مؤسسات بمراكش تنشر الدعوة بالجرائد و"ريسبسيون بريفي".
" طريق الحرير وتصميم الأزياء الراقية" .....أو ربطة العنق
التي خانت صاحبها
مراكش : عبد المجيد بن سعيد (-)
ربما كنتُ صحفياً أو كاتباً. مبدعاً أو مدعياً أو عاشق فن. ربما كان
اسمي عبد المجيد أو عبد الكبير أو عبد الخالق أو منير. ربما أخذتُ
اسمك، عزيزي القارئ، أو اسم أحد أصدقائك أو معارفك. ربما كان الإبحار
عبر الشبكة العنكبوتية هوايتي المفضلة وتصفح المواقع والمدونات طعامي اليومي.
المُهييييييم. الحكاية التي سأسردها أمامك، عزيزي القارئ، قد تكون أنت
بطلها، ذات يوم. سأحكي الحكاية وأترك لك واسع النظر وحرية التحليل.
الحكاية، قد تبدو عادية في تفاصيلها ... لكن أبعادها قد تتجاوزنا
مجتمعين.
قبل يومين، وكما هي عادتي، تصفحت المواقع الإخبارية والثقافية : كيكا
وجهة الشعر ودروب. إ.مراكش والمراكشية. القدس العربي والشرق الأوسط.
كتابات الأصدقاء وأخبار العالم والمواعيد الثقافية. بعد أن خطف "الغراب
الأحمر" الألماني نجمة مراكش، خلال مهرجان الفيلم، وعاد بولانسكي
وسوراندون وفيشبورن والدبوز إلى عوالمهم المخملية وفنانو المغرب إلى
واقعهم الحافي، كان لابد من البحث عن مواعيد ثقافية تؤثث لمقالات
وأخبار تقرب سحر مراكش وحركيتها إلى الجريدة التي أكتب فيها، على
افتراض أني قد أكون صحفياً أتعاون مع جريدة لها ملاحقها وأبوابها
وصفحاتها، التي تحتاج موادًا تنقل أخبار مراكش إلى العالم.
دفتر مواعيد موقع "المراكشية" أخبرني أن رواق "لاورنس أرنوب" بمراكش
سيحتضن في الفترة مابين 12 و 31 دجنبر معرضاً فنياً، حول موضوع "طريق
الحرير وتصميم الأزياء الراقية"، وزيادة في الإخبار نقل الموقع أن
المعرض سيتضمن أعمالاً للفنانة التشكيلية الفرنسية فيرونيك إينجل إضافة
إلى مجموعة من الملابس من تصميم المغربية سليمة عبد الوهاب.
راااائع. للتو تذكرت دار تسكوين والهولندي بيرت فلينت، الرجل الذي قضى
أكثر من نصف قرن يتعهد فكرة قادته إلى دول الجنوب شاباً قبل أن يدفع به
حسه الإنساني في أواخر العمر إلى إهداء عصارة جهده إلى مؤسسة جامعية
مغربية من دون أن يفكر إلا في رمزية الأشياء، بعيدا عن ملايين المال
ومنطق البيع والشراء. دار تسكوين، التي تقع في عمق المدينة القديمة،
مابين قصر الباهية ومتحف دار السي اسعيد. والتي ظلت تقترح على زوارها،
على شكل معروضات موضوعاتية، نخبة من التحف الفنية، بعد أن كان تم تصميم
المعرض ليكون سفراً متخيلاً على خطى الطرق القديمة للقوافل التي كانت
تربط المغرب بالساحل. وهكذا، ومن خلال تتبع الخطوات التي يرسمها
المعرض، "يلتقي" الزائر بالناس عبر مختلف تمظهرات حياتهم الاجتماعية
(أنشطة، أسواق أسبوعية)، حيث ينشغل كل فرد، على الخصوص، بالصورة التي
يرغب أن ينقلها عن نفسه. وهي الصورة التي يتم تقديمها عبر العناية
بالمظهر الجسدي والزينة.
للأسف، موقع "المراكشية" لم يشر إلى عنوان الرواق.
بعد السادسة من مساء الثلاثاء، أي يوم الافتتاح، اتصلت عبر الهاتف
بالمشرف على موقع "المراكشية" الأستاذ نورالدين أيمان، سائلاً عن عنوان
الرواق. ليجيبني ضاحكاً متأسفاً عن عدم معرفته به.
للتو ركبت رقم بن اسماعيل. لن تجد عنوان الرواق إلا عند فنان تشكيلي،
هكذا قلت. لم يخب ظني. "يوجد الرواق في مقابل القيادة الجهوية للدرك
الملكي"، رد بن اسماعيل.
لنقل أني الآن أقف بجانب مقهى الطاكسي بشارع الأمير مولاي عبد الله. في
نفس اللحظة التي أنهيت فيها مكالمتي مع بن اسماعيل ألقى علي حميد
تحيته. شاب وسيم يعمل إطاراً في إدارة عمومية، مكلف بالاتصال. حميد
معروف بحرصه على أن يكون هندامه لائقاً ومزاجه رائقاً. متيمٌ بالفن مع
أنه ليس فناناً ولايفهم في الفن جَرة ريشة أو نغمة نُوتة. يدمن حميد
ربطات العنق ويهوى أخذ الصور مع الفنانين والأدباء. ألبومه الشخصي مليء
بصور أخذت له مع الطاهر بن جلون وعبد الكبير الخطيبي وووووووووووووووو.
خلال فعاليات الدورة السادسة لمهرجان الفيلم بمراكش تدبر حميد "البادج"
وبعض الوقت، فقط لكي يجالس يونس ومحمود ميكري ومحمد مروازي وعبد الرؤوف،
ويأخذ صوراً مع جمال الدبوز ونبيل بنعبدالله وفاطمة خير وسعد التسولي
ولورنس فيشبورن ومارتن شين، وكثيراً من الفنانين المغاربة، وليشاهد
أفلام "العالم الجديد" و"بوبي" و"براغ" و"المندسون" و"عمارة يعقوبيان"
و"ياله من عالم جميل" و"يوم أحد في كيغالي".
المهم، أن حميد تحمس لمصاحبتي لحضور افتتاح المعرض.
على غير عادته، كان حميد يلبس سروال جينز وقميصاً من صوف. باختصار كان
"سْبور". على غير عادته ومن سوء حظي، نظراً لبرودة طقس مراكش هذه
الأيام، فقد ترك حميد السيارة للزوجة للقيام ببعض الأغراض المنزلية،
واكتفى ذلك المساء بدراجة نارية لا يكاد يخلو بيت مراكشي من إحداها.
بعد مسافة ربع ساعة، أوقف حميد دراجته بالقرب من الرواق. سبقتُه إلى
الداخل في انتظار أن يلحق بي. بعد دقيقتين رمقت حميد في حالة غضب صامت
يصدر عبارات غير مفهومة تصارع غضباً لم أتبين سببه.
"آش كاين ؟"، سألته. "لقد قال لي الشاب الواقف بالباب أن الدخول ليس
لكل العموم. وأن الاستقبال خاص، ولقد سألته، إذا كان عاماً فلماذا دخل
رفيقي ومنعتموني أنا من الدخول ؟". قبل أن يوجه كلامه إلى الشاب الصامت
والواقف بالباب مكتفياً، ربما، بتنفيذ الأوامر،"ألأن رفيقي يضع ربطة
العنق وأنا لاأضعها ؟ أم، فقط، لأنكم خفتم على كؤوس الموناضا وقطع
الحلوى القليلة ؟؟".
في لحظة، صرت كالفاقد توازنه. تذكرت جحا وحكايته مع الأكل واللباس. كان
حميد في نفس وضعية جحا. سوى أن المناسبة مع جحا أكلٌ ومع حميد فنٌ.
طلبت من حميد أن يُهدئ من روعه وضيقه، وأنا أسافر بين وجوه الموجودين
بالداخل : 18 أجنبياً و7 مغاربة معظمهم يحمل كؤوس الموناضا ويقدم
الحلوى أو يحرس الباب.
سألتُ الشاب عن معنى لما وقع، فأشار إلى ورقة صغيرة جداً مُلصقة بالجهة
اليمنى من الباب الزجاجي للرواق، مكتوبة بحبر قلم جاف وبفرنسية فاضحة :
"ريسبسيون بريفي".
خاطبته حانقاً : "ياأخي، إذا كانت الدعوة لحضور المعرض والافتتاح خاصة
فلماذا تعممون الخبر وتنشرونه عبر ورق الصحف وهواء المواقع الالكترونية
؟ ولماذا سمحتم لي بالدخول ومنعتم صديقي الذي جاء بي راكباً؟"
لم أجد لما حدث معنى كما لم أستطع فهماً. ركبتُ هاتف نورالدين أيمان من
جديد : "ياأخي، عافاك ...أزل خبر افتتاح معرض "طريق الحرير" من دفتر
مواعيد "المراكشية". لقد جئت مرفوقاً بأحد الأصدقاء فسمحوا لي بالدخول
ومنعوه من ذلك، بدعوى أن الافتتاح خاص. أزله رحمة بمتصفحي "المراكشية"
وهواة الفن والرسم، ممن قد يكون حظهم سيئاً فيقصون الرواق من دون ربطات
عنق".
ضحك نورالدين إيمان من طرافة الموقف، ضجراً أو إشفاقاً. أحسستُ به على
الجانب الآخر من الخط في أشد درجات الضيق.
بعد فترة صمت خاطبني، قائلاً: "ذهبتَ لتكتب عن المعرض وتتحدث عن طريق
الحرير وتأخذ صوراً لتصميم الأزياء الراقية لنشرها في الجريدة
اللندنية. اكتب إذا. لكن اكتب عن ربطة العنق التي خانت صاحبك ... لكن
ارسل المقال إلى "المراكشية" لنضعه جنب أو مكان تغطية "طريق
الحرير"...".
بالقرب من سينما كوليزي، ودعت حميد ضاحكاً، قائلاً : "سيكون عليك الآن
أن تقلد جحا فتقصد الرواق متأنقاً... ".
في المنزل، لم أجد أمامي سوى ورقة حصلت عليها خلال الدقيقتين اللتين
قضيتهما داخل الرواق، وتتضمن عناوين التحف التي شاهدتها معلقة، هناك،
تنتظر زواراً ومشترين. مثلاً : "الأبواب" ب 38000 درهم، و"الوعي" ب
49000 درهم و"المدينة الحمراء" ب 48000 درهم !!!!!