بحث متقدم 

بوابة العالم على مراكش

  • المركز الجهوي للإعلام  بمراكش

  • centre regional de presse / marrakech

al marrakchia

portail de l univers

 

اتصل بنا

من نحن

 آخر تحديث : الثلاثاء 14/6/2005    

 

ما رأيك؟
ناقش هذا الموضوع

لماذا لم تنفع لحد الآن ضغوطات المجتمع المدني في إرغام رئاسة المجلس الجماعي دون تنفيذ هدم دار البارود

تقارير

 

صراع المحافظين والمتنورين حول الانتقال من الجامع اليوسفي إلى دار البارود

 

 أثيرت في الآونة الأخيرة ـ في أوساط المهتمين بالثقافة والشأن العام بمراكش ـ قضية علاقة جامعة ابن يوسف بدار البارود وتجاذب الناس فيها أطراف الحديث والذي أثار هذه القضية وأخرجها إلى حيز التداول رواج الأنباء القائلة بنقل ثانوية ابن يوسف من موقعها الحالي بشارع محمد الخامس بجوار المنار الكتبي إلى جهة أخرى نظرا لأن مصلحة المدينة وجماليتها حسب الجماعيين من أهل الحل والعقد اقتضت دك دار البارود وضمها إلى الفضاء الأخضر الذي يوشي مجال الكتبية ويزينه

 

 تاريخ الجامعة اليوسفية حديثه ومعاصر

أقام لبنته الأساسية ابن عثمان بمصنفه "الجامعية اليوسفية في تسعمائة سنة". وأعلت صرحه موسوعة العلامة محمد بن إبراهيم الطعارجي "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام"  و"السعادة الأبدية" لمحمد بن الموقت . وأخذت اليوم أقلام معاصرة من الأبناء البررة لهذه الجامعة تعمل من أجل التعريف بهذه المعلمة فظهر الجزء الأول من "الثورة الخامسة" للفرقاني محمد الحبيب التي تضمنت معلومات قيمة عن تاريخ الحركة الوطنية في أحضان الجامعة اليوسفية، إَضافة إلى مذكرات أخرى وتاريخ شفوي حول هذه الكلية يدور في مناسبات شتى على ألسنة العلماء والشيوخ وهو بحاجة إلى التدوين

للإشارة فالجامعة اليوسفية موضوع الحديث هنا لم تعد تحتوي سنة 1959 سوى على مستويين: ابتدائي وثانوي أما التعليم العالي فقد اجتث منها بصفة نهائية ليظهر في لبوس جديد ابتداء من 1963 في شكل كلية اللغة العربية التي ستقطع الصلة بابن يوسف لتصبح تابعة لجامعة القرويين وستبقى دار البارود حاملة لثانوية في الوثائق الرسمية للوزارة وجامعة في الوثائق التربوية والإدارية المحلية. كما أنها ستبقى فردوسا ضائعا وحلما قد يأتي أو لا يأتي في أذهان سلف لا يزال البعض منهم منتشيا بقشته

من الجامع اليوسفي إلى دار البارود

 في ضحى يوم خريفي من سنة 1959 هب طاقم من إدارة الجامعة إلى المسجد اليوسفي يزفون إلى الطلبة والمشايخ بشرى عزيزة استقبلوا فيها سنتهم الجديدة . طلبوا من الأساتذة وقف الدروس، ومن الطلبة الرسميين خاصة المتحلقين حول أولئك الشيوخ أن يصطفوا مثنى مثنى لمغادرة المسجد والتوجه إلى المؤسسة الجديدة دار البارود.خرجنا من الباب الغربي لمسجد ابن يوسف في صفوف متراصة تاركين وراءنا المستمعين الأحرار من الصناع والحرفيين والتجار وآخرين متناثرين في المسجد، شاهدين على نهاية الحلقات والمجالسات. ومن تم لن يبقى للجامع العتيق سوى دوره الديني البحث المتمثل في إقامة الصلوات وشيء من دروس الوعظ والإرشاد وأيضا ذلك الصرح الديني والحضاري بموقعه وأعمدته وأروقته وبلاطاته وكل أشيائه التي تحكي عن قرابة تسعة قرون من الإشعاع الديني والثقافي والوطني

وما إن أزفنا من مدخل دار البارود، واسمها يحيل الوضع على وظيفتها الأولى، الجامعة اليوسفية في لبوسها الجديد حتى ارتدت بي الذاكرة إلى سنة خلت 1958 زمان الدراسة في المدرسة العبدلاوية الحرة حيث في يوم من الأيام اصطحبنا مديرها العالم المناضل سيدي عبد لكريم الزمراني في رحلة دراسية قصد التعرف على بعض مآثر الدولة العلوية بمدينة مراكش . توقفنا عند محطات مختلفة من الآثار العمرانية للمدينة. وقبل وصولنا إلى دار البارود، انعطف بنا نحو مسجد الكتبية وفي صحنه تحلقنا حوله مستظلين بشجرة أرنج وبصوته الهادئ قال: قبل الوقوف عند دار البارود، ارتأيت أن أعرج بكم على هذا المسجد العتيق لأن دار البارود به علاقة حميمية. لكن قبل الحديث عن تلك العلاقة ماذا تعرفون عن الكتبية ومسجدها.؟

تولى الإجابة عن هذا السؤال تلميذ نجيب سرد عن ظهر قلب مآثر الموحدين في المغرب العربي  والأندلس وقارن بين المنارالكتبي وحسان والخيرالدة.

اتخذ سيدي عبد الكبير من جواب  التلميذ فرشا تمهيديا وعقب بأن بعض المآثر لا تمثل  ذاكرة دولة بعينها فقد تصبح ظرفا ومكانا لذاكرة دولة أخرى لاحقة وبذلك تؤول إلى ذاكرة مركبة أو كثيفة . وهذا ما يصدق على هذا المسجد. فإذا كان موحدي

 البناء، فإنه بعد نحو من ستة  قرون وبالضبط في سنة 1271هـ سيعرف صحنه هذا الذي نقف عليه يوما مشهودا في تاريخ  المغرب عامة

 ومراكش بصفة  خاصة. فيه بويع سيدي محمد بن  عبد الله. استمعوا إلى هذا النص الذي يقول فيه المؤرخ  الضعيف،وفتح المصدر الذي كان يتأبطه " بويع لسيدي محمد بن عبد الله بجامع الكتبيين تحت شجرة أرنج بصحن المسجد بمحضر الأشراف والعلماء والأعيان وقواد الجند وأبطال القبائل. وبعد انتهاء البيعة تهافت الجميع على تقبيل راحتيه وتقديم مراسيم التعزية في والده والتهنئة بالسلطة، فقابل الجميع بصدر رحب وواسى الضعفاء والمساكين ووصل الأشراف والعلماء وبذل في ذلك أموالا طائلة......."

وأغلق الفقيه المصدر وقال: ماذا تعني البيعة في هذا الصحن تحت هذه الشجرة أو تلك، إنها تعني أن العاصمة قد انتقلت من فاس إلى مراكش. ولما أيقن أهل فاس أن كرسي الملك آل إلى مراكش أسفوا وتأثروا لذلك ومن حقهم أن يتأثروا فحب المدينة والتفاني في خدمتها والتعلق بها والاعتزاز بالانتماء إليها ومن خلالها بالوطن كله من الإيمان. لقد بعث أهل فاس إلى جلالة السلطان سيدي محمد بن عبد الله بوفد يتكون من العلماء والأشراف والأعيان والوجهاء.

 وفتح الفقيه سيدي عبد الكبير المصدر الثاني الذي كان معه في هذه الخرجة وقرأ: جاء في الإتحاف لمؤرخ الدولة العلوية ابن زيدان :" ولما علم أهل فاس بحلوله (السلطان ) بالحضرة المراكشية أوفدوا إليه جماعة من أعيانهم يستعطفونه في الأوبة للعاصمة الفاسية واتخاذها محل استقرار ومقامته. فلاطفهم وقرر أنه لا يمكنه المقام بأرض واحدة وأنه يلزمه التطوف على سائر إيالته والمكث بكل عاصمة من عواصمه مدة لائقة يتيسر لأهلها ملفاتها ملاقاته ورفع كل ما يهمهم إليه بدون أدنى مشقة تلحقهم، وردهم ردا جميلا"

 وأغلق المصدر وعلق: قبل مجيء السلطان سيدي محمد بن عبد الله كانت مراكش بنهاية حكم المنصور الذهبي تسير تدريجيا نحو الانحطاط والخراب إلى أن آلت في منتصف القرن الثالث عشر إلى كومة من الأنقاض و الأزبال حسب مؤرخ المدينة القاضي عباس بن إبراهيم الطعارجي. ومع إمارة وملك سيدي محمد بن عبد الله ستشيد بالمدينة منشآت دينية وعمرانية و ستأخذ مراكش زينتها وبهجتها. وعلى سبيل المثال فالبساتين التي ترون بمقربة من هذا المسجد الكتبي ـ يستطرد سيدي عبد الكبير ـ كلها من تخطيطه وغرسه. كان رحمه الله كلما بلغ أحد أبنائه الحكم زوجه ووهب له مسكنا رائعا خارج القصبة وأحاطه بالبساتين والجنان. وعرصات أبنائه لا تزال لحد الساعة حاملة لأسمائهم : عرصة المامونية، عرصة مولاي عبد السلام، عرصة م موسى، عرصة م حسن

 دار البارود رمز للقوة والتحدي

  خرجنا من مسجد الكتبية واتجهنا نحو دار البارود التي تقع على بعد خطوات منه وبمجرد ما وقفنا ببابها تهلل وجه سيدي عبد الكبير وتلا " إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا " بالأمس القريب إبان الاستعمار الغاشم لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من مدخل الثكنة العسكرية المواجهة للمدينة، تقف في وجهها مامعة متسلطة حائلة بينها وبين فيلات الأوروبيين خارج السور. لكن قبل هذا العهد بناها سيدي محمد بن عبد الله ودعيت بدار البارود والمقصود بالدار هنا المصنع على غرار دار السلاح أي مصنع السلاح ودار السكة . فدار البارود مندرجة في قضايا الصناعات الحربية في عهد السلطان المذكور وهي رمز القوة والتحدي تذكر بما وصلته الدولة العلوية في عهد السلطان من مناعة ومهابة. وفتح المصدر وقرأ:" فنال المولى عبد السلام نجل سيدي محمد بن عبد الله في كتابه درة السلوك في مآثر أبيه.ولما استلم سيدي محمد بن عبد الله زمام الملك كان من بين ما تشوقت إليه همته الكبرى إحياء أسطول أبيه المولى عبد الله وجده المولى إسماعيل لأنه ألفاه أضمحل وتنوسي ما كان له الشهرة والنفوذ وتعطل ما كان يستفاد منه من المداخيل والمحاصيل...... وقد انضم لذلك التشوف الملوكي إرشاد بعض علماء عصره بمسطور كبير ومنشور شهير يحثه فيه على إحياء سبيل المتعة وإعداد معداتها البحرية التي لا يستقيم تلك إلا بها وأن يسلك في ذلك سبيل والده المقدس وجده الأكبر فيما كان لهما من هذا العمل العظيم العائد بالنفع العميم من حراسة الوطن وعمارة بيت المال وقهر الأعداء الألداء"

 أغلق الفقيه المصدر وقال من خلال ما شاهدنا وسمعنا استنتجتم أن عهد سيدي محمد بن عبد الله كان عهد يمن نعم من خلاله ساكنة المغرب في المدن والسهول والجبال والصحاري بالأمن والسلام وخلاله انصرف الجميع للبناء والعمل بعد اضطرابات أتت على النسل والحرث. لقد حصد المغاربة في زمانه نتائج مجهوداتهم البناءة ورمموا آثار الدمار والخراب وقد استفادت مراكش من الحب والعطف اللذين كان سيدي محمد بن عبد الله يكنهما لها. ثم حذق سيدي عبد الكبير في تلميذه لعله كان يشم فيه ملامح الوصول إلى مركز ما وقال من خلاله إلى أمثاله ولنا جميعا: بمثل هذا التعلق والتفاني ونكران الذات نريد منكم أن تفتحوا قلوبكم لخدمة مدينتكم ووطنكم عامة ولا أرغب مطلقا أن أرى من بينكم من يخون ويكذب. ومن تكون همته فيما يدخل في بطنه سيكون شخصية نذلة... وسكت عن الكلام وغابت صورته من الذاكرة التي أفرغت حمولتها عن الموضوع في علاقته بالزمن والمكان. فاستفقت من شرودي على همز بواب المؤسسة الجديدة الذي صاح بي أدخل بسرعة ليس هناك ما يخشى منه. لقد ولى زمان لاليجو وساليكان

صدمة الحضارة والبحث عن التكيف مع الحداثة

 دخلنا من الباب الشرقي المهيب للثكنة العسكرية سابقا، المؤسسة العلمية والتربوية الجديدة. عنابر نوم الجنود ومخازن الأسلحة والذخيرة المستطيلة الممتدة انقلبت أقساما ملأت أرضيتها صفوف من الطاولات يتصدرها مكتب وكرسي سمرت خلفهما سبورة سوداء. رائحة الصباغة والخشب تشيان بحداثة الترميم وطرافة التجهيز.

  في البدء جلسنا اثنين في الطاولة لكن ثلث الحلقة العلمية التي ننتمي إليها ظلوا وقوفا.  لقد استعصى على الشكل المستطيل للأقسام رغم طوله استيعاب الحلقة نصف الدائرية للمسجد فكان لا بد من أن ينوء كل مقعد بثقل ثلاثة طلبة وأن يعاني كل جالس من مضايقة الخشب ومزاحمة الأجسام

ولم تكن علاقة الأساتذة بأشيائهم بأحسن حال من وضعية الطلبة بطاولاتهم، فجلوسهم على كرسي وأمام مكتب في مستوى واحد مع الطاولات يجعلهم لا يتجاوبون ولا يراقبون سوى الطلبة الأماميين أما بقية الصفوف فتمتد داخل دهليز عميق أشبه ما يكون بقبو منه بقسم، فكانت منفلتة من قبضتهم ولهذا اجتهد كل أستاذ في أسلوب السيطرة على هذا الفضاء، فاقتضى نظر أستاذ الفقه والتفسير إسناد المكتب إلى الحائط ووضع اللبدة عليه وخلع نعليه والجلوس عليه جلسته على المنبر موليا ظهره إلى السبورة مفتتحا درسه بالحمدلة والصلاة على النبي ص مختتما نصابه بالدعاء وارتفاع ذوينا بآمين، وفئة أخرى من الأساتذة كانت تترك المكتب وراءها وتلقي درسها حتى إذا أعياها الوقوف جلست عليه وثالثة مرنة كان لها عهد بالدراسة أو التدريس بالمدارس الحرة وندرج ضمنها أعضاء البعثة التعليمية العربية فهؤلاء وأولئك تعاملوا مع القاعة تعامل الممثل مع الخشبة فتراهم في حصصهم مراوحين بين المشي أماما أو بين الصفوف حاتين الخطى أحيانا إن ابتعدوا عن السبورة لكتابة عنوان أو تسجيل فكرة رئيسية أو ثانوية مشيرين إلى هذا أو ذاك لاختبار مدى استيعاب الحضور لما يلقى عليهم أو عدم فهمهم له

 ولم يرتح لهذا الوضع الجديد كل الارتياح سوى أساتذة الفرنسية الشباب الذين كانوا في حيرة من أمرهم أيام كانوا في المساجد ببذلتهم الأنيقة وربطة العنق وقوفا على الحصير بلا أحدية محاصرين بين المنبر والحلقة الطلابية

فلما تكيف الجميع أساتذة وطلبة وإداريين مع فضاء المؤسسة الجديدة وأخذت الدراسة سيرها العادي أتت مناسبة التدشين فدعينا إلى الساحة الأمامية للإدارة للاستماع إلى الكلمة البليغة التي ألقاها وزير التاج آنذاك المرحوم المختار السوسي والتي نسجها حول الثنائية الضدية لوظيفة المكان ـ دار البارود ـ بين الأمس و اليوم، بين الأداة القمعية التي سلطت على ساكنة مراكش ردحا من الزمان وما آل إليه الأمر حيث أصبحت مؤسسة قائمة على نشر العلم وتبديد ظلمات الجهل والمساهمة في نهضة البلاد

كان المرحوم الرئيس الرحالي الفاروقي إلى جانب الوزير وأعضاء المجلس العلمي خلفهما وهم الأساتذة المشمولون بعفو الله: الهاشمي بنميرة والمهدي حاتم وعبد الوهاب الصحراوي وعبد السلام المسفيوي والحسن الزهراوي الذي كان يشغل آنذاك خليفة الرئيس والذي كان يهز رأسه إشارة لحسن الاستماع حيث كانت تعلو وجهه سمرة مشوبة بالصفرة يحمل مظهره وملامحه ذاكرة زاخرة بما كابد جيله وعاني في سبيل المجد العلمي الذي انتهى إليه.

بين المحافظين والمتنورين حول المقر الجديد

لما أذن الله ببزوغ فجر الحرية والاستقلال وتولي عهد الحجر وطغيان الأجنبي انتهى أمر دار البارود بمراكش ابتداء من خريف 1959 إلى مؤسسة تربوية احتضنت التعليم الثانوي لجامعة ابن يوسف بسلكيه وظل الابتدائي بمسجد الكتبية. وللعلم فإن هذين المستويين هما ما تبقى آنذاك من مكونات جامعة ابن يوسف أما تعليمها العالي الخاص بها فقد عفا عليه الزمن وبقي رئيس الجامعة اليوسسفية مقتنعا بما قدر الله وقضى

إن الانتقال من الجامع اليوسفي إلى دار البارود لم يات عفوا وصدفة بل عرفت الجامعة اليوسفية بينهما حركة احتدت بمرور الأيام بين المحافظين من الأساتذة والمتنورين منهم ومن الطلبة. فخلال سنة 1958 كان لطلبة الجامعة اليوسفية ودادية منضوية تحت لواء طلبة المغرب المرتيط بحزب الاستقلال وخلال هذه الفترة رفع الطلبة ملتمسا إلى الدوائر التعليمية العليا يطالبون فيه من خلال الثلاثية: التوحيد والمغربة والتعريب بالتفكير في إدخال مجموعة من الإصلاحات على النظام التعليمي في جامعة ابن يوسف من بين تلك الاقتراحات:

ـ إدراج المواد العلمية الدقيقة في مقررات جامعة ابن يوسف إلى جانب العلوم الشرعية واللغوية. وهذه العلوم العصرية المرجوة هي الرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا وكل ما له علاقة بالحداثة بمافي ذلك الفلسفة

ـ إسناد هذه المواد إلى كفاءات مؤهلة علميا تجمع بين الاختصاص والبيداغوجية ـ توفير المختبرات وتجهيزها بالأدوات والمواد التي يحتاج إليها في التوضيح وإجراء التجارب والدروس التطبيقية

ـ إدخال اللغات الحية ضمن مقررات الجامعة وخاصة الإنجليزية والفرنسية

ـ توفير مكان مناسب للجامعة اليوسفية يتوفر على جميع الشروط الصحية والتربوية التي لا بد منها لأي فضاء تربوي تعليمي ويأخذ بعين الاعتبار حاجيات المقيمين والآفاقيين من طلبة الجامعة

ففيمل يخص هذه النقطة الأخيرة التي تعنينا لوحظ أن المسجد اليوسفي مقر الجامعة اليوسفية غصت رحابه بعد الاستقلال بأفواج من الطلبة الذين توافدوا للدراسة فيه من الابتدائي التابع للجامعة اليوسفية والمدارس الحرة والحكومية ومن ثم أصبح المسجد اليوسفي لا يتسع لهذه الأعداد القادمة إليه من كل حدب وصوب مما اضطر الإدارة إلى استغلال مساجد أخرى بالمدينة إلى جانب اكتراء الدور والرياضات ومن ثم ابتدأ تلويح بعض الأساتذة بضرورة التفكير في توفير مؤسسة تربوية بمواصفات عصرية. كانت بداية هذه المبادرة تسير بحسب طبيعة الأمور بسيطة إلا أنها لم تلبث أن تصعدت واقتنع بها المزيد من الأساتذة وتحمست لها ودادية الطلبة منذ انطلاقتها الأولى فاحتد النقاش بل الصراع مع المحافظين الذين يرون أن المكان الطبيعي لتلقي العلم هو المسجد ففيه درسوا ومنه تخرجوا وينبغي استصحاب الحال إلى الوقت الراهن ولن يصلح أمر هذا التعليم في نظرهم إلا بما صلح به أوله. أسفر هذا الصراع عن تبديع المحافظين لبعض الأساتذة وتفسيقهم وتجاوز الحد إلى رميهم بالإلحاد واتهم بعض الطلبة بالمروق وتعاطي السياسة التي اعتبروها القانون آنذاك من بين الموبقات فحظرها على الأساتذة والطلبة

وأخيرا حسم الأمر ورفعت الكلفة بنقل الجامعة إلى ثكنة دار البارود إلى حين  تشيد الجامعة التي دشنها المغفور له محمد الخامس بموقع في الدوديات كان تصميمها يزين الجدارالخلفي لمكتب الرئيس وكلما استدعي طالب إلى مكتبه أخذ بجمالية التصميم وأخذ يحلم بما ستكون عليه الجامعة التي يدرس فيها وشرد عما يوجه إليه من توبيخ وهذه هي القاعدة أو تشجيع في حالة الاستثناء. بيد ان توالي الأيام وتعاقب السنين أحال لون التصميم الحلم وأبلاه ليتسلل النسيان بعد ذلك إلى الذاكرة وكما قال شوقي : اختلاف الليل والنهار ينسي

الجامعة مؤسسة تربوية ذات أهداف وبرامج محددة

 إن مفهوم الجامعة يعني مؤسسة تربوية يجري بين أحضانها تعليم من مستوى عال له أهدافه وقوانينه المنظمة له وبرامجه وأساتذته وطاقمه الإداري وهموم بحث لها علاقة بالمحيط تفهمه وتعمل على توجيهه وتحسينه والاستفادة منه، تنتج المعرفة ولا تجترها. وهذه الفعالية الجامعية المراوحة بين الدراسة والتدريس والبحث تجري في مكان في مستوى الأهداف والغايات المتدخلة في التعليم العالي، والأمكنة أحيانا تتغير ولكن المؤسسة ثابتة يتطور مضمونها تبعا لتغير الظروف والملابسات والتوجهات. ولنا في مؤسسة جامعة

 القرويين خير مثال فلقد عرفت منذ تأسيسها فضاءات مختلفة من مسجد القرويين إلى الشراردة فظهر المهراز بفاس وأصول الدين بتطوان وكلية اللغة بمراكش وكلية الشريعة بأكادير.

إن السؤال المطروح هو هل مفهوم الجامعة ينطبق اليوم على ابن يوسف الثانوية ؟ وهل كانت دار البارود في يوم من الأيام بنية من بنى التعليم العالي ؟

لقد زالت الجامعة اليوسفية منذ زمان، من يوم ما اقتطع منها تعليمها العالي بشعبتيه الأدبية والشرعية ومن ثم تراجع هذا الاسم وتقلص ليستقر في التعليم الثانوي الذي ظل مستواه يتراجع إلى أن انتهى اليوم إلى ملجأ إنقاذ يلجه معظم من تردت معدلاته وانحطت، وسدت في وجهه أبواب الثانوي الآخر بجميع شعبه. ولم يبق أسم الجامعة كمؤسسة يدور إلا باعتبار ما كان على ألسنة جيل الثلاثينيات والأربعينيات وردح من الخمسينيات ولهم الحق في الاعتزاز بالانتماء إلى تلك الجامعة والتشبت بها وسيظل ذلك الجيل يحلم بجمالية جامعته اليوسفية التي قضى فيها جزء من شبابه وقد يطالب بذلك الذي يأتي ولا يأتي