل ويضيّع الإمارة، وكل الأندلس، ويُطوح
بصاحبه إلى أغمات سجيناً.
والمعتمد العاشق حتى الضياع، هو نفسه الذي تذكر عنه كتب التاريخ
مواقف جميلة تنم عن صفاء طوية ونخوة كامنة. تقول كتب التاريخ : "ولما
خوّفه بعض حاشيته من ابن تاشفين، وقالوا : الملك عقيم، والسيفان لا
يجتمعان في غمد واحد، أجابهم : "تالله إنني لأوثر أنْ أرعى الجمال
لسلطان مراكش، على أنْ أغدو تابعاً لملك النصارى، وأنْ أؤدي له
الجزية. إن رعي الجمال خير من رعْي الخنازير" ".
وتنقل كتابات المهتمين والباحثين أن مراكش كانت في أرض صحراوية
منخفضة، فحفر لها يوسف بن تاشفين الآبار وجلب إليها المياه.
واليوم ؟ باب من خشب، وكتابة تعلو المدخل تعرف بالضريح : "ضريح يوسف
بن تاشفين"، وبعد كل هذا، استفتاءٌ يقوم على سؤال بسيط ومباشر،
بأجوبة لها مضمون لايحتاج كثير تعليق أو تحليل لنتائجه.
واليوم ؟ تمتد مراكش في الزمان والمكان، فيما الفارس المرابطي متروك
هناك، على الجانب القريب من ساحة جامع الفنا، في مقابل محطة للوقود
وبناية للشرطة السياحية، وجنب نقطة لوقوف حافلات تنقل ركابها نحو
أحياء المدينة المترامية الأطراف. مدينةٌ كان الراقد بالضريح واضع
أساسها. أما الأندلس، التي قصدها مؤسس مراكش ذات دعوة "طوائفية" من
إماراتها المتنافرة، فتحولت إلى "إليخيدو" حارقة تأكل المهاجر الباحث
عن عيش كريم في نقطة أبعد من طنجة.
وتجدر الإشارة إلى أنه، بالموازاة مع استطلاع للرأي، كان استهدف قبل
أسابيع استكشاف آراء وتصورات ساكنة مراكش حول التنمية وجودة العيش
بمراكش، وأُنجز من طرف مركز التنمية الجهوية لتانسيفت، كانت نُظمت
مسابقة في الرسم شارك فيها تلاميذ شعبة الفنون التشكيلية بثانوية
الحسن الثاني بالمدينة، حيث بدا واضحاً هاجس الخوف والتشاؤم الذي صار
يتملك صغار مراكش بصدد المستقبل البيئي للمدينة والتحولات المتسارعة
التي تعرفها المدينة الحمراء على مختلف المستويات، حيث اختار كل
التلاميذ رسم تخيلاتهم عن مدينة مراكش في العام 2020، وبالتالي فقد
تناولوا في لوحاتهم واقعاً متخيلاً للمدينة، من خلال الحالة التي
ستكون عليها بعض علامات مراكش وعناوينها الكبرى، مثل ساحة جامع الفنا
وصومعة الكتبية وحديقة المنارة وأشجار النخيل.
وفي إحدى اللوحات، رسم أحد التلاميذ مصير نخيل مراكش إذ يكون تحت
رحمة المزمجرات وآلات الحفر، حيث يتم اقتلاع شجرة نخيل لتعوضها عمارة
نزلت من السماء بنوافذ كثيرة وطوابق عديدة، فيما تخيل تلميذ آخر عربة
تقليدية تجرها نخلة تتطاير الريح بسعفها، ويقودها شيخ هرم حمل وراءه
صومعة الكتبية والمنارة، هارباً نحو وجهة غير معلومة، فيما غبار
الإسمنت والعمارات والمزمجرات والمهندسون بقبعاتهم الزرقاء وألبستهم
الحمراء يطاردونه بلا هوادة، أما تلميذ آخر فتخيل الحالة التي سيكون
عليها صهريج المنارة : تلوثٌ وسوادٌ يملأ المكان ويغطي الماء
والخضرة.
وهكذا فإذا كان أطفال المدينة الحمراء متخوفون من مستقبلها، فإن
مايقرب من ثلثي المراكشيين، انطلاقاً من عينة من متصفحي موقع
إلكتروني مراكشي، يجهلون مكان ضريح مؤسس مدينتهم.
ماضي مراكش متروك للنسيان والمستقبل متروك للأسئلة الحائرة، أما
الحاضر فمنشغل عن الماضي والمستقبل بسائح غربي يبحث عن شرقه تحت سماء
مراكش، فيما يرفع عينيه نصف أو ربع مفتوحتين إلى فوق حيث الشمس دافئة
والزرقة فاتنة.