|
"طوبى
لأمة لا ترتدي فيها الأفكار بدلة الشرطي،
ولا يتشكل فيها الاختلاف بشكل الجلاد "
عبد الله إبراهيم: ثورة العقل ص 27
بين رفض التكريم والمبادرة إلى التأبين:
الحياة كما قال المرحوم
عبد الله براهيم "تيار من المغامرات الوجدانية الداخلية التي بدونها
ليس هناك فكر بالنسبة للفرد
" نعم إن الحياة فكر حر مسترسل ، ينتقل لدى أولي العزم من عمق التجريد
والتأمل النظري إلى التفاعل مع الواقع الذي يغني النظر ويصححه ويوحي
إليه بأفكار أخرى أكثر تقدما وسموا تعبر بدورها إلى تغيير الواقع،
وهكذا تشتغل هذه الجدلية بين الفكر والواقع . وإذا اعتزل الفكر وانسحب
من الحضور والفعل في محيطه فإنه يصبح بمثابة تلك الحلزونة الصائمة".
وانطلاقا من هذا المنظور
فإن الكتابة عن الأعلام الأحياء ربما تضمنت تثبيثا ووقفا للزمان الذي
يحيونه، ووضع حد لتيار نشاطهم المتدفق تدفق نسغ الحياة في كيانهم ،
وإطفاء جذوة نور الفكر التي تخترق الحجب و"تنفذ في الصور الموقتة إلى
أن تصل إلى الحقيقة الكامنة وراءها" لقد تفطن مجموعة ممن ألفوا في
تراجم الأعلام قديما إلى هذا الجانب القمعي من الكتابة عن حيوات
الأعلام الأحياء، فاشترطوا على أنفسهم ألا يترجموا إلا لمن حان حينه؛
حتى يتأتى تسوير حياتهم بتاريخ الميلاد والوفاة وما وقع بينهما من جلائل
الأعمال. وإذا نظرنا إلى تكريم الأحياء في وقتنا الراهن ألفيناه يستعرض
حياة المكرم بطريقة أو بأخرى ونجده غالبا ما يكتسي بالإضافة إلى ما
قدمناه من سلبيات، الصبغة المتضمنة للتأبين الذي يدرف العين ويسقط
الفقدان والغياب على الحي الذي ينعم عليه بالتكريم، ولعل هذا من بين
الأسباب التي جعلت عبد الله إبراهيم يعتذر عن مبادرات التكريم
الملحاحة التي عرضت عليه مرارا وهو حي يرزق.
ونعتقد أن من بين حيثيات
رفضه، ميوعة مفهوم التكريم الذي طاله في زماننا الابتذال الذي لم يقتصر
على تسليط الأضواء على الباهتين، بل انسل ذلك الابتذال بفعل فاعل ماكر
إلى مجموعة لا يستهان بها من مفردات اللغة التي نستعملها؛ مما دفع بعض
الفلاسفة المعاصرين إلى مراجعة الكلمات في علاقتها بالأشياء التي تدل
عليها كما هو لأمر عند فوكو ، وإلى تمحيص مدلول الكلمات التي تبلبلت
وأفضت إلى سوء الفهم والتفاهم كما عند دريدا، ودعوة آخرين إلى إنشاء علم
قائم بذاته
tératologie
يعنى بما أصبح يعتري الألفاظ من مسخ.
رفض، رحمه الله التكريم،
وأخيرا وحم القضاء وانتهى الأجل، وتنزلت الأعراف والتقاليد التي كان له
موقف منها
، لتعانق جثمانه
البارد وتشده إليها ، فكانت التعازي وجاءت المراثي وانعقد الإجماع على
تأبينه.
فمن خلال تصفح بعض مما كتب
في صحفنا الوطنية المتجذرة في النضال عن نعي المرحوم، بعفو الله الرئيس
عبد الله إبراهيم، يجد القارئ المكلوم بالمصاب نفسه أمام رتل من كلمات
الأسى والمواساة تنضغط أحيانا إلى حد الفقرة الموجزة ، وتسترسل أخرى إلى
حد تغطية بعض الأعمدة، فهذه وتلك، بالرغم من صدقها ومصداقيتها، تشي بأن
الكلمة في مثل هذا الرزء الجلل تنوء بحمل منجزات وأعمال زعماء ممن هم
في وزن عبد الله إبراهيم.
في حين أصبحت الكتابة
النمطية التأبينية العادمة للخصوصيات والرافعة للكلفة والمحاولة للتبرير
أمام التاريخ، في قصاصات منابر إعلام أخرى ، لا تختلف في شيء عن
البرقيات الجاهزة، أو النصوص المسكوكة المدموغة بالشكلية والقالب
المحنط الذي يمسخ مفهوم الهوية ويجملها في تلك الأوراق الإدارية
المختزلة للحياة في الاسم وتاريخ الميلاد، إنها تكبس الموت في الحياة
قبل الممات. من منا لم يحس باللامعنى ولم يشعر بالأسى بدلالته
الميتافيزقية عندما يتصفح الورقة الأولى من كناش الحالة المدنية التي
تبتسر الحياة وتجمدها في الاسم واللقب وتاريخ الميلاد والوفاة. فما هكذا
يؤرخ لحيوات الأعلام الذين خرجوا عن مألوف العادة، وخاضوا المعارك في
واجهات متعددة، وفعلوا في محيطهم ووجهوه وردوا على التحدي بتحد أعنف.
إن مخافة السقوط في هذا
النوع من التبطيق الإداري الذي لا يمثل سوى شبح شاحب لواقع إنساني
ملموس متحرك فاعل لمثقف عضوي، جعلني أشعر بالوجل والخوف من الكتابة عن
هذا الرجل الفذ الذي فقدناه، والذي استجمع القيم السامية للنضال، وخرج
نزيها نقيا بإجماع من كتب عنه ومن لم يكتب، من عالم السياسة المتشعبة
السبل، والتي قل من ينجو منها بجلده ، ويتقي مكرها وحربائيتها ويتنكب
نزغها وغوايتها، خاصة في لحظتنا المعاصرة التي طغت فيها العشائرية
والعصبيات les clans
، وأضحى ما يفرق أكثر مما يجمع، وتضخمت فيها الفردانية المقيتة، وأصبحت
قيمة الإنسان بما يملك لا بما هو عليه من قيم وبما يضحي به في سبيل
المصلحة العامة؛ مصلحة الوطن والمواطنين، أجهز على قيم المروءة والشهامة
والنبل، وعمل الوصوليون على مسخها ورفعها شعارا يلوحون به في بعض
المناسبات، للوصول إلى أغراضهم الذاتية الدنيئة، واستغلال أمة من الناس
أنهكها الفقر وقهرها الجهل، فما رعوا للوطن حرمة ولا للمواطنة ذمة.
ففي نطاق هذا النوع من
السلوك السياسوي الذي تذرع به الانتهازيون، والذي ما كان يخطر ببال من
ضحى، يتعين رفع قواعد مؤسسات تذكر بمواقف الوطنيين الخلص، من أمثال عبد
الله إبراهيم الذين قدموا نموذجا مثاليا لمفهوم الوطنية والمواطنة
الصادقة قبل أن تتداول اليوم وترفع كشعار . وإن مثل هذه المسلكية المنكرة
للذات، والمتماهية مع الآمال والتطلعات الوطنية والقومية لهي التي تتهم
الانحراف، وتفضح الفساد والمفسودين، وتسهم في التخليق والتوازن السليم.
نعم إن التاريخ لمثل هذه لنماذج النظيفة لهو عدو الانتهازيين ومحترفي
السياسوية المناورين الهلع، الذين يتنزلون تنزل الشاطين إلى المسحوقين
في كل ولاية انتخابية ليدعموا أرقامهم، ويضخموا رصيدهم على حساب جهل
تلك الطبقة وعوزها، إن هم هؤلاء الماكرين الأوحد هو ما يدخل في بطونهم،
ويؤثث مظاهرهم ولسان حالهم يعلن أنا وبعدي الطوفان، فإذا انتزع الموت
أرواحهم النتنة، واستراح منهم العباد، ألقى بهم التاريخ في مزبلة
الأراذل، " فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين".
إن نوعية حياة الوطنيين
المناضلين لهي جماع من الجزئيات والتفاصيل الخارجة عن مألوف حياة الناس
العاديين، وإن تتبع سيلها المغدق المتدفق بالنسبة لعبد الله إبراهيم،
لأمر صعب وشائك، خاصة بالنسبة لمن لم يلازم الرجل وهو يتأمل وينظر،
ولم يحتك به وهو يقود ويسوس ويمارس، وإن كتاباته الثرة المتناثرة في
مجلات المغرب وجرائده إبان الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات
وماتلاها، بالإضافة إلى المنشورات من أعماله ، وما تختزنه ذاكرة خلصائه
وأخصائه، لتلمح إلى شيء من امتلاء وغنى تلك الحياة، ومما يزيد في صعوبة
تتبع التفاصيل خصوصية أسلوب الكتابة عند عبد الله إبراهيم، المتميز
بالتكثيف والضغط والإشارة الموحية بدل التصريح والإطناب . أو كلما اتسعت
الرؤيا ضاقت العبارة؟
! ولو أنه، رحمه
الله، وجد الفراغ لكتابة مذكراته لوصلتنا معلومات طيبة دقيقة وموثوقة،
كفيلة بتقويم وسد فراغ هام في تاريخ الحركة الوطنية في مراكش والجنوب،
فهو مؤسس تلك الحركة وزعيمها وحامل لواء المقاومة الشعبية فيها، ولأعنت
تاريخ النضال في المغرب المعاصر، بل تاريخ منطقة المغرب العربي عامة،
فلقد طبع، رحمه الله، الكفاح الوطني بطابعه الخاص في جميع أطواره.
كانت لدي فكرة عن خط كلمة
عن جوانب من حياة عبد الله إبراهيم، فجمعت ما جمعت من أعماله، وقرأتها
واستمعت إلى شيء من أحاديث رفقته، فتبين لي أن ما هممت به في حكم
المتعذر، فلقد اقترن اقتحامه لعالم النضال بحذقه لكتاب الله في سن
الثانية عشرة من عمره، فما عرف للمراهقة طعما، ولا استساغ ما كان ينهمك
فيه أترابه من اللهو واللعب، كما تواشجت مسيرته الوطنية بالجهاد
والإبحار في العلم، فتملك المعرفة التراثية في وقت مبكر، وانفتح على
المعارف الحديثة في عز تكونها وتبلورها فسخر هذه لاستراتيجية تلك.
اتسعت حياته، رحمه الله، فعانقت الدقيق والجليل من قضايا هذا الوطن،
وسكنته هموم الأمة العربية والإسلامية ومعذبو الأرض عامة، فهو كما جاء
في تعزية عبد الرحمان اليوسفي المناضل النظيف: "عبد الله إبرهيم علم
مناضل فذ، ومثقف عضوي، ورجل الدولة الموفق، والفاعل في تاريخ البلاد
والمؤرخ على السواء. إلى جانب ما اتسمت به حياته من الفضيلة والكرامة
". لقد اعتراني، وأنا أكبر شموخ حياته في حركتيها وإشكالية صمتها،
اعتراني ما اعتراه وهو يهم بالكتابة عن جانب من فكر ابن خلدون ،فلم يجد
بدا من لاعتذار للقارئ حيث ذكر أن الأديبة الفرنسية الشهيرة مدام دي
سطايل لما اجتمعت بالفيلسوف فيخت
(
Fichte
) لأول مرة فسألته قائلة:
ذكروا لي أنك فيلسوف، فهل
لك في أن توجز لي نظرياتك كلها في كلمات لا تتعدى عشر دقائق. فدهش فيخت
وفزع، ولم يشعر إلا هو لائذ بالفرار، قد أطلق ساقيه للريح وهرب
".
|