تاريخ
جمالي لمقاهي مراكش
قهوة المصرف و قهوة الشاميات
مراكش : عبد الصمد الكباص في أيامنا هذه تنبت المقاهي كالفطر في مراكش عاصمة المغرب التاريخية
، في الشوارع و الطرقات و الساحات. و رغم ذلك قلما يجد المرء ما يستجيب
لرغبته و يلبي حاجته في التأمل أو الراحة و الاستمتاع، و يندهش أمام
كثافة الإقبال على هذا الفضاء من الرواد الذين يؤمونه في مختلف الأوقات
من الصباح إلى المساء ربما ذلك عنوان معاناة صميمية مع الزمن. و عندما
نسترجع تاريخ المقاهي بمراكش تكتشف أن " الطبعة القديمة" منها في مبدأ
تشكلها و نمط العلاقات التي تقيمها مع الرواد و الهدف الذي من أجله يقبلون
عليها، تشكل مساءلة حقيقية للمقاهي اليوم و للنسيج الاجتماعي الذي
ينعقد من خلالها.
في سيدي ميمون و قبالة ضريح يوسف بن تاشفين مؤسس المدينة الذي طال قبره
الإهمال لعقود طويلة، تستقر في أذهان من عاش في النصف الأول من القرن
العشرين من المراكشيين، ذكرى فضاء جميل محا التطور الذي عرفته المنطقة
معالمه و لم يترك من آثاره ألا ما تحتفظ به ذاكرة من بقى على قيد الحياة
من مرتاديه، يتعلق الأمر بقهوة (هكذا يسمي المغاربة المقهى) المصرف
الذائعة الصيت، التي يتكلم من خلال استرجاع صداها حنين إلى زمن بهي رغم
ما نسب إليه من قسوة إلا أنه كان غنيا ببساطة علاقاته و رونق ذكرياته.
فهذا المقهى جمع أشخاصا و أحداثا و نسجت داخله علاقات تقاطعت جميعها في
أفق واحد.
تعود تسمية هذا المقهى إلى المصرف الذي كان يخترقه و هو عبارة عن ساقية
تحمل مياه عين من العيون الذي تروي مراكش , لإحدى العراصي القريبة.
ربما كانت عرصة بن إدريس. و كان المقهى مسقوفا بالقصب ( الماموني) و
الدوالي التي تتدلى منها عناقيد العنب و مفروشا بالحصير، فيجلس الرواد
مشمولين بظل الدالية و عناقيدها مستمتعين بخرير مياه الساقية التي
تجاورهم. المشهد أقرب إلى ما يحتفظ به الخيال من صورة للجنة.
كل الأشخاص الذين قصدناهم بشأن ما بقي من ذاكرتهم من أحداث تهم هذا
المقهى و الذين يتجاوز عمر أغلبهم الثمانين، يستحضرون هذا الفضاء بنكهة
نوستالجية عميقة متأسفين على ذلك الزمان وناسه و ذكرياته الرائقة.
تفتح "قهوة المصرف" أبوابها بعد صلاة العصر و تغلق مباشرة بعد صلاة
العشاء. و ترش أرضيتها بالماء ثم تفرش بالحصير و يبدأ الرواد يتقاطرون
عليها. بالطبع فهذا التوقيت يناسب البرنامج اليومي للحرفيين الذين
يلتحقون بها بعد الانتهاء من عملهم.
لم تكن المقهى حينها تقدم سوى مشروبين اثنين: الشاي أو القهوة. و كان
الشاي يعد في " المغلي" أو الزيزوا و يصب في كأس مملوء بالنعناع مع
قليل من السكر، أما الماء فكان يسخن في "البابور" و يوزع النادل كؤوس
الشاي و القهوة على الرواد في " الرفادة"..
كل واحد من جلساء المقهى يصنع عالما خاصا به تسوده المتعة و الانتشاء
بنكهة المكان، يجلسون و في أيديهم كؤوس الشاي أو القهوة و في اليد
الأخرى السبسي، إذ كان تدخين الكيف حينها شيئا شائعا و عاديا و لم يكن
يعتبر مخدرا محظورا بل كان يباع بشكل علني في فندقي السرسار و علي
أوصالح. و كان البعض يلعب الورق أو الضامة أو يكتفي بتأمل مكونات
الفضاء من خضرة و ماء و فن.
غير أن رواد " قهوة المصرف" لم يكونوا يؤمونه فقط من اجل تمضية الوقت و
شرب الشاي و القهوة.. بل من أجل شيء آخر.. إذ كانوا يشتركون في عشقهم
للطرب الشرقي. و حينها لم يكن المذياع منتشرا لدى العموم. فكان عشق
الموسيقى و الغناء يدفع الأسر إلى كراء الفونوغراف الذي كان يسمى
بماكينة الغناء. كانت عدة أسر تجتمع في بيت واجد للاستماع لأغاني أم
كلثوم و محمد عبد الوهاب و محمد فوزي و فريد الأطرش واسمهان..
أما الحرفيون المولعون بالفن فكانوا يفضلون قهوة المصرف التي كانت
تتنافس في ذلك مع قهوة الأمين، حيث كانت تذيع مختلف الأغاني المصرية
المشهورة آنذاك إضافة إلى بعض الأغاني المغاربية كأغنية " زينة و بنت
الهنشيرة " للمطرب التونسي علي الرياحي..... في قهوة المصرف التقطت
آذان الحرفيين المولعين أعذب الألحان و أجمل الأغاني و انتشى وجدانهم
بعالمها الرومانسي.. و كان التفاعل مع شحنتها العاطفية يصل حدا لا يمكن
وصفه.
من طرائف قهوة المصرف أن أحد القيمين عليها يدعى "شيشي" كان يتحدى
الزبناء و يقول لهم : "من طلب أغنية و لم يجدها عندي يستهلك مشروبه
بالمجان!". و كان من بين الزبناء شخص يسمى "بلهاشمي" حرفته اسكافي يملك
مذياعا يستمع فيه لأحدث الأغاني مباشرة من القاهرة. فيطلبها بقهوة
المصرف. و عندما يعجز شيشي عن تلبية طلبه يقدم له مشروبه بالمجان.
كان المقهى يشكل غاية جمالية بالنسبة للمراكشيين و ولوجها يمثل حلما
رومانسيا و ليس فضاء للكلام المكرور و التفاهات.. و كانت قهوة الأمين
التي كان موقعها قرب دار المتوكي خلف نادي البحر الأبيض المتوسط حاليا،
فضاء منافسا لقهوة المصرف.. و فيها تداع أغاني مختلفة و كان السبق في
إذاعة هذه الأغنية أو تلك سببا في الفوز بالزبناء الذي يدفعهم عشقهم
للفن و الجمال إلى التنقل إلى هذا المقهى أو ذاك. و كان الأمين صاحب
المقهى من عشاق أغنية " مالي فتنت" لأم كلثوم، و كان زبناؤه كلما وصل
إلى مقطع " وهذا دمي" يصيحون مرددين بنفس النغمة " و هذا الأمين"
فيزيده ذلك نشوة و زهوا.
و من المقاهي التي حازت على شهرة كبيرة بمراكش في النصف الأول من القرن
الماضي " قهوة الشاميات" بدرب ضابشي.. و كانت المقهى الوحيد بمراكش
الذي تستهلك فيه الجعة، و كان زبناؤها من عشاق الفن الشعبي حيث كانت
تقدم فيها عروض موسيقية لفرق شعبية ( الشيخات). و كان الدخول إليها
بالأداء (كالمسرح) و مدة المشاهدة لوقت محدود. و حسب ما يروى فقهوة
الشاميات سميت بهذا الاسم نسبة إلى ثلاث شابات جميلات كن يشتغلن بها
أصلهن من الشام. بعد الاستقلال تحول هذا المقهى إلى سينما غزالة و
انتهى به الأمر فيما بعد إلى قيسارية!!
كان المراكشيون يقصدون المقاهي التقليدية كل حسب حاجته و متعته التي
يبحث عنها، و كان كل مقهى مشهورا بخاصية تميزه من قهوة المحجوب بباب
دكالة و قهوة زروال بالمواسين بمدخل الصباغين و قهوة العياشي و قهوة
الحنصالي و قهوة السي قدور ببين القهاوي برياض العروس و القائمة
طويلة..
ذاكرة المقهى بمراكش تكشف حقيقة أن هذا الفضاء لم يكن نتيجة ضغط
العطالة و قلة العمل و البحث عن مكان للقضاء على الوقت المتضخم. و إنما
جاء كاستجابة لحاجة جمالية و رغبة صميمية في المتعة و الانتشاء. بمعنى
آخر كان جزءا من نظام إنتاج الفرح و خلق المتعة و الانتشاء الذي شمل
مجتمع الحرفيين بهذه المدينة من أجل إضفاء جمالية أكبر على حياتهم.