إسمنت مراكش ونبيذ مكناس
في مراكش، تلبس القصيدة
قفطانها، أما جامع الفنا فكوْن مشحونٌ بكهرباء الذكرى
المراكشية : عبد الكبير الميناوي
كتب
الشاعر سعدي يوسف أن أول مفاجأة حقيقية عاشها، حين هبطت به الطائرة
في مطار مراكش المنارة، ذات زيارة للمدينة الحمراء للمشاركة في لقاء
ثقافي، نُظم قبل سنتين، كانت حكايته مع شرطي مغربي : "سألني شــرطيّ
: "أأنت فلان ؟". أجبتُ : نعم. قال : "أأنت الشاعر نفسه ؟". أجبتُ :
نعم … وهكذا، بدأ بيننا حديثٌ ظريفٌ عن الشعر وأهله، وعن معارفَ
مشترَكين".
"علاقةٌ مختلفةٌ، أكيداً، بين الشرطي والشعر"، كتب سعدي يوسف، ملخصاً
للحدث وللحديث.
ومن المؤكد أن شاعرنا لم يكن ليصدِّق أن يعيش مفاجأة "حديث ظريف عن
الشعر وأهله، وعن معارفَ مشترَكين" يجمعه بشرطي مغربي !
تنقل سعدي يوسف وعاش بين مدن عديدة، عربية وغربية، مفضلاً أن تكون
المدينة "طليقة ومفتوحة وألا توجد فيها حواجز كثيرة".
ذات سؤال، تناول خيار العيش بين لندن ومكناس، فضل سعدي يوسف المدينة
المغربية : "إنها توازي باريس بالنسبة لي، هي عاصمة السلطان إسماعيل
الذي كان معاصراً لأهم ملوك فرنسا، لويس الثاني عشر. السلطان المغربي
كان نداً حقيقياً للملك الفرنسي، حتى أنه طلب يد ابنته ليتزوجها،
وأعتبر أن بوابة المنصور في مكناس أجمل من كل بوابات باريس القديمة".
وحين خُير بين باريس ومكناس، اختار سعدي يوسف المدينة المغربية، مرة
ثانية، مبرراً اختياره بأنها "مدينة طليقة الأنفاس، أهم من باريس
باعتبار أنها الأقرب لحضارتي، والناسُ فيها لم تستشْر في نفوسهم حمى
السياحة، كما هو الحال في مراكش. حتى السائحون يأتون إلى مكناس
عابرين، إلى الأطلس أو الصحراء، يبيتون ليلة أو اثنتين ويغادرون.
وهناك شيء آخر يميز مكناس، يتلخص في أن فيها أوسع حقول النبيذ في
العالم، وأن أهلها يتباهون بأن لديهم أكبر مستودع للنبيذ الفاخر في
العالم : نبيذ غنيٌ ، ذو مذاق نادر من أفضل ما يكون".
وبالقدر الذي يبدو فيه سعدي يوسف مُتيماً بمكناس، نجده يُعلن موقفاً
نقيضاً بصدد مراكش : "أنا لا أحب مراكش التي تحولت إلى مدينة سياحية،
يملكها الأغنياء فقط، ولم يبق فيها للأهالي شيء".
ورغم أنه كتب ذات نص أن "ليل مراكش يبدأ بأغنية الطير والشجر وينتهي
بأغنية الطير"، فإن سعدي يوسف لاينسى أن يتذكر قصيدته "مجاز وسبعة
أبواب"، حيث كتب :
"مرّاكشُ الحمراءُ تُبنى الآنَ
عاليةً
وعاصمةً
فهل نحن الحجارةُ ؟".
من جهته، يرى الشاعر محمود درويش أن "المدن رائحة"، وأن كل مدينة
لاتُعرف برائحتها "لايعول على ذكراها". وهكذا، فإذا كان لموسكو رائحة
الفودكا، ولباريس رائحة الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة،
ولدمشق رائحة الياسمين والفواكه المجففة، ولتونس رائحة مسك الليل
والملح، ولبيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون فإن للرباط
رائحة الحناء والبخور والعسل.
"المدن بحارٌ ميتة" و"الشوارع أيتام وأرامل"، كتب أدونيس في قصيدة
"والفضاء ينسج التآويل".
في قصيدته، يدخل أدونيس مراكش في حاشية من توابع الشجر والعشب، فيما
تحييه طلائع النخيل. مراكش، حيث الخريف جمر الربيع والربيع ماء
الخريف، يكتب أدونيس، الذي سيسمع مايشبه الكلام عن القمر الذي ينزل
إلى المدينة ليزور أصدقاءه الفقراء.
في مراكش، يترك أدونيس لقصيدته أن تطرح أسئلتها :
"وماذا يقول ماسح الأحذية لهذا القفطان المذهب ؟ وماذا يوسوس
بائع اللبن لتلك الناطحة من الإسمنت ؟ وما لهذه
الأرصفة كأنها خيول أرهقت، تنكس البيارق ؟".
في مراكش، تلبس القصيدة قفطانها، أما جامع الفنا فكوْن مشحونٌ
بكهرباء الذكرى.
في مراكش، حين ترى إلى الشمس تغرب، يتجاذبها الأطلس والمتوسط، يخيل
إليك، في الحق، أنها جسد امرأة يتخطفها سريران عاشقان.
أما في فاس … ف "التاريخ ينز من الجدران، يطلع من النوافذ، يمسكنا
بأيدينا ويسير أمامنا"، يتابع أدونيس قصيدته مسافراً بين مدن المغرب.