|
المراكشية: المبارك البومسهولي/ ع الصمد الكباص
كان لابد أن نتعمق في أحشاء المدينة العتيقة لنمر عبر أزقة ضيقة خاصة
منها المؤدية إلى الرحبة القديمة حيث مررنا بالكثير من البزارات ,
مخطوطات جميلة قيمة .. ولكنها تعرض وسط ركام الصناعات التقليدية وبالتالي
توجه للسائح ليس كثرات ثقافي وحضاري عرق ولكن كأي شيء لا فرق بينه وبين
أية قطعة قصديرية صدئة أو إناء خزفي مزخرف .. الهدف من عارضيه ربح مادي
وبعدها لا تهم القيمة الحضارية والتاريخية , فليضع المخطوط أو لا يضيع
, لأن هؤلاء لا هم لهم سوى جمع القرش , أما الحضارة والتاريخ فليذهبا
إلى الجحيم .
واصلنا سيرنا , مررنا بسوق الطالعة حيث تتواجد مكتبة النجاح المغربية
العتيقة .. يحيط بها فضاء أثري يكتسي صبغة متحفية إذ أنها تربض في محور
يضم بناية المارستان القديم وسوق السراجين وزاوية الحضر وقاعة بناهيض
ودار الرغاي ودار المنبهي ومدرسة ابن يوسف وقبة المرابطين ومسجد بن
يوسف .
إنه خزان لمجموعة من تحف نادرة بعضها عبث به البلى والإهمال والبعض الآخر
في انتظار الإنقاذ من طرف من يتوفرون على بقية إحساس بضرورة المحافظة
على نبض الذاكرة المراكشية خصوصا والمغربية عموما بعد أن طال أمد
الاستئساد والتطاول واللهاث وراء مراكمة المكاسب الشخصية وتصريف
النزوات والغرائز على حساب الحق والمشروعية .. دلفنا المكتبة حيث وجدنا
الكتبي القديم بلهاشمي قابعا على كرسيه .. شيخ وقور تنطق ملامحه
بالمهابة والجلال ونبراته الصوتية بثقل السنين وركام التجارب .. رحب
بنا قبل أن يبدأ في الإجابة عن أسئلتنا ويقول :
عمر مكتبتي النجاح المغربية يتجاوز الستين سنة .. كنا في البداية بسوق
الطيار إلى غاية 1950 حيث انتقلنا إلى سوق الطالعة هذا .. مكتبتنا لم
تكن مجرد مكتبة للبيع فحسب بل كنا نطبع الكتب من مطبعة التوحيد بباب
تاغزوت – لم نعثر لها على أثر اليوم – من رواد الثقافة بهذه المدينة
الذين كانوا زبناء مخلصين لمكتبتنا شاعر الحمراء محمد ابن إبراهيم
المراكشي والفقيه محمد بن عبد القادر مسو وامحمد بوستة و .. سيكف
بلهاشمي عن الكلام ويتأمل باستغراب وجه الفنان الفوتوغرافي أحمد بن
اسماعيل عندما أخبره هذا الأخير أنه ابن فقيه سيدي بن سليمان عمر بن
اسماعيل المعروف بتدريس التجويد وعلم القراءات ثم سأله عن الخزانة
الثمينة التي كان يملكها والده وتضم العديد من المخطوطات النادرة .. ثم
يعود ليكمل الحديث معي :
مكتبة النجاح المغربية تجاوزت شهرتها حدود مراكش والمغرب وعرفت في تونس
والجزائر إذ كنا نصدر لهذه البلدان العديد من الكتب خاصة في الفقه
والروحانيات والتصوف والقراءات والنحو..
ويتذكر بلهاشمي زمنا كانت فيه كل الأشياء ثمينة لكن بقيمة مادية رمزية
.. فمن المخطوطات النادرة التي باعها سنة 1956 نسخة من الشفا للقاضي
عيا ض وهي مخطوط كتب بماء الذهب ب4000 ريال فقط ( 200 درهم ) .
آه .. آه كم كانت الأشياء رخيصة .. وكم كان بعدها المعنوي ثمينا ..
وصدق من قال القناعة كنز لا يفنى .. |