في
محكمة الاستئناف بمراكش، الأروقة والقاعات محمومة بحركة المواطنين
المتقاضين أو المحامين والقضاة• منطق المكان ووظيفته تفرض هذه
الحيوية. يحدث أن تلج إحدى الجلسات، فتجد ضمن هيئة المحكمة المكلفة
بالبحث في القضايا سيدات يتحملن مسؤولية القضاء ويساهمن في تحقيق
العدالة بكامل الكفاءة والثقة والإصرار.
ليس
في الأمر جديد، والمشهد لم يعد يصدم المتقاضين أو يفاجئهم ربما يحمل
ذلك علامة امتياز وتقدم ببلادنا التي فتحت مجال القضاء أمام نسائها
منذ فترة طويلة بالشكل الذي أصبح فيه حضورهن لا يستدعي أية ردة فعل
أو موقف سلبي، عكس بعض الدول المعروفة بتاريخها الحافل ورصيدها
الثقافي والحضاري التي لم تسمح بولوج المرأة للقضاء سوى مؤخرا، كما
هو الشأن بالنسبة لمصر، وهو الحدث الذي لم يمر بدون جلبة وضوضاء وغضب...
في
الطابق الأول من استئنافية مراكش، يمتد رواق طويل تتراص على جانبيه
مكاتب القضاة. عدد منها تشغله نساء قاضيات يظهرن منهمكات خلف الملفات
المتراكمة أمامهن. بعضهن يستعد للمداولات والآخريات تنتظرهن جلسة....
مع
الأسف، من الصعب التحدث إليهن، لأن مذكرة تمنع على القضاة الحديث
رسميا لوسائل الإعلام دون إذن مسبق من الوزارة. لا يتوقف الأمر عند
حدود تحمل مسؤولية القضاء، بل منهن من يرأسن بعض الغرف• "نفس القيمة
التي يمكن أن يضيفها القاضي المجد والمجتهد تضيفها كذلك المرأة
القاضية المجدة المجتهدة، فالفرق ليس في الجنس، وإنما في الكفاءة
المهنية والتفاني في العمل والاجتهاد في القيام بالواجب".
هكذا
علق مصدر مقرب من القضاء، والذي اعتبر أن المضاف في ولوج النساء لحقل
العدالة هو تكريس نوع من التفتح والمساواة وإضفاء جانب من خصوصيتها
كامرأة على قضايا ذات طابع دقيق وحساس كملفات الأحداث والأسرة التي
يشهد الجميع على وجود تفهم خاص لطبيعة هذه القضايا من قبل نساء
القضاء، حيث أنهن يتعاملن بمنطق إنساني وليس فقط بالمنظور القانوني
الجاف• "كلنا نلاحظ ذلك التعامل الذي تباشر به القاضية تتبعها لملفات
الأحداث الجانحين، إذ هي لا تكتفي بإحالتهم على مركز حماية الطفولة،
بل تتعقبهم الى هناك لمتابعة حالتهم والاطمئنان على وضعهم وهو نفس
الأداء الذي يلاحظ عليهن في قضايا الأسرة والميراث، حيث يبدو جليا أن
النساء يفتحن قلبهن أكثر وبشفافية أقوى للقاضية وهو ما يكسب بتَهن في
هذه الملفات مصداقية أكبر ترتكز إلى تفهم أعمق للحالات الإنسانية
المطروحة.
بالطبع،
القاضيات يحتفظن بموقع مريح داخل نسيج القضاء حاليا، لكن هل كان
الأمر كذلك من قبل؟ يجيب مصدرنا بالنفي، ففي البداية لم تكن الظاهرة
مستساغة من قبل المجتمع، سواء تعلق الأمر بالمتقاضين أو القضاة
أنفسهم، حيث يقول: "في الستينات كان المغاربة ينكتون بالقضاة الشباب،
كان الواحد منهم يقول: احكم علي اليوم واحد الدري فيرد عليه الآخر:
أنت محظوظ، أما أنا فحكمت علي امرا ."
كان
تندرهم هذا منبثق من اعتيادهم على الجيل السابق من القضاة الذين
كانوا في الغالب فقهاء طاعنين في السن بالعمامة والسلهام، فلم يكونوا
يستسيغوا أن توضع ملفاتهم بين يدي قضاة شباب بلباس عصري وتكوين حديث
أو أمام نساء قاضيات".
لم
يكن هذا الوضع المحرج يقف عند حد المتقاضين، بل تجاوزه إلى القضاة
أنفسهم >ففي تلك الفترة، كان عدد منهم ـ يقول مصدرنا ـ يتحرج كثيرا
من وجود نساء يزاولن نفس المهنة إلى جانبهم، لذلك عانى الجيل الأول
من هؤلاء القاضيات من رفضهم لهن، لكن هذا الوضع زال مع مرور الوقت
وأصبح حضورهن أليفا داخل المحاكم ولم يعد، لا المتقاضون ولا المحامون
ولا حتى القضاة، ينظرون إلى جنس القاضي الذي يبت في الملفات، بقدر ما
ينتبهون أكثر إلى الكفاءة والقدرة على الاجتهاد والتطبيق الجيد
للنصوص القانونية لضمان جودة أكبر في العمل القضائي وتحقيق الحد
الأدنى من فكرة العدالة<• أثناء جولتنا باستئنافية مراكش، كان سؤال
يلح ونحن نتفقد طبيعة حضور المرأة في نسيج قضائنا هو: هل تتكفل
المرأة القاضية بالنظر في مختلف الملفات، سواء كانت جنحية أو جنائية
أو مدنية، أم أن هناك ملفات بعينها هي التي تسند إليها؟ مصدرنا يرى
أن النساء القاضيات لازلن يتحرجن في الاشتراك في القضايا الجنائية
والجنحية، نظرا للتفاصيل الدقيقة التي قد تتضمنها هذه الملفات
كالاغتصاب وهتك العرض والاعتداءات الجنسية، والتي يكون فيها القاضي
مطالبا بأن يصل إلى الحقيقة، سبيله إليها أسئلة محرجة أمام قاعة
مكتظة ومختلطة بالرجال والنساء• لذلك فأغلب هذه القاضيات يسند إليهن
النظر في ملفات مدنية أو متعلقة بقضايا الأسرة والميراث أو الأحداث•
لكن هذا الوضع سيكون مؤقتا لامحالة ورهين بتطور المجتمع وثقافته<•
تساهم المرأة القاضية بفعالية وكفاءة في تحقيق فكرة العدالة وفي
محكمة الاستئناف بمراكش، وعلى غرار باقي محاكم المملكة، فحضورها لا
يتوقف عند القضاء الجالس فقط، بل كذلك في صفوف قضاة النيابة العامة،
ويشهد زملاؤهن الرجال بنزاهتهن واجتهادهن المتواصل وموضوعيتهن في
الأحكام.