تغطية شاملة لقضايا وأخبار جهة مراكش  

بوابة مراكش الأولى باللغة العربية

ناطقة باسم المركز الجهوي للإعلام والتواصل بمراكش

المـــــراكشية
 www. almarrakchia. net

    Almarrakchia         

اتصل بنا

من نحن؟

    

مقالات حول مراكش

  صفحة البداية   أرشيف الأخبار مواقع الصحف المغربية | ملخص الصحافة المغربية بالفرنسية |  قضايا وآراء إعلام وتواصل |

 

المقال

مراكش ... مدينةٌ تُسابق نفسها وتُعاند أهلها

 المراكشية : عبد الكبير الميناوي
يوماً عن آخر، يتقوى الاقتناع لدى كثير من المراكشيين بحقيقة أن العيش في مراكش لم يعد سهلاً، وعلى أنه لم يعد كافياً أن تكون مراكشياً في مراكش لكي تضمن راحة البال وهناء الحال والحاضر.
لم يتبق أمام كثير من المراكشيين سوى ذكريات الماضي القريب للمقارنة بين أيام خلت وحاضر المدينة الغارق في غلائه وتحولاته المتسارعة.
صار كثيرٌ من المراكشيين يعلنون اختناقهم في مدينتهم الفاتنة، التي صارت تنفلت من بين أصابعهم وأيديهم، ليتلقفها زوارٌ وسكانٌ جدد تسبقهم راحة البال وسطوة المال.
يلخص عبد الخالق، سائق سيارة أجرة، لحاضر مراكش في كلمتين : "كُلْشي اغْلا". وحين تسأله : "فينْ غادْية مَراكش ؟"، يجيبك حائراً : "الله أعلم".
كانت مراكش، حتى وقت قريب، معشوقة كل مراكشي. أما اليوم، فكل مراكشي صار يشعر بأن مدينته قد خذلته، إذ لم تعد تقنع به عاشقاً وحيداً وحبيباً مفضلاً، بعد أن انهالت عليها الطلبات وحاصرتها الإغراءات من كل جانب، وبعد أن قصدها عشاق من مختلف الجنسيات والجغرافيات. مغاربة وأجانب. كلٌ يأتيها من حيث شاء ورغب. منهم من يأتيها زائراً ومنهم من يأتيها راغباً في بيوتها القديمة وسحر لياليها وجمال طقسها ودفء شمسها، وربما "أشياء" أخرى.
خلال سنوات قليلة، تغيرت مدينة السبعة رجال وتبدلت ملامحها بشكل متسارع. عماراتٌ تسابق بعضها فيما تتطاول على النخل والكتبية، وفنادق ومطاعم راقية، ومحلاتٌ باذخة تعرض عطورها وملابسها وأحذيتها، و"شاطئ أحمر" في مدينة لا تطل لا على البحر الأبيض المتوسط ولا على البحر الأحمر.
قبل أقل من عشر سنوات، كانت مراكش "مْدينة المسْكين"، يتذكر عبد الهادي، مستخدم بفندق بشارع جليز، "اليوم صارت مراكش في متناول أصحاب المال، فقط، أما المساكين فصاروا مجبرين على "التنقيب" عن ملاذ آمن وأقل غلاءً في الضواحي".
والواقع أن ازدهار السياحة واختيار مراكش وجهة مفضلة من طرف الأجانب وكثير من المغاربة قد ألهب الأسعار ورفع من مستوى كلفة المعيشة وضاعف أثمان العقار. فلاشيء في مراكش لم يسلم من لهيب الغلاء، حيث الشقق تضاعف ثمنها وكلفة المعيشة صارت تعطيك انطباعاً بأنك لم تعد في مدينة مغربية الشكل والمضمون.
ويرى كثيرون أن تعدد زوار مراكش وارتفاع عدد الأجانب، الذين صاروا يفضلون زيارتها أو الاستقرار بها، قد جعل المدينة تتحرك بإيقاعات متباينة. فمن جهة، نجد من بين المغاربة من يعيش مرتاحاً إلى الواقع الجديد، كما نجد أن معظمهم، وهم من ضعيفي الحال، قد صاروا يتعثرون في الأسعار ويحترقون بلهيبها. فيما تبرز من بين ثنايا هذا الواقع المتحول عينة أخرى من المغاربة، ممن وجدوا في حاضر المدينة فرصة للاغتناء عبر الانخراط في مشاريع عقارية أو تجارية ترتبط أساساً بالطفرة السياحية الجديدة.
الأجانب، من جهتهم، ليسوا كلهم أغنياء يسكنون البالموري ورْياضات المْدينة القْديمة وإقامات طريق أوريكا. فمنهم، أيضاً، متوسطو الحال، ممن يبدو شكلهم أوروبياً فيما نمط معيشتهم يعاند نمط عيش متوسطي الدخل من المراكشيين.
ويقول عبد الرحيم، وهو صاحب بازار بجامع الفنا، إن "هذه العينة من السياح لايجب أن نطلق عليها لقب سياح. لقد صاروا مغاربة في تصرفاتهم ونمط حياتهم. إنهم يخالطون المراكشيين في الأسواق الشعبية ويزاحمونهم في الحافلات ويناقشون الباعة في أثمان مايشترونه من حاجيات بشراسة نادرة تثير الاستغراب". قبل أن يتابع، قائلاً : "قبل أيام، وفيما كنت جالساً بمقهى التجار بشارع جليز، لم أستطع تفادي حديث جمع فرنسييْن بدا من مضمون كلامهما أنهما اختارا الاستقرار بمدينة مراكش. طريقة ومضمون كلام أحد السائحين أعطت الاقتناع بأن مراكش صارت تفاجئه بأسعارها وموجه الغلاء التي هبت عليها".
شهادة عبد الرحيم ليست سوى تلخيص لما صار يلاحظه ويعيشه معظم المراكشيين، وبالتالي فإذا اشتكى الأجانب، الذين يجيئون مدينة السبعة رجال مُحملين بالعملة الصعبة، فيما تسبقهم الكاميرات وراحة البال، من الغلاء، الذي صارت تعيش على إيقاعه المدينة الحمراء، فكيف سيكون حال المغاربة ممن يتقاتلون يومياً من أجل لقمة العيش الصعبة ؟
لكن، من يدري، فربما تكون مراكش قد انتقلت إلى المرحلة الثانية من حكايتها مع الغلاء وارتفاع الأسعار، بحيث تجاوزت جيوب الفرنسيين لتنفتح على جيوب أكثر دفئاً، ربما تعود لسياح قادمين من ألمانيا والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية ؟
من جهتهم، المراكشيون لا تضايقهم موجة الغلاء وارتفاع الأسعار، فقط، بل صاروا يتبرمون من بعض التحولات السيئة التي طالت العقليات، أيضاً. ومن ذلك أن بعض سائقي سيارات الأجرة، مثلاً، صاروا يختارون زبناءهم، من بين السياح، بعناية صادمة لأبناء المدينة، ممن صاروا يحسون بانعدام الوزن و"الحكرة" في مدينة جعلت الكثيرين من أبنائها يلهثون خلف العدادات وجيوب النصارى و"أشياء" أخرى.
كما أن طقس مراكش، الذي كان مضرب المثل في نقائه وسحره، صار اليوم ضائعاً خلف عجلات ودخان السيارات والحافلات التي تخيط المدينة إلى حد الاختناق.
بعضهم يرى أن "مراكش تزداد جمالاً"، وبعضهم يرى أن "المدينة تتوسع على نحو جيد، وبتخطيط يبدو مراعياً لكثير من الاستراتيجيات"، فيما الكثيرون صاروا يتخوفون من "إمكانية أن تضيع مراكش مشيتها وصدى ماضيها في غمرة تحولها إلى مدينة بلا ملامح".

www.almarrakchia.net - All rights reserved  2005- ©- موقع المراكشية - جميع الحقوق محفوظة 2005