|
للمراكشية: نورالدين الملاخ
(مدير مجلة التواصل)
بالأمس؛
مراكش المدينة الحمراء أو مدينة النخيل ، الفسيحة الأرجاء، الجامعة
بين حر وظل ظليل وثلج ونخيل، عاصمة دولة المرابطين والموحدين
والسعديين، قال فيها صاحب وفيات الأعيان: مراكش مدينة عظيمة بناها
الإمام يوسف بن تاشفين. وذكرها صاحب معجم البلدان وقال: مراكش أعظم
مدينة بالمغرب وأجلها. ووصفها مؤرخها ابن المؤقت المراكشى وقال بأنها:
مدينة لم تزل من حيث أسست دار فقه وعلم وصلاح، وهى قاعدة بلاد المغرب
وقطرها ومركزها وقطبها، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، بسيطة الساحة
ومستطيلة المساحة، كثيرة المساجد(مائة وثلاثة وعشرون مسجدا )، عظيمة
المشاهد، جمعت بين عذوبة الماء، واعتدال الهواء، وطيب التربة، وحسن
الثمرة، وسعة الحرث، وعظيم بركته.
لكل هذا اختار يوسف بن تاشفين رحمه الله مراكش عاصمة للمرابطين؛ من أجل
العلم والرباط والصلاح لتكون صومعة الكتبية منارة شاهدة شامخة على قمة
حضارة إنسانية عرفها العالم الإسلامي ومسجدها قبلة لتلقي العلم من
أفواه الرجال.
هذا بعض من تاريخ نشأة مراكش الذي يجهله كثير من الناس.لكن ما نقرأه عن
تاريخ حاضر مراكش شيء غير ذلك؛ مراكش مدينة " البهجة" والمرح والنكتة
والظل الخفيف وأكل المعجون على إيقاع الدقة المراكشية في ساحة جامع
الفناء أو أشعار فن الملحون في باحات" الرياضات" الفسيحة...
سألت يوما أحد كبار مراكش – سنا- وجدته وحيدا في ساحة مسجد بن يوسف
يتأمل طائرا أحمر يدعى "طبيبت" ينقر خائفا من حوض مائي :"لماذا كان أهل
مراكش يدعون بدعائهم الشهير(الله يعمرك أمراكش)؟" أجابني مبتسما: "
عندما كانت مدينة سبعة رجال تستنجد بالمغاربة ليقطنوا فيها ويهنئوا
بجوارهم." فهمت الجواب لكن لم أفهم سر الابتسامة!!
اليوم؛
أصبحت مراكش قطب اهتمام كل من هب ودب على الأرض سوى أحفاد يوسف بن
تاشفين.
كثر الحديث عن مراكش . كثيرة هي المواقع في الشبكة العنكبوتية التي
تعرف بمدينة مراكش حتى اعتبرها أحد المعلوماتيين المهتمين بالظاهرة أن
كلمة "مراكش" تحتل المرتبة السابعة من بين الكلمات الأكثر استهلاكا".
كثرت المؤتمرات الدولية والإقليمية والوطنية في فنادقها الفخمة
المتعددة النجوم.فمنها صدرت قرارات عالمية مهمة ذات البعد السياسي أو
الاقتصادي أو الثقافي...
فيها تعقد اللقاءات المعلنة وغير المعلنة،كاللقاء- على سبيل المثال لا
الحصر- الذي عقد سرا من 23 إلى 26 فبراير المنصرم، بين وزير الأوقاف
والشؤون الإسلامية وخبراء- من جامعة ريد- الأمريكية لإصلاح "الحقل
الديني" !!
كثيرة هي المهرجانات الصاخبة تنظم في ساحة جامع الفناء بأحدث التقنيات
التكنولوجية لضمان جودة الصوت والصورة تستقطب العيون والأسماع من كل
زاوية ولو حجبتها صومعة الكتبية التي خفت صوتها أمام صوت "لكنبري"الكناوي
و رنة "الساكسفون" الأمريكي ورقصة"الطبل"اللبناني: ألوان فنية انصهرت
وأدخلت الساحة إلى "سجيل كينس".ساحة يحج إليها آلاف الشباب والأطفال
والنساء من أجل الفرجة.
مدينة سبعة رجال تباع منازلها العتيقة و"رياضاتها" الفسيحة وأراضيها
المطلة على جبال الأطلس بدراهم معدودة لميشل و أبراهام ودافيد...شريطة
أن يؤدي بالدولار أو الأورو...
أما العنصر البشري - ذكورا وإناثا- خدماته رخيصة، تكفيه بعض الدريهمات
أو ورقة خضراء أو زرقاء من أجل ضمان قوت يوم واحد .
إن الهوس بالجمال شيء رائع وحضاري في حد ذاته، وامتزاج الثقافات وتلاقح
الحضارات وتعارف الشعوب و تقارب الأفكار من الأشياء التي يستحبها كل من
له حس من الذوق والجمال.
لكن اللاحضاري هو أن جل هؤلاء الغزاة -الجدد ،كما تؤثر فيهم تلك النقوش
و الجماليات الفنية التي تركها أجدادنا على جدران "رياضاتنا" و منازلنا
القديمة، يهمهم ترك بصمات انحلالهم وتمردهم على القيم والأصالة... في
عقول شبابنا الذين فقدوا بوصلة جدهم يوسف بن تاشفين رحمه الله، كل ذلك
باسم التعايش والتسامح وكل الشعارات التي إن أبديت ملاحظة حولها أو
تحفظا على مضامينها نعثت بالظلامية والتزمت...
فأغلب زوار مراكش،خفافيش الظلام يأتون لممارسة كل ما لذ و طاب دون
مراعاة أي أخلاق أو قيم. فهذه "الرياضات" في المدينة العتيقة والفيلات
خارج المدار الحضري تحتضن فنانين لكن في نقوش على الأجساد والعقول
ومرتعا للإفساد والشذوذ الجنسي بعدما كانت مجمعا و نموذجا لتكتل الأسر
المراكشية والمغربية عامة ورمزا للمحبة والاحترام.
إن مراكش تبكي كما تبكي الحرة عندما تباع في سوق النخاسة. آباؤنا طردوا
المستعمر بقوة السلاح ونحن أبناء هذا الجيل نعيده بقوة المال.
مدينة العلم والرباط أصبحت مفسقة للمستعمر- الجديد باسم التسامح وتبادل
الحضارات.
أضحت مراكش مدينة عامرة لكن من غير أهلها.. شوارعها و أزقتها لا تكاد
تتسع لساكنتها فأصبح أهل مراكش يرددون اليوم (الله يخويك أمراكش..).تبدل
المكان والزمان وتغير معه الدعاء.
حينئذ فهمت سر ابتسامة الشيخ الوقور القابع في زاوية مسجد بن يوسف،
التي تضمر امتعاضا وحسرة على تغير الزمان وتحول المكان وتبدل الدعاء.
المؤامرة:
قد لا يغيب على الحاج الهدف من رمي الجمار في منازل متعددة والاختتام
بالهدي بعد التحلل من الإحرام.نهاية مسيرة الحاج القاصد إلى إتمام
مناسك فريضة الحج.أيام معلومات وأخرى معدودات في منسك يستجمع كل طاقات
الناسك القاصد إلى غاية شريفة ورفعة في الدنيا وعزة في الآخرة.
لكننا في حالات تضافرت كلها للسقوط إلى الدرك الأسفل للقضاء على البلاد
والعباد ونشر الفساد.سمو في المنسك وخسة ورذيلة وسقوط إلى الحضيض في
المؤامرة التي تنسج خيوطها في الظلام وتصفق لها الأيدي في العلن
وتنشرها الأخبار في الملإ.
توأمة تحت ستار''اتفاق تعاون وشراكة'' مع شرذمة من الصهاينة كشرت على
أنيابها في حفريات المسجد الأقصى،وهذه بيوت تباع ويطرد سكانها الأصليون
من مدينة عرفت بالأمس برجالاتها وصلاحها وأحيائها المحرمة على غير
المسلمين والمستباحة اليوم لكل أنواع التهجير والطرد.
الأحياء تدمي جراح الموتى وتدوس على الذاكرة الممتنعة قديما على
الانجراف وراء الفساد.
مؤامرة لم يشارك فيها عمدة المدينة فقط لاستقطاب المستثمرين، ولا
سماسرة العقار الذين وفدوا من كل حوب وصوب لتقطيع الأرض على مقاس نزوات
الغزاة الجدد،ولكن تكالبت عليها فلول من الرعاع بوعي أوغير وعي،بقصد أو
غير قصد،لكن النتيجة واحدة:المؤامرة ثابثة.
هاهو دور مؤسسات العلم تخضع بدورها لنفس اللعبة؛التدنيس والتمييع
والاستقالة عن مسؤولية مواجهة التحدي والانجراف وراء التحديث باسم
التقدم العلمي والبحث الأكاديمي.
من المسؤول؟
غير صحيح أن نلقي باللوم على المواطن البائع المتمتع – مؤقتا- بدراهيم
بيعه،"المطرود من فسيح رياضه ودفئ شمس المدينة القديمة إلى ضيق شقة
مظلمة في مدينة جديدة.
الكل يعلم الواقع الاقتصادي الذي يعرفه المغرب عموما ومراكش خصوصا،
سيما وأن فرص الشغل محدودة ومجالاتها خدمة سياسة أرادت أساسا خدمة
السائح أولا.
الدولة وسياستها التي تبحث عن جلب المستثمر السياحي بأي ثمن تنصب شراك
استقطاب هذه الفئة المهووسة بجمال مراكش وجمال أحيائها العتيقة و مقر
بساتينها وأبوابها المنقوشة والمزخرفة التي تأخذ الألباب وتسيل لعاب ال
، كما أنها تمنح جميع التسهيلات لكل من هب ودب دون مراعاة قيم المجتمع
وضمان حصانة لشبابه ، مصدر المظاهر السلبية التي أصبحت متفشية في
أزقتنا ودروبنا وأحيائنا.
كيف فكرت أجهزة الدولة بهذا التفكير الساذج،واعتبروا جلب الأجانب مفيدا
لاقتصاد البلاد والعباد.
صحيح أن السياسي لا يهمه سوى توفير فرص الشغل والتخفيف من حدة البطالة،
ليحضى برقم ترتيبي غير متأخر من بين الدول المتخلفة اقتصاديا
واجتماعيا،ولو تجاهل القرار السياسي البعد التربوي والأخلاقي لبناء
المجتمع.
لكن بيع مراكش ليس هو الحل للمشاكل الاقتصادية التي تعرفها المدينة.بيع
مراكش لا تبرره المشاريع السياحية .بيع مراكش يدخل في نطاق الاستيطان
العولمي.بيع مراكش يعني بكل بساطة بيع الإنسان المغربي:حرماته، أخلاقه،
تقاليده وكل قيمه...
أقول هذا،وأنا حفيد مقاوم سالت دماءه من أجل حرمة الدين والوطن، بحرقة
وبدلائل ثابتة في تاريخ هذا الوطن.
لا يمكن للسياسي أن يكون جاهلا بالتاريخ، لأن التاريخ مدرسة سجلت بمداد
فخر مقاومة الحركة الوطنية لطغيان المحتل الغاشم.
فمن أصدر الأوامر أو منح التسهيلات لبيع مراكش؛ فهو إما جاهل بتاريخ
وطنه أو متجاهلا لما تراه الأعين وتسمعه الآذان وتسيل لمرارته دموع
الوطنيين الغيورين.
كل المغاربة يتذكرون مشكل الحماية القنصلية(أو الشخصية) الذي أحدث شرخا
في جسم المجتمع المغربي منذ أواخر القرن التاسع عشر،مما جعل السلطان
الحسن الأول يكاتب جميع الدول التي كان لها رعايا بالمغرب من أجل إعادة
النظر فيها.لذلك عقد مؤتمر دولي لمناقشة قضية (الحمايات القنصلية
بالمغرب)؛وهو مؤتمر مدريد سنة 1880م،ونظرا لكون الحمايات كانت مفيدة
لضرب اقتصاد البلاد وقيمه الروحية والعرقية فقد أقر المؤتمر الحمايات
الشخصية وفرضها بشكل أكثر صرامة.
والحمايات القنصلية هي أن يهب الأجنبي المقيم بالمغرب كل امتيازاته
للمغاربة الذين يعملون عنده ومنها عدم دفع الضرائب. فأصبح المجتمع
المغربي منقسما إلى قسمين:المحميين وغير المحميين.
تاريخ المغرب يشهد على أن الأجانب لم يسمح لهم بالإقامة بالمدن
والمراسي إلا بعد استعمال الدول الغربية القوة والسلاح، وتحقيق
انتصارات في معارك شهيرة، منها معركة إيسلي، حرب تطوان،أو التهديد
باستعمال القوة عندما هددت انجلترا المغرب بقصف العرائش وطنجة.
سلاطين المغرب لم يبيعوا المغرب بل أرغموا على توقيع معاهدات واتفاقيات
أهم بنودها السماح للأوربيين بالإقامة في المغرب، وكان هذا الامتياز
كاف لإضعاف البلاد والسيطرة عليها عسكريا.
أسئلة لابد من طرحها:
• من يرغم اليوم أصحاب القرار على بيع مراكش بالتقسيط بهذه
السهولة؟
• باسم من أبرم عمدة مراكش "اتفاقية تعاون وشراكة "مع الكيان الصهيوني؟
وهي خطوة غير مسبوقة ونوعية لكن في اتجاه تطبيع مغلف باسم التعاون
الثقافي والاستثمار السياحي.اتفاقية تبرم من أجل مشاريع مخزية مخجلة
تسعى هذه المرة إلى تدريب شبان من حيفا المغتصبة ومراكش المستهدفة في
مرسيليا على إستراتيجية "التنمية السياحية في المدينة ومزايا خدماتها
السياحية."
• أين هي أعين المخزن أمام ما يقع من فواحش في واضحة النهار في
"الرياضات" وحمامات السباحة والعلب الليلية؟
• من جر علماء البلاد ومؤسساتهم إلى الانبطاح أمام قوة ومكر المتفوق
المستهثر بكل القيم والمتعالي على من دونه كفاءة وقدرة وعزة.
• أليس من علمائنا راشدون يعتزون على الأقل بما تركه الأسلاف إن لم
يستطيعوا بناء أمجاد يذكرهم بها الأحفاد؟
مراكش تستغيث؛
مراكش يتيمة بمؤسساتها الحالية ورجالها المعاصرين المنبطحين أمام تفوق
الغزاة المستكبرين.لكن البنايات الشامخة والآثار الباقية شاهدة على
العز التليد والرشد الرصين لكنها عاجزة على مواجهة الغزو المقيت بتآمر
أشباه رجال ولا رجال.
من يهب لنصرة آثارها؟ من يحصن مآثرها؟ من يحيي أمجادها في نفوس أناس
ماتت فيهم الشهامة والعزة والكرامة،وانجرفوا وراء السراب والوهم
والضياع؟ من يرفع النداء ضد الخطر المحدق بأناس ناموا على أنغام غطيط
قادهم إلى الفساد والإفساد؟من ينادي من أعلى مآذنها الشامخة:"حي على
الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم"
مراكش تصرخ بلسان حالها:وايوسفاه
tawassoul@yahoo.fr |