|
مراكش: نور الدين بازين
إن المتأمل في الواقع الاجتماعي والاقتصادي المترهل،
في مدينة مراكش يجده يدعو إلى القول بأن المدينة تعيش مخاضا عسيرا تكاد
عواقبه تزداد تفاقما وانفلاتا أمنيا وأخلاقيا… كل ذلك يتجسد- أو لنقل -
يتوزع حول كيانين أزليين اثنين؛ كيان يتغذى بالأوضاع المزرية التي يعيشها
أصحابه من فقر وبطالة ويأس وإقصاء وتهميش، تمارس من داخل رحمها الجريمة
بكل أصنافها. وكيان يمارس الدعارة بجميع أشكالها، التي حملت في مركبها
جميع الفئات والأجناس.
إننا أمام صورتين اثنتين: الجريمة والدعارة،
فما هي الأسباب الحقيقية..؟ في 16 نوفمبر من سنة 2005، ألقت مصالح الدرك
الملكي بدائرة البور بمدينة مراكش القبض على شاب وقد اعتدى على والده
بالسلاح الأبيض بمعية رفيقيه وهم في حالة سكر جد مفرط، وقد أدانت
ابتدائية مراكش المتهم الأول بإهانة المقدسات وسرقة المال العام وحكمت
عليه بأربع سنوات سجنا نافدا وحكمت بثلاث سنوات حبسا نافدا على رفيقه.
المحكمة نفسها أصدرت أحكاما قضائية في حق فتاتين معاطيتين للدعارة مع
خليجيين ومعهم الوسيط المغربي، وقد توزعت الأحكام بين شهرين حبسا نافذا
في حق الوسيط وشهرين حبسا موقوفة التنفيذ في حق الفتاتين، وقد اعتقلت
الشرطة السياحية بمراكش الفتاتين يقودهما وسيط على متن سيارة أجرة صغيرة
(مراكش) متجهة صوب فيلا بمنطقة ممر النخيل، وهي تلحق سيارة أجرة أخرى تقل
على متنها أشخاصا ينحدرون من إحدى دول الخليج. الشرطة القضائية بمراكش،
وبتنسيق مع الشرطة السياحية، قامت باعتقال خمسة شبان، منهم فتاتان، بأحد
الملاهي الليلية بعد الاشتباه بهم على إثر تصرفات غير عادية، منها وضع
كمية كبيرة من الخمور والمأكولات على الطاولة وتردد أحدهم بكثرة على دورة
المياه، أدى إلى البحث معهم في عين المكان، واكتشاف مواد مخدرة (3 غرام
من الكوكايين) وبطاقة تحمل طابع القصر الملكي بحوزتهم. وقد توبع الشبان
الثلاثة، وهم من عائلات ميسورة في كل من الرباط وسلا والمحمدية، بتهمة
استهلاك المخدرات والتحريض على الدعارة وانتحال صفة أمير لدى أحدهم. وتحت
ضغط المتابعة الإعلامية للجرائد الوطنية والجهوية، ومتابعة الشارع
المراكشي، أصدرت المحكمة الابتدائية بمراكش مساء الأربعاء 08 / 02 / 2006
حكما بسنتين سجنا نافذا في حق متهمين اثنين في الملف المتعلق باستهلاك
المخدرات الصلبة "الكوكايين" وبغرامة مالية تقدر بـ5000 درهم لكل واحد
منهما، كما قضت المحكمة في نفس الملف بستة أشهر سجنا نافذا وغرامة مالية
تقدر بـ2000 درهم في حق متهم ثالث، في حين أدانت الفتاتين بشهرين سجنا
موقوفة التنفيذ وغرامة مالية تقدر بـ2000 درهم لكل واحدة منهما. وقضت
المحكمة أيضا بتأدية المتهمين الخمسة، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20
و25 سن، لغرامة مالية لفائدة إدارة الجمارك تقدر بمليونين و350 ألف درهم.
بنفس الملهى الليلي، تفجرت فضيحة عن طريق ملصق إشهاري يدعو التلميذات إلى
الاستفادة من خدماته كل يوم ثلاثاء بعد منتصف الليل، والدعوة كانت موجهة
لفتيات صغيرات السن لجلب سياح يهتمون بالسياحة الجنسية بهذا الملهى.
الفضيحة وصلت شراراتها إلى المسؤولين في وزارة التربية الوطنية، فتكونت
لجنة موسعة تضم عدة قطاعات مهتمة من أجل فتح تحقيق حول من يروج المنشورات
على أبواب المدارس الثانوية والإعدادية بمدينة مراكش. وأدانت المحكمة
الابتدائية بمراكش أشخاصا اعتبرتهم جماعة منظمة مختصة في اعتراض سبيل
الموكب الملكي لتسليم رسائل للملك، وحكمت عليهم بشهرين حبسا نافذا، وكانت
عناصر الاستعلامات العامة قد ضبطت المتهمين متلبسين وبحوزتهم طلبات شخصية
وأخرى لأفراد من عائلاتهم وأشخاص آخرين للحصول على عمل أو رخص نقل أو
طلبا للمساعدة في أداء مناسك الحج ينوون تسليمها للموكب الملكي، بعد أن
تفرقوا في مناطق متعددة من المدينة والنواحي المحيطة بها. وأقرت الضابطة
القضائية أن أحد المتورطين كان قد استغل مرور الموكب الملكي بمنطقة قريبة
من مراكش وتعقب الموكب الملكي محاولا تسليم رسائل إلى الملك، وهو ما أدى
إلى عرقلة سير الموكب. وتبين بعد إجراء بحث معمق مع المتورطين، على ضوء
المعطيات السابقة وطبيعة المحجوزات وكميتها، وخاصة الرسائل الكثيرة
والمختلفة بأسمائهم وأسماء أخرى غريبة عنهم، والأسلوب الذي يعتمدونه في
محاولة اعتراض سبيل الموكب الملكي، أنهم يكونون جماعة منظمة تنسق بينها
بوسائط متعددة. كما قررت النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بمدينة مراكش
متابعة 14 متهما، بينهم مغربي يحمل الجنسية الفرنسية، متورطين في قضية
شبكة إنتاج أفلام خلاعة وشذوذ جنسي، ووضعهم رهن الاعتقال الاحتياطي
بالسجن المحلي بومهراز. وأفرجت مؤقتا عن ستة معتقلين. في حين تأكد أن
الفرنسي اتش. س. فيرني، المنتج للأشرطة الجنسية، صاحب الموقع الخاص
بأفلام الخلاعة، قد غادر المغرب قبل كشف تفاصيل الملف من طرف "مصلحة
التقنين والاستعلامات العامة" ومهندسي معلوميات بالإدارة العامة للأمن
الوطني. وعند البحث تأكد أن رواد الأستوديو (شقة مفروشة في ملكية سيدة)
هم شباب كانوا يدخلون إلى الشقة على فترات متقطعة من الأسبوع. كما أغلقت
الشرطة في نفس القضية أحد الرياضات (وحدات سياحية) ثبت أنه جرى تصوير
مشاهد خليعة فيها، إضافة إلى رياض آخر في قرية "أوريكا" بضاحية مراكش،
وشقة مفروشة وسط المدينة. كما أن السلطات المختصة عمدت، بتنسيق مع قسم
المعلوميات بالإدارة العامة للأمن الوطني، إلى بث تشويش على الموقع
الإباحي الذي يتضمن صور المغاربة، دون أن تتمكن من إتلافه، نظرا لأنه
مسجل في ملكية شركة فرنسية. وقد توبع في هذا الملف شباب يقطنون في مدينة
مراكش، بينهم تاجر ومساعد تقني وخمسة عاطلين عن العمل ونادل مقهى وتلميذ
وطالب لم يكمل دراسته ومساعد تاجر وعامل في إحدى الشركات. مدة قصيرة بعد
هذه الفضيحة التي اهتز لها الشارع المراكشي، انكشفت فضيحة أخرى حول دعارة
القاصرين في مراكش، والمتهم فيها "سبع نقاشات للحناء" في ساحة جامع الفنا،
ووسيطان في الدعارة، وحارسا أحد الرياضات بالمدينة العتيقة يملكه شخص
فرنسي الجنسية، بعدما كشفت القضية في برنامجا بثته القناة الثالثة
الإسبانية يحمل عنوان" سبعة أيام، سبع ليالي" ويتمحور موضوعه حول دعارة
القاصرين في مراكش، معززا بشهادات مغاربة أكدوا فيها استغلال القاصرين
بمراكش من لدن أجانب. المحكمة الابتدائية بمراكش مرة أخرى وقفت على قضية
مست عمق الإحساس المغربي، فقد قضت وبعد ساعات طوال على المتهمين في قضية
الأفلام الخليعة بأحكام تراوحت ما بين 6 أشهر إلى 6 سنوات، وغرامات مالية
تراوحت قيمتها ما بين ألف و30 ألف درهم، وإغلاق إحدى دور الضيافة نهائيا،
فيما قضت المحكمة ببراءة أربعة متهمين في القضية نفسها كانوا يتابعون في
حالة سراح. وأصدرت المحكمة على المتهم الرئيسي، وهو مغربي من جنسية
فرنسية، حكما وصل إلى ست سنوات حبسا نافذة وغرامة مالية، كما أصدرت على
المتهمين المغاربة عدة أحكام منها: خمس سنوات على الوسيط وأربع سنوات على
شقيقه، وثلاث سنوات نافذة على صاحب الشقة، فيما نال الشواذ وهم أربعة
فاعلين ومفعول بهم سنتين لكل واحد منهم. كما قضت المحكمة بسنة نافذة في
حق أحد المتهمين الذي صور وهو يمارس العادة السرية أمام الكاميرا. فيما
قضت بستة أشهر نافذة في حق متهمين صوروا عراة في قاعات الرياضة. أما
الفرنسيان فقد قضت المحكمة بحبس أحدهما سنة كاملة وسرحت آخر على أن تغلق
دار الضيافة التي يمتلكها نهائيا. ومن أبرز الصور في هذه المحاكمة مطالبة
محامي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمحاكمة المسؤولين عن السياحة في
المغرب، معتبرا أن المتهمين ما هم إلا ضحايا، وأن السياحة الجنسية هي
نتيجة طبيعية للفقر الذي يعيشه المغاربة، و"جري" المغرب إلى استقطاب 10
ملايين سائح في أفق سنة 2010. وطالب المحامون بدرهم رمزي كتعويض. ومن
المفارقات الغريبة، وضمن قضايا دعارة القاصرين، ستعين الحكومة الفرنسية
موظفا مكلفا بمتابعة الجرائم الجنسية للرعايا الفرنسيين بالمغرب، ضمن خطة
أقرتها الحكومة الفرنسية لمكافحة السياحة الجنسية والاستغلال الجنسي
للأطفال في قطاع السياحة. ويعتزم البرنامج تعزيز الإجراءات العقابية
لتقوية أسلوب الردع ضد المستغلين، بحيث كشف وزير السياحة الفرنسي أن
بلاده ستعين موظفا في سفاراتها بالخارج مكلفا بمتابعة قضايا السياحة
الجنسية التي يتورط فيها رعايا فرنسيون. وأعلن الوزير أن الدفعة الأولى
من هؤلاء الموظفين ستشمل بلدان المغرب والبرازيل واندونيسيا وجمهورية
الدومينيكان والسنيغال والتايلاند، وهي بلدان أصبحت تتحول إلى وجهات
مفضلة للسياح الجنسيين المنتهكين لأعراض الأطفال. في السياق نفسه استنكر
فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمراكش، في بيان أصدره، توظيف الشباب
من طرف الأجانب والمغاربة ذوي المصالح الشخصية لترويج أفلام جنسية من أجل
الكسب المادي، داعيا الجهات المسؤولة إلى خلق وتفعيل آليات صارمة لتتبع
ومراقبة المشاريع السياحية، خاصة دور الضيافة التي انتشرت بشكل ملفت
للنظر.
واعتبر الفرع أن التعامل الأمني والزجري غير كافيين لمعالجة الظاهرة، وأن
الأمر يتطلب خلق إطار عمل موحد تشرك فيه جميع مكونات المجتمع المدني
للتصدي للظاهرة. وعلى إثر هذه الفضائح المتتالية، وضغط المجتمع المدني
المتمثل في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، خرج منير الشرايبي والي جهة
مراكش تانسيفت الحوز عن صمته لاحتواء الوضع، واعتبر في ندوة صحفية، أن
وسائل الإعلام "شريك لا محيد عنه" بمختلف مشاربها ومكوناتها، في الجهود
المبذولة من أجل إشعاع المدينة، ملحا على ضرورة احترام القواعد المنظمة
لهذه المهنة الشريفة التي تشكل دعامة كل مجهود تنموي. واقترح الشرايبي أن
يتم خلق تعاون شفاف يتلاءم مع معايير وأخلاقيات المهنة وتقديم الخطاب
الإعلامي الذي تتداخل فيه مواقف متباينة بـ"أمانة"، مؤكدا أن مراكش مدينة
"يسودها الأمن" وأن "السلطات والمنتخبين والمجتمع المدني يسهرون على ألا
يتم تجاوز الحدود المسموح بها".
وأكد في السياق ذاته أن كل خرق أو تجاوز سيتم التصدي له بحزم حتى يتم
ضمان تطور وتنمية القطاع السياحي وجعل المدينة وجهة سياحية مفضلة تستهوي
الزائر بعيدا عن أي ممارسات "مشينة" قد تسيء للقطاع من مخدرات، فساد،
سياحة جنسية، والتي يتعين القضاء عليها بشكل نهائي حفاظا على السمعة التي
تتمتع بها هذه المدينة على المستوى العالمي. وعشية الجمعة 7 أبريل 2006،
اهتزت مراكش على حدث هوليودي، فقد تمكن أربعة شبان، اثنان منهم كانا
يركبان دراجتين ناريتين، حضروا إلى بوابة البنك وانتظر اثنان منهم خروج
المسؤول لتتم سرقة 60 مليون سنتيم، كان أحد المستخدمين يهم بشحنها في
سيارة تابعة لأحد الفروع البنكية بشارع علال الفاسي بعد أن أرغم على
تسليمها تحت تهديد السلاح. وبعد أسبوع، ألقت الشرطة القبض على الشبان
(غير المحترفين)، بعد أن ارتكبوا أخطاء استراتيجية في عملية السطو، وقد
استعملوا دراجات نارية كبيرة غير مستعملة بكثرة بالمدينة. ويبقى الحدث
البارز هو ذاك الفعل المشين، والذي اقترفه شاب، مدمن على حبوب الهلوسة في
منطقة "شويطر" بنواحي مراكش بقتل والدته، حيث أشبعها ضربا دون أن يعلم
أحد لتسلم الروح لباريها، وذنبها أنها رقت لحاله، فباتت معه الليلة في
سرداب المنزل، لتؤنسه في وحدته، لكن يبدو أن حبوب الهلوسة كانت الأقوى
بفعلها في الحد من حياة الأم.
|