لماذا المراكشيون مرحون
؟
يوسف بن تاشفين بنى المدينة على برج
العقرب
مراكش : عبد الصمد الكباص
تلتصق كلمة بهجة بمدينة مراكش و سكانها ترافقهم أينما حلوا و ارتحلوا،
حتى صارت علامة كرسها التاريخ لتمييز هذه المدينة و أبنائها في مختلف
ربوع المغرب، و أضحى كل من يغترب عن مدينته من المراكشيين يلقب بالبهجة
كما لو كانت المدينة بكاملها تحل في روحه و تسكن جوانح نفسه.
و بما أن المدينة ليست فقط مجالا و إنما صيغة في الوجود و أسلوب في
التعامل مع الذات و الآخرين و نمط من العيش و علاقة خاصة مع الطبيعة و
الأشياء و تأويل للذاكرة، فقد كانت البهجة تعني صيغة خاصة في الوجود و
اسلوب متفرد في العيش لدى المراكشيين أساسها الحبور و المرح و خفة الدم
و استثارة الانشراح المبهج في الحياة و جعله شيئا راهنا في كل لحظة و
إبداع آفاق مختلفة لتجريب قيمة الفرح و اختبارها عينيا في الحياة.
و قد شكل هذا الوجود المرح لغزا مدهشا للمؤرخين و الأدباء الذين
انشغلوا بأحوال مراكش. فوصفوا مظاهره و فصلوا في دقائق تجلياته و
استفسروا عن أسبابه.. فها هو الأديب الحسن بن اليماني بوعشرين الذي عاش
في نهاية القرن 19 و بداية القرن 20 يتحدث عن هذه الميزة في كتابه "
التنبيه المغرب عما عليه الآن حال المغرب " قائلا:
" اعلم أنه لا خلاف في كون مراكش مدينة كثر خيرها، و انتفى ضيرها،
وانبسطت أرضها، و تفسحت أرجاؤها و طولها و عرضها، و فيها من البهجة و
الإشراق و الانشراح العام في أنحائها و الآفاق، ما لا نزاع فيه بين
الناس، و لا يتطرق إليه احتمال و لا التباس، و فيها من رخص الأسعار و
كثرة الخيرات و الثمار و الأشجار المنوعة الأزهار، و النخيل الكثير
الزخار، ما لا يختلف فيه اثنان و لا ينكره إنسان.. و أنها كثيرة
المرافق، بعيدة عن العوائق و البوائق و هي بلدة تقبل من جاءها و تونس
الغريب إذا أتاها و قصد أرجاءها، و استمطر سماءها، و تنسيه في ذويه و
أهله، و تال جهدا في لم شعثه و جمع شمله، و كل الناس لهم حنين إليها و
اشتياق، لتيسر المعاش بها و الأرزاق، و بها من الحدائق و الجنات، و
البساتين الموفرة الخيرات، و المنتزهات الفائقات، المتكفلة المسرات و
المبرات، ما لا يوجد في غيرها من مدن المغرب على الإطلاق و العموم و
الاستغراق.."
و يضيف في وصف أهلها:
" .. و حق لها أن تسمى شام المغرب و تلقب بالأنيس المطرب.. فمن وصلها
لا تسمح نفسه بعد بفراقها، و لا تطاوعه في الانفصال عنها و طلاقها، فهي
تألف كالمومن و تولف، و ترأف و تشفق و تتعطف، فالقلوب بها مستريحة، و
اعتقادات أهلها في جانب الله تعالى صحيحة، يقنعون بالقليل، و يعاملون
بالجميل و يتوكلون على الله الغني الجليل، و تلك الطباع فيهم مغروزة و
راياتها المرفرفة في ساحاتهم مركوزة، لذلك ينسبون لكثرة الصلاح و يرجى
لهم النجاح و الفلاح.." ( ص.129 ـ 130 حققه العلامة محمد المنوني).
نفس الصفات و الخصائص استوقفت صاحب الرحلة المراكشية المرحوم ابن
الموقت الذي قال في بيان ذلك على لسان محاوره في الرحلة:
" إن أول مظهر من مظاهر جمال الطبيعة الذي يشاهده الوافد على هذه
العاصمة المراكشية تلك الابتسامات الدائمة التي يراها مرسومة في ثغر كل
منظر من مناظرها الخلابة و في وجوه جميع سكانها و أهاليها بل في طلعة
كل ما تضمه جدرانها، و تحيط به أركانها ، فأينما أدرتما نظركما تريا
ازدهاء ظاهرا، و ازدهارا باهرا لا يلبث أن ترتسم على مرآة محياكما صورة
منه و تستولي على مشاعركما عوامله القوية و إن كنتما مهمومين
مغمومين.."
و يضيف في وصف بهجة نفوس المراكشيين :
" و أينما أدرتما بصركما أبصرتما انشراحا محسوسا فسكانها دائما منشرحو
الصدور متهللو الوجوه لا يعرفون معنى الكدر و العبوس و معالمها أبدا
تبعث في النفوس انشراحا كأن طينتها عجنت بماء السرور و مزجت بمادة
الانبساط و الاغتباط.."
لكن لماذا هم هكذا سكان هذه المدينة منشرحون فرحون مثمنون لكل ما يخلق
السرور و يبهج الحياة ؟ هل هناك جذر تاريخي أو اصل طبيعي لتشكل هذه
الميل التلقائي نحو البهجة و الانشراح ؟ فالحياة عندهم كما لو كانت لم
تمنح أصحابها إلا لكي يكون فرحا و الإيمان لا يكون صحيحا إلا إذا وهب
صاحبه الرضى عن النفس الذي يترجم نفسه في الاحتفال بالذات و الانتشاء
بها. و حتى سنوات القحط و البؤس التي دونتها ذاكرتهم " كعام التوفيس "
و "عام الجوع" و " عام الطاعون" و " عام البون".. كانوا يواجهون فيها
بؤسهم بالفرح و البهجة .
من التفسيرات الطريفة حقا لهذه الظاهرة، ما أورده ابن المؤقت في كتابه
" الرحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتية على لسان محاوره في فقرة
حملت هذا العنوان الدال : " الحكمة في أن مدينة مراكش و أهلها في سرور"
حيث قال:
" إن مؤسسها رحمه الله تحرى بواسطة منجميه وضع أول حجر من تأسيس بنائها
في برج العقرب الذي هو برج الغبطة و السرور، لتبقى دائما دار سرور و
حبور. و ذاك السر في كون السلو و النشاط يغلب على سكانها و يفيض من بين
أركانها."
فحسب هذا المنطق فالمراكشيون مرحون لأن مدينتهم بنيت على برج العقرب
كما أراده لها مؤسسها يوسف بن تاشفين!! و من ثمة كان قدر كل من يعمر
بها و يشرب من مائها و يحيا بهوائها أن يؤخذ بما أخذت به مدينته و أن
يرصد طالعه على البرج الذي بنيت عليه.
إلا أن ابن المؤقت يضيف فيما بعد تفسيرا آخر يربطه بطقس مراكش إذ يقول:
" و قال آخرون: إن السر في روح السرور و الانبساط التي يشعر بها
المقيمون في مراكش هو حرارة جوها، لأن الحرارة من شأنها أن تنعش النفوس
و الأرواح، و تحرك فيها كوامن المسرات و الأفراح.."
ها قد صار الحر الذي وجد فيه ابن خلدون واحدا من أهم العوامل المبطئة
للتطور لأنه يجعل الأجسام تميل للتثاقل و النوم و العقول تستسلم
للتراخي و الكسل، صار مع ابن المؤقت سببا حاسما في إشاعة روح الحبور و
المرح في نفوس سكان المدينة.
أما صاحب "الإعلام من حل بمراكش و أغمات من الأعلام" فقد أرجع تسمية
مراكش بالبهجة إلى كثرة حدائقها و اتساع جنانها حيث قال في نص أورده
الدكتور حسن جلاب:
" إن لكثرة العراصي بمراكش أثرا واضحا في حياة السكان و ثقافتهم، بل
لقد أدى ذلك إلى ظهور اسم آخر نافس اسم المدينة الأصلي و هو البهجة" (
عراصي مدينة مراكش و دورها في تكوين الشباب و تثقيفه مجلة دعوة الحق
ع345 يوليوز 1999).
قامت هذه العراصي بدور كبير في حياة أهل مراكش انطبعت آثاره في أسلوب
عيشهم. فتعدد العراصي و جمالها شجع المراكشي كما قال الأستاذ جلاب: "
على الخروج إلى النزهة مرة واحدة في الأسبوع على الأقل و شجع الحرفيين
على تنظيم النزه بها للترويح عن النفس من عناء العمل المضني.. فنشأ أدب
النكتة و أغاني الكف، و الطنجية المراكشية.. و هي أشياء عرف بها
المراكشي ـ و ما يزال ـ و تميز بها عن غيره."
و كانت "النزاهة" هذا التقليد الجميل الذي أجهز عليه التوسع الاسمنتي
البشع بعد التهامه لأغلب هذه الجنان و العراصي و الحدائق التي كانت
تستوي في مختلف أرجاء المدينة و في محيطها، وجها آخر لهذا التفنن الذي
أتقنه المراكشيون في صنع لحظات الفرح و تهييئ فضاءات المرح و السرور
فكانت الأسر تنخرط بشكل جماعي في هذا الطقس، موفرة الوقت و المجهود و
المال لذلك بحماس منقطع النظير. حيث كانت تقضي أياما جميلة في حضن هدوء
هذه العراصي و الجنانات مستعيدة ذكرى الجنة التي لم تعد مفقودة و إنما
حاضرة بشكل عيني في حياتهم على الأرض. و ينفقون أوقاتهم هذه في إبداع
مواقف مبهجة من غناء و رقص و نكت و اصطناع مقالب مرحة لبعضهم البعض..
و لم تكن العراصي تهيئ هذا الفضاء الساحر للتنزه فقط بل لعبت دورا
كبيرا في الإشعاع الثقافي و الأدبي كما أشار إلى ذلك الأستاذ جلاب، حيث
كانت مجالا تعقد فيه المنتديات الأدبية و اللقاءات الفكرية، كالأسبوع
الأدبي الذي نظم في آخر رجب و بداية شعبان من سنة 1354هـ/1935م و الذي
تم فيه تكريم الشاعر الطاهر الأفراني بعرصة البياز.. و أشار إليه
المختار السوسي في المعسول قائلا:
" تلقته مراكش بكلتي اليدين و أدباء الشباب متوافرون في الرميلة،
فتدفقت القوافي و الحفلات في أسبوع سميناه: " أسبوع الأدب " و قد كان
أسبوعا أدبيا رائعا."
و ألقى عدد من الشعراء قصائد في حق المحتفى به و في مقدمتهم المختار
السوسي و محمد بن عبد الله الروداني و أحمد شوقي الدكالي و الحسن
التناني، و حضر هذا الأسبوع الأدبي عدد كبير من أعلام المدينة كعبد
الله إبراهيم و عبد القادر حسن و مولاي أحمد النور و شاعر الحمراء الذي
ألقى قصيدة في توديع الشاعر الطاهر الأفراني.
كما نظم شباب مراكش احتفالا بشاعر الحمراء سنة 1949 و ذلك بمناسبة
سلامته من حادث تعرض له. " فأقيم له ـ ما يسميه المراكشيون ـ يوم
الراحة في إحدى عرصات المدينة، و تتابع الشعراء يلقون القصائد في
المناسبة، إلا أن أغلبها لم يدون منهم: الحسن التناني، و علي بن المعلم
التاورتي و غيرهم.." ( حسن جلاب)
لماذا المراكشيون مرحون إذن ؟ هل لأنهم عاشوا في فضاء استوعب فكرة
الجمال في المعمار و الخضرة و المجال ؟ أم لأن مدينتهم بنيت على برج
العقرب ؟ أم لأن حرارة طقسها تشيع روح الحبور و السرور في النفوس ؟
كيفما كانت وجاهة هذا التفسير أو ذاك، فالأكيد أنهم هكذا لأن تصورهم عن
الحياة سمح لهم بذلك. فقد عاشوا و هم مقتنعين بأنهم جديرون بمتعتهم و
فرحهم، و أن مهمتهم هي إضفاء أقصى حد من الروعة على حياتهم الشخصية كما
لو كانوا في ذلك يتمثلون عبارة ميشيل فوكو: " إن أهم أثر فني يجب
الاعتناء به، و أهم موضوع يجب أن نطبق فيه قيما جمالية هو نفسنا، و
حياتنا الشخصية و كينونتنا " ربما كان المراكشيون أبيقوريين دون أن
يدروا بذلك ؟! ربما