الطريقة
الفنية لرجل الحلقة بساحة
جامع الفناء لجلب الجمهور
عبد الرحمان الملحوني
عندما نمعن النظر طويلا في الإنتاجات الفنية والأدبية التي يقدمها رجل الحلقة
الشعبية بساحة جامع الفناء، فإنه يبهرنا بالطريقة الفنية التي يستعرض
بها ما يقدمه إلى الجمهور الملتف به ساعات، تلو الساعات، إذن، فهو لا
يستعمل في خطابه لهجة عامية معينة، وإنما تراه مدفوعا ـ في غالب
الأحيان ـ إلى أن يقوم بدور المتكلم، والسامع معا• وهذا حين يلجأ ـ
بدوره ـ إلى استخدام الوظيفة الانفعالية، أو التعبيرية، وهي وظيفة
تساعد الحلايقي على إظهار مجموعة من المواهب والقدرات في تحسيس
المشاعر، وإثارتها لاستحضار ما يبرع به براعة خاصة، وهو ـ حينئذ ـ يقدم
مشهدا من مشاهد معروضاته الفنية أو الأدبية• ومما هو شائع بداخل الحلقة
الشعبية أن لطرائق ما يقدَّم، وسائل كثيرة ومختلفة••• وطريقة التقديم
كانت تعني في قاموس لحلايقية: درجة صوت لحلايقي في تلويناته الصوتية ،
وفي مدى قدرته في تغيير ملامح الوجه، حسب ما يقتضيه الموقف المعبر عنه،
وكذلك الحركات الجسدية المصاحبة للكلام• فقد يكون لحلايقي بارعا في
مخارج الحروف، وتلوين الكلمات تلوينا موسيقيا عذبا جميلا•!! وقد تكون
براعته ـ أيضا ـ في مخاطبة العيون مرة، والأسماع مرات، ومرات، وكذلك في
تنشيط الوِجدان بما يقدمه من رقيق العبارات وحلو المعاني، ودغدغة
العواطف الى حين• نعم، فهناك من المواقف ما تكون فيه الحركة الجسمية
أصدق وأحسن تعبيرا من الكلام الذي يجري على عواهنه••• وهناك من الأشياء
ما لا يستطيع الحلايقي وصفها دون استخدام للحركة الجسمية وهو ما يعرف
بالحركات التوضيحية، كما هو الحال عند الراقصين، وعند بعض رواة
الملاحم، وقصص الأبطال، والسير الشعبية، وغير ذلك مما لا تتم به رسالة
لحلايقي، ولا تحصل الفائدة من معروضاته الفنية، أو الأدبية، إلا
بالحركات ذات الدلالة والمرامي البعيدة، على نحو معين، تبرز فيه
المواهب، والقدرات مما يمكنه من النجاح في عمله!! (1) ولعل هذا ما يبدو
للمتتبع الدارس واضحا من أحد أعلام الحلقة القدامى: وهو الشيخ سيدي
احماد السوسي، مفتي الساحة في وقته، والفقيه الملم بشؤون العبارات• كان
يفسر بعض السور القصيرة المرتبطة بالعبارات بالعامية المغربية، ومرة
بالأمازيغية••• ولم يكتف ـ رحمه الله ـ بسرد المعلومات، وتقديم المعارف
من هنا، وهناك، وإنما كان ينتقل من سارد الى معلم، يعلم الجمهور الواقف
أمامه فرائض الوضوء بطريقة عملية ميسورة، ليفرِّق الناس بين الطهارة
الصغرى والطهارة الكبرى، ومتى يجب التيمم، وماذا وراء الصلاة بالتقصير
عند الضرورة وما هي الغاية من الجوع في شهر رمضان، إلى غير ذلك مما كان
يقدمه باختيار جماعته في غالب الأحيان، أو مما كان يتلقاه من أسئلة
الملتفين بحلقته، ولهذا سمي عند العامة مفتي الساحة• وفي هذا النطاق
يحكي الذاكرة الشعبية ما كان يقدمه التَّرشاوي عبد العزيز من أحواز
مراكش (•••) كان يجمع بين ألوان كثيرة من فن السرد الى جانب الغناء
والتمثيل، ومن معروضاته في التمثيل: دور المُدرِّر في الدّوار• وفي
تقدير هذا الدور الذي كان يجمع بين الدعوة الى العناية بتعليم الصغار،
وتحفيظهم القرآن الكريم، وبين ما يجب أن يكون عليه معلم الصبيان يومئذ،
وكيف تكون علاقته بساكنة الدوار، وبآباء وأولياء المتعلمين (2) ويحكون
الكثيرَ ـ أيضا ـ عن الشيخ الزكي من مدينة أزمور، وهو ممن كان يجمع بين
إنشاد قصائد الملحون، وبين الوعظ• ومن القصائد الفريدة التي كان
يُنشدها: قصيدة النَّملة مع سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ وقصيدة
الأيوبية التي تحكي صبر سيدنا أيوب ـ عليه السلام ـ وما وقع له مع
قومه••• وقصيدة الفقيه ومْراتو وقصيدة العاشقة مولاتْ التاج، وقصيدة
يوم الشّْفاعة••• (3) وحين أقدمت سلطات الحماية بمراكش على إحداث (دار
الحليب) للقطاء (الأطفال المتخلى عنهم)، ثارت ثائرته، وغضب وزمزر•••
وفي اليوم الموالي، أنشد مجموعة من الأزجال تؤرخ لهذا الحدث المؤلم
وتستنكره• ولعل هذه الصورة الشعرية مما كان يحفظه من شعر الشيخ محمد بن
عمر ولد الخضار، الذي تابع هذه الظاهرة الاجتماعية بمراكش، وسجلها
بواسطة هذا العروبي (4) الذي يقول فيه ما نصه: يَا إلَهْ، عَفْوَكْ
اليومْ تَرْجاوَهْ يَلْحَقْ بنا قْبَلْ لَهْلاَكْ، مَن افْعالْنا
الـمَشْنُوقَا (5) بَارتْ لاْحْيَالْ للضُّعفَا، وْضَاقْ النُّطَقْ
وَعْليكْ شْكَانَا جْميعْ، مَنْ عْبَادَكْ الـمَخْلُوقَا مَنْ تَنْهادْ
أمّْ الرّْضيعْ، القَلْبْ تْمَزَّقْ وَنْفاسْنَا بمْظَالَمْ
لَعْدُو(6)، صَارتْ مَخْنُوقَا البْلادْ جُورْهَا، نورُو سْطَعْ،
وَابْرَقْ وَاللِّي وَلْدَاتْ لحرامي(7)، بْقَاتْ عَنُّو مَفْرُوقَا
حْمَاوَهْ بْدارْ الحليبْ، وْقالو: هذا الْيَقْ تَربيتُو لِنَا تْفيدْ،
حينْ تصيرْ مُّو مَعْتُوقَا فْي دَارْ الزْنَا كَبْرُو، وَشْحالْ
مَنْهُم التّْسَرْقْ الأَصَلْ يَرْجَعْ الأَصْلو، كَلْمَتْ حَقّْ جَاتْ
مُوثُوقَا سَاهَتْ البْلاَدْ، وَالسَّبْتِي(8) مَنْها قْلَقْ مَا رْضَى
يَتَّنسَبْ لِهَا، مَنْ كانت امُّو مَسْرُوقَا••• { هوامش: 1 ـ
البرنامج الإذاعي: من وحي اللقاء دراسات، وأبحاث في تراث مراكش• الموسم
الإذاعي: 1995/1996 الإذاعة الجهوية بمراكش• 2 ـ المرجع نفسه••• 3 ـ
جُلُّ هذه القصائد التي كانتْ تُنشَد بساحة جامع الفناء من روائع الشيخ
المكي، وهو من شعراء أزمور وأعلامهم، اشتهر بقصيدة الحراز التي يشير
فيها إلى مدينة أزمور أيام زمان••• 4 ـ العروبي: مقلوب رباعي، وهو ما
تتألَّف منه الوحدة العروضية من أربعة أشطار• وفي فن الملحون، يتألف
العروبي من أربعة أشطار وردمة، أي الشطر الخامس، وقد يتألف من أبيات
ذات شطرين لا حصر لها، حسب نفس الشاعر، وتُختَم عادة بما يُسمَّى عندهم
الرَّدمة وتعفي الشطر الأخير••• 5 ـ المَشْنُوقا: أي الأفعال التي كان
لها رد فعل عنيف، مما عانى منه الكثيرَ المواطن المغربي، حين أحدثت
سلطات الحماية مؤسسة الأطفال المتخلى عنهم بمراكش• 6 ـ مْظالمْ لَعدُو:
إشارة إلى ظلم الدَّخيل أيام عهد الحماية، وما تأذى به المواطنون
المغاربة من قهر وجبروت سلطات الحماية والموالين للاستعمار• 7 ـ لحرامي
أي ولد الزنا: من الأطفال المتخلى عنهم يومئذ بمراكش• 8 ـ الشيخ أبو
العباس السَّبتي، من الرجال السبعة بمراكش، ويُلقب بـ مولْ البلادْ
ولهذا استغاث به الشاعر ولاذ بحماه، فهو لم يَرْضَ بما حدث فوق تربة
أولياء المدينة•