تغطية شاملة لقضايا وأخبار جهة مراكش  

بوابة مراكش الأولى باللغة العربية

ناطقة باسم المركز الجهوي للإعلام والتواصل بمراكش

المـــــراكشية
 www. almarrakchia. net

    Almarrakchia         

اتصل بنا

من نحن؟

    

مقالات حول مراكش

  صفحة البداية   أرشيف الأخبار مواقع الصحف المغربية | ملخص الصحافة المغربية بالفرنسية |  قضايا وآراء إعلام وتواصل |

 

الخبر

إصلاح التعليم العالي والإصلاح الشامل في المغرب

مراكش : ابراهيم ياسين ( كلية الآداب - مراكش)
 لقد جاء اختيار موضوع هذا العرض تلبية للدعوة الكريمة التي وجهها لي مشكورا، المكتب المحلى للنقابة الوطنية للتعليم العالي فحاولت أن تكون له علاقة بالمجتمع وبالجامعة وبالنقابة كذلك. وهو محاولة لتقديم أفكار للنقاش حول ارتباط نجاح أو فشل الإصلاح في الجامعة وفي التعليم ككل أيضا، بنجاح الإصلاح الشامل في المجتمع والدولة. وهي أفكار قد تظهر بديهية في الظاهر، ولكنها مع ذلك تعبر عن العطب المزمن في قضية الإصلاح في الماضي والحاضر وتحتاج بسبب ذلك إلى اهتمام أكبر.

  وأريد التنبيه كذلك في هذه المقدمة إلى أن مصطلح الإصلاح هنا لا يطرح كما هو معتاد، في مقابل مصطلح الثورة الذي ظهر في سياق الصراع السياسي الذي عرفه المغرب قبل عقد الثمانينات من القرن العشرين، بل بمعنى السعي القديم والمستمر للتخلص من عوامل التخلف الموروثة عن قرون من الجمود والانحطاط الحضاري العام الذي أصاب المجتمع والدولة في المغرب منذ نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. مع العلم أن المصطلح نفسه لم يقع تقبله في المغرب بسهولة في البداية، حيث لا نعثر عليه فيما كتب خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

 1 ـ جذور فكرة الإصلاح:

                     ـ لقد ارتبطت فكرة الإصلاح ببداية الإحساس بخطر التفوق الأوربي عقب الاصطدام المتكرر بعدد من الدول الأوربية خلال القرن التاسع عشر، وخاصة الهزيمتين العسكريتين أمام فرنسا سنة 1844، وأمام إسبانيا سنة 1859/1860. لكن محاولات الإصلاح لم تتجاوز في تلك الفترة مجال الجيش وما يحتاجه من مال وموظفين، مع المحافظة على العوامل البنيوية التي أنتجت الضعف والهزائم، ومنها التعليم التقليدي، رغم إرسال بعثات للتكوين في الخارج سرعان ما أفشلتها القوى التقليدية المحافظة المهيمنة. وكانت العقدة الرئيسية التي لم يوجد لها حل هي: كيف يمكن الإفلات من الخطر الأوربي عن طريق الاستعانة بأوربا نفسها، فكان الفشل حتميا.

                     ـ وقد أدى فشل الإصلاح من الداخل إلى فرض "الإصلاح" من الخارج؛ وذلك هو معنى الحماية في سياقها الداخلي. أما المعنى الثاني للحماية في سياقها الخارجي، والمتعلق بالسباق بين القوى الاستعمارية التقليدية لاقتسام إفريقيا وغيرها، فلا يهم موضوعنا.

                     ـ لكن"إصلاحات" الحماية مع أنها أنجزت هدف المخزن المغربي بعد ضياع السيادة، في مجالات إخضاع البلاد لسلطة الدولة وتوفير الأمن وزيادة الموارد المالية،  لكنها لم تحقق ما التزمت به في معاهدة الحماية، لأنها ركزت على ما يهم استغلال خيرات البلاد والتحكم فيها كمستعمرة لصالح البلد المستعمر؛ فكان الاستقلال محاولة للعودة إلى الإصلاح من الداخل بيد المغاربة ومن أجلهم، بعد قبول الاستعانة بالخارج.

 

 2 ـ الإصلاح اليوم:

                     وبعد ربع قرن من الاستقلال ظهر ما يكفي من الدلائل على تعثر محاولة الإصلاح بمعناه الشامل من الداخل بسبب اختيار تقوية الدولة على حساب المجتمع، فعادت الدول الغربية الكبرى ذات النفوذ في المغرب والمؤسسات الدولية التابعة لها إلى الضغط من الخارج مرة أخرى لفرض عدد من "الإصلاحات". وتميز ذلك الضغط هذه المرة بأنه لم يكن بحاجة إلى احتلال عسكري مباشر؛ وتحول معنى الإصلاح إلى ما يفيد الاستجابة للمصالح الأساسية لتلك الدول الكبرى وعلى رأس تلك المصالح قضيتان:

                                              ـ ضمان الوفاء بسداد الديون المتراكمة،

                                              ـ وضمان الاستقرار السياسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية.

                                              ـ وبدرجات متفاوتة من التركيز، وُجهت "الإصلاحات" المملاة منذ بداية عقد الثمانينات من القرن العشرين إلى مجالات متعددة أهمها:

                                              ـ تصفية القطاع العام وما سمي بتحرير الاقتصاد عموما.

                                              ـ ومحاولة تخفيف كلفة الإدارة العمومية على الميزانية.

                                              ـ وتقليص تدخل الدولة في المجالات الاجتماعية بما فيها التعليم.

                                              ـ وتطوير مجال الحريات وحقوق الإنسان.

                                              ـ ومجالات الأمن ومحاربة تهريب المخدرات والمهاجرين السريين وما سمي بمحاربة الإرهاب. ومع أن إقرار الحريات وحقوق الإنسان كانت دائما من الأهداف التي ناضل المغاربة من أجلها، فإن باقي "الإصلاحات" المذكورة يدخل ضمن الوصفة العامة المقدمة إلى الدول المتخلفة باسم سيادة "اقتصاد السوق". وهو الاسم المخفف والمفضل اليوم للاقتصاد الرأسمالي.

                     ـ لكن قضية الإصلاح الشامل التي تعني تقوية الدولة والمجتمع لحماية مصالح المغرب من الأخطار الخارجية وتحقيق ما هو ضروري من الشروط لتوفير حياة كريمة لشعبه ما زالت غير محلولة رغم ما تحقق من تراكم في مجالات مختلفة. غير أن الإصلاح اليوم يطرح في ظروف خارجية وداخلية جديدة أكثر تعقيدا.

                     وبرزت معضلة جديدة تتمثل، إضافة إلى قوة التدخل والتوجيه الخارجي، في تناقض برامج الإصلاح المعروضة على المجتمع المغربي، حيث يحاول كل اتجاه أن يستمد من تبني شعار الإصلاح مشروعية لبرنامجه.

                    

3 ـ إصلاح التعليم:           

                       ـ يمكن اعتبار التعليم أهم مجال تتجلى فيه أزمة الإصلاح الشامل للمجتمع والدولة في المغرب.

فرغم أن المغرب حقق أمرين لا جدال فيهما بفضل التعليم منذ نهاية عهد الحماية، وهما مغربة الأطر وتراجع الأمية إلى نسبة 45% غير الكافية، فإن إصلاح التعليم الذي يعتبر أهم مستويات الإصلاح الشامل وأكثرها تعقيدا وتعثرا، لم يحظ بالأولوية التي يستحقها في الوقت المناسب، ولم ينظر إليه دائما كاستثمار منتج، ولم يحركه طموح نهضوي شامل، واستعمل في الغالب كوسيلة وليس كغاية، كمسايرة  مطلب وضغط شعبيين، أو تكوين الأطر لتعويض الأطر الأجنبية ولتسيير ما هو قائم من المؤسسات... كما أن محاولات إصلاحه من وقت لآخر كانت وما زالت تركز على معالجة النتائج السلبية بدل التركيز على الأسباب.

                     ـ وفي مجال التعليم تظهر أعطاب برامج الإصلاح الرسمية المرفوعة في بقية المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لأن ضعف انتشار التعليم كما ونوعا ينعكس سلبا وبالخسارة على جميع المجالات، من تدهور الوضعية الصحية للأغلبية، وكثرة المنازعات أمام القضاء وتأزم العلاقات الأسرية، وتردي وضع المرأة والطفل، وانتشار الرشوة ومظاهر الانحلال، وشراء أصوات الناخبين وكل أنواع التهريب وتجارة الممنوعات والبغاء، وتخريب المرافق العمومية، وتدني مستوى الإنتاج الفردي في الإدارة والاقتصاد... وباختصار فإن ضعف التعليم ينعكس في ضعف الدولة والمجتمع في نهاية الحساب.

 4 ـ إصلاح التعليم العالي:

                     ـ لا يمكن الجدال في أن إصلاح التعليم العالي يشكل مركز الثقل في الإصلاح الشامل للتعليم ككل، وللدولة، وللمجتمع، انطلاقا من أن التعليم العالي الوطني هو القادر مبدئيا على إنتاج الخطط وتوفير الأطر الضرورية لكل تلك المستويات أكثر من غيره.

                     ـ غير أن إصلاح التعليم العالي إذا كان نقطة انطلاق فإنه لا يمكن أن يصل إلى مداه إلا في إطار (وليس بعد) الإصلاح الشامل وليس بعده، لأن الوقت الذي كان يمكن فيه تنظيم مرور الإصلاحات بالتتابع قد فات.

                     ـ وسأقتصر في الحديث في هذا المستوى من التحليل، على تجربة الإصلاح التربوي في كليات الآداب بالخصوص. علما بأن كل ما طرح في مجال إصلاح التعليم العالي لا يهم في الحقيقة إلا الجامعة التقليدية الموروثة عن النظام الفرنسي العتيق، والذي كان يتركب من مثلث الآداب والعلوم والحقوق. كما أن ما سمي بالإصلاح الجامعي ولد محملا بطابع سياسي سلبي، ناتج عن نزوع الدولة للتعامل مع هذه الكليات الثلاث كمجالات لملء وقت أغلبية الطلبة الفائضين عن حاجات المدارس العليا وكليات  الطب والصيدلة والتعليم العالي الخصوصي القائمة على الانتقاء أو الأداء المرتفع.

                     ـ ومع ذلك فإني لست من دعاة مواجهة هذا الجوهر السلبي للإصلاح الجامعي بسلبية رفضوية، لأن موقفا كهذا لن يكون له إلا معنى واحد في الظروف القائمة وهو التشبث باستمرار النظام القديم الذي لم يعد يصلح حتى للمتحف، ولذلك فإن تطوير ما هو متاح في النظام الجديد أفضل من التمسك عمليا بالقديم.

                     ـ وفي هذا السياق، أرى أن النظام الجديد الذي انطلق تطبيقه منذ بداية الموسم الجامعي 2003/2004 يفتح ثلاث إمكانيات للتطور يجب استثمارها إلى أقصى درجة، وهي:

                                  * إمكانية التخلص من سلبيات النظام السابق في الكليات التقليدية الثلاث.

                                  * إمكانية الاستفادة المستمرة من التطورات الإيجابية في مجالات البحث والتكوين في جامعات

                                  العالم المتقدم.

                                * إمكانية الاستجابة لمتطلبات تكوين يناسب المتغيرات الكبرى داخليا وخارجيا في مجالات البحث    والتكوين والتأطير والتأهيل عبر المراجعة المستمرة والتطوير الدائم والتفاعل بين التخصصات والجامعات.  

   ـ لكن السنوات الثلاث التي مرت من عمر تطبيق الإصلاح كشفت كذلك عن  أعطاب رئيسية  لا بد من تجاوزها ومنها بالخصوص ثلاثة تتطلب بدورها المجابهة الحازمة وهي:

                               * ضعف إرادة الدولة في تحمل مسؤولية إنجاح الإصلاح. وفي مقدمة ما يتجلى فيه ذلك حاليا إخلالها بالالتزامات الصريحة بتوفير العدد الكافي من مختلف أنواع المؤطرين الضروريين، وإخلالها بالالتزام بتوفير التجهيزات المادية والتقنية اللازمة. وكان السلك الثالث الجديد المسمى "ماستر" أول ضحايا هذا الإخلال.

                              * سيادة مناخ محافظ لدى مختلف المعنيين (إدارة وأساتذة وطلبة) يؤدي إلى التشبث عمليا بأساليب العمل الموروثة عن النظام القديم، الأمر الذي جعل الإصلاح في الواقع يقتصر على الجانب الشكلي، أما المضمون فهو استمرار في كثير من الحالات للنظام القديم.

* القصور العام للتعليم ما قبل الجامعي عن تأهيل أغلبية التلاميذ حاملي الباكلوريا لولوج الكليات والمدارس العليا العلمية والتكنولوجية والاقتصادية ذات التكوين الأكثر استجابة لطلب التشغيل، يضاف إلى ذلك ضعف طاقة هذه الأخيرة عن استيعاب العدد المتزايد من الراغبين في ولوجها، ويعتبر ذلك في نهاية التحليل نتيجة للسياسة العامة للدولة. فتكون النتيجة تدفق أعداد هائلة من الطلبة الذين سدت في وجوههم كل الأبواب على كليات الآداب والحقوق والعلوم، أحيانا لمجرد الحصول على نصف ما يسمى منحة، مما يمنع هذه الكليات من أية إمكانية للتحكم في توجيه الطلبة إلى اختيارات تناسب مؤهلاتهم الفعلية.

 

                     ـ وهكذا فإن نجاح أو فشل إصلاح التعليم العالي يتوقف في المدى القريب على قدرة الأطراف الثلاثة المعنية (الإدارة والأساتذة والطلبة) على مراجعة مستمرة لمواقفها مراجعة نقدية تتخلى في هذا المجال عن التهرب من كل مسؤولية.       وفي هذا الإطار من واجب النقابة الوطنية للتعليم العالي أن تتحمل مسؤولية أكبر، وذلك بالتخفيف من طغيان الطابع المطلبي النقابي الضيق، والانفتاح على دورها الأساسي الذي يجب أن يعكس مكانة الجامعة وأساتذة الجامعة في المجتمع، كمساهم في بلورة الاختيارات الإصلاحية الكبرى التي يتوقف عليها مستقبل المغرب، وعلى رأسها اليوم إنجاح إصلاح الجامعة.

                     ـ إن ما يصدق على القضايا الوطنية الكبرى مثل الوحدة الترابية ووحدة الهوية وقضية النهضة النسائية وقضية الديمقراطية يصدق كذلك على مجال إصلاح التعليم، بمعنى أنه أكبر من أن يكون مجرد أداة في صراع أوسلاح  للمنافسة وتسجيل النقط.

 

                                                                                                                     الأستاذ إبراهيم ياسين

 

www.almarrakchia.net - All rights reserved  2005- ©- موقع المراكشية - جميع الحقوق محفوظة 2005