بحث متقدم 

بوابة العالم على مراكش

  • المركز الجهوي للإعلام  بمراكش

  • centre regional de presse / marrakech

al marrakchia

portail de l univers

 

اتصل بنا

من نحن

    

 

 
إعلام واتصال

نصوص مختارة:

عولمة الاتصال بين الرؤيتين الوضعية والمعيارية

   

محمد بن جدية  جامعة مستغانم

إن الإنسان كائن اتصالي حيث لا يتأسس مفهوم الحياة الاجتماعية إلا بالاتصال فالعلاقة طردية بين تاريخ البشرية وتطور وسائل الاتصال بين الأفراد والجماعات من الحمام الزاجل إلى الانترنيت لهذا كان الاتصال دوما وراء كل وفاق وصراع بين البشر. "إن ما يؤكد مركزية الاتصال في حياتنا المعاصرة هو ذلك الاهتمام المتنامي الذي تحضى به قضاياه في الفكر الفلسفي والتنظير الثقافي المعاصر فلم يترك الاعلام ووسائله الالكترونية مجالا إلا وقد اكتسحته وكما لقب أرسطو قديما انتزع والت ديزني لقب المعلم الأعظم"1 ومع ظهور كل تكنولوجيا جديدة فمن الطبيعي أن تنطلق كل تلك الوعود المسرفة في التفاؤل تغازل وتدغدغ أحلام الضعفاء والفقراء.
إن النفوذ الذي يتمتع به الإعلام لم يعد خافيا على أحد، سواء أكانت حكومات أم شعوب بل لم يعد هناك شك في فاعليته وأهميته فالمدى الذي يبلغه والسرعة التي ينقل بها رسائله شاهد على ذلك ولا عجب في ذلك فقد زادت ثورة الاتصالات الحديثة من تأثير رسائله ونفوذه ووسائله حتى على مستوى السياسات الداخلية للدولة ناهيك عن مجالات السياسة الخارجية فلقد استطاع الإعلام في هذا العصر الذي هو للعولمة أن يجبر الدول وحكوماتها على الاهتمام بمشكلات ظلت بعيدة عن دائرة اهتماماتها كقضايا حقوق الإنسان ومشاكل الأقليات والتمييز العنصري وكذلك استطاع الإعلام بوسائله التي تتخطى كل الحدود أن يعمل على تحويل كل المجتمعات والبيئات الداخلية للدول إلى مجتمعات وبيئات عالمية وهو أمر أثر في السياسات الداخلية وصانعيها في الدول المختلفة فلم تعد قراراتهم ومواقفهم وتصرفاتهم خافية على عيون الإعلام وحتى عندما تستحكم الأزمات والمشكلات الداخلية يتجه الناس إليه ليتعرفوا على ما يدور في بلادهم ولقد أصبح الإعلام يكفل محيطا ثقافيا واسعا ونظرة أشمل إلى العالم وعمقا في الاتصال الإنساني فأستقطب بذلك الملايين عبر رسائله المبسطة في عالم مليء بالتعقيدات فكان الاندفاع وراء رسائله وبخاصة التلفزيون أمرا شكل حافزا للشعوب لكي تضغط من أجل التغيير وزيادة على ذلك فإن الإعلام في عصر العولمة استطاع أن يعيد تشكيل العالم في صورة محسوسة بعد أن سيطرت رسائله على الزمان والمكان وصار بإمكان المشاهد أن يجد نفسه في أي نقطة في العالم والزمن ليكشف للإنسان أن العالم المترامي الأطراف يمكن أن تختصر فيه المسافات والفوارق الزمنية ليصير كرة معلوماتية بعد أن كان في مرحلة سابقة قرية إلكترونية.
من هنا تطرح هذه الورقة الانشغال الآتي : إلى أي مدى يمكن للأشكال المختلفة لظاهرة عولمة وسائل الإعلام والاتصال أن تساهم فيما يتداوله البعض بالتجانس الثقافي والبعض الأخر بأمركة العالم. أو تلك الاستعارة السخيفة التي يحلو للكثير ترديدها والمتمثلة في مفهوم الفرية الكونية التي ابتكرها مارشال ماك لوهان.
فهل نحن أمام جبرية عالمية لا مفر منها أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد "مشهد إعلامي رومانتيكي خادع زائف وقد توثقت عراه في هيئة قرية صغيرة يسودها الوئام تجمع بين أهلها ألفة الأسرة الواحدة بينما الهدف الحقيقي هو عولمة الإعلام والاقتصاد ليس إلا".2
تناقضات الإعلام الحديث :
الإعلام الحديث كغيره من شؤون العصر بات في مفترق الطرق فعلى الرغم من تراثه التقني وأهميته السياسية والاقتصادية والثقافية ما زال تنظيره تائها يتأرجح بين العلوم الإنسانية ونظريات المعلومات والاتصالات.
"إن حيرته تكمن في تراوحه بين رسالة الإعلام وهوى الإعلام،بين مراعاة مصالح الحكام والحرص على مصلحة المحكومين، ما بين غايات التنمية الاجتماعية ومطامع القوى الاقتصادية والتي تعطي الأولوية للإعلام الترفيهي التجاري لا التنموي وهل هناك تناقض أكثر حدة وسخرية بين ما يدعيه الإعلام من كونه أداة للترفيه والترويح عن النفس وما تثيره من عنف ترفيهي وفزع معنوي وفي حين ينتظر منه أن يكون وسيلة للترابط الاجتماعي والوفاق العالمي نجده قد أستخدم من اجل إشاعة التعصب والعصبية والتفرقة الطبقية والعنصرية وتنمية نزعات الكره تجاه الآخرين، أجانب كانوا أم أصحاب فكر مناهض"3.
وهنا يطرح الإشكال الآتي : كيف يمكن تصور مستقبل النظام الإعلامي العربي في ظل عولمة الإعلام ؟ ثمة إشكالية تواجه النظام الإعلامي العربي على جميع المستويات، يظهر هذا من خلال الفاعلين السياسيين الجدد في النظام الإعلامي العربي وهم الدولة ومنظمات وشركات القطاع الخاص ومنظمات العمل الإعلامي العربي المشترك وفاعلية المجتمع المدني بالإضافة إلى فاعل آخر يتمثل في الشركات الإعلامية المتعددة الجنسيات.
إشكالية تقلص دور الدولة :
تتعلق هذه الإشكالية بأنماط تفاعل واستجابة الدول العربية بكل مؤسساتها وخاصة الإعلامية لعولمة الإعلام حيث أن البعد التكنولوجي في عولمة الإعلام قد فرض ولازال تحديات على الدولة الوطنية العربية، حيث أسقط تحكم الدول في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني وأصبحت ملكية وإدارة الإذاعة والتلفزيون لا تؤمن باحتكار الدولة لها في المقابل لا توفر ثروة تكنولوجيا الاتصال والإعلام حتى الآن البدائل في مجال الصحافة والمطبوعات واسعة الانتشار ورخيصة تتجاوز سلطة الدولة،مقارنة بالبث الإذاعي والتلفزيوني ومع ذلك لم تستطع الدولة منع الصحافة والمطبوعات الواردة من الخارج ويزداد تقلص الدولة على المراقبة والمنع بالنسبة لفئات وشرائح من الأفراد والجماهير القادرين ماديا وتعليميا على استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة وشبكة الأنترنيت. ويقود هذا الوضع إلى حدوث تغير أساسي في أدوار ووزن النظام الإعلامي العربي ومن المرجح أن يكون هذا التغير في غير صالح الدول الوطنية في الوطن العربي، فتحرم الدولة من مكانتها ودورها كفاعل رئيسي مهم ويفتح المجال لفاعلين جدد.
إشكالية تنامي الدور المباشر للشركات المتعددة الجنسيات :
لقد كانت الدول العربية في مرحلة ما قبل العولمة قادرة على الضبط أو التحكم في أدوار الفاعلين في النظام الإعلامي العربي، وهم منظمات العمل الإعلامي العربي المشترك ومنظمات القطاع الخاص وفاعلي المجتمع المدني أما في مرحلة العولمة فإن قدرة الدول على الضبط أو التحكم ستتقلص خاصة مع ظهور الشركات المتعددة الجنسيات كفاعل جديد، حيث أنه يتمتع بقدرات مالية وتكنولوجية هائلة من خلالها يستطيع التأثير بقوة على تدفق المعلومات وترويج المضامين الإعلامية والترفيهية وقد قامت هذه الشركات بعقد اتفاقيات مع الدول العربية في جميع مجالات الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحافة.
إشكالية ضعف القطاع الخاص العربي :
يتجلى ضعف الهياكل التمويلية والفنية للقنوات التلفزيونية والفضائية في مظاهر عدة فهي لا تنفق الكثير من الأموال ولا تشارك بعدد كبير من الساعات في البث في كل عام، الأمر الذي يدفع إلى المستقبل نحو ثلاث احتمالات : الأول : اختفاء عدد القنوات التلفزيونية، الثاني : اندماج بعض القنوات الفضائية التابعة للقطاع الخاص وذلك حتى تستطيع البقاء والاستمرار، أما الاحتمال الثالث هو التوسع والتنافس بين هذه القنوات للدخول في الشراكة المتعددة الجنسيات، ولكن الشراكة أو حتى التعاون مع الشركات المتعددة الجنسيات يثير إشكالية التبعية بتجلياتها المختلفة خاصة الثقافية والاجتماعية لكن على مستوى ثان فإن مصلحة الشركات والمنظمات التابعة للقطاع الخاص تسيطر على السوق الإعلامي العربي أو على الحصة الأكبر منه على الأقل ولا شك أن هذا الهدف يستدعي تحسين المنتوج الإعلامي وتطيره من ناحية والمواجهة مع الشركات الإعلامية المتعددة الجنسيات من ناحية أخري وهي عملية صعبة ومتعددة في ظل ضعف الإمكانيات المادية والفنية.
إشكالية جمود وضعف منظمات العمل العربي المشترك :
ظهرت الشركات المتعددة الجنسيات كفاعل جديد في النظام الإعلامي العربي كما تعاظم دور الشركات والمنظمات الخاصة كفاعل مؤثر داخل النظام الإعلامي العربي بينما لم تحدث تغييرات مهمة على دور ومكانة منظمات العمل المشترك، وجل ما حدث أن منظمات العمل بدأت تعترف بالشركات الخاصة وبدأت تدخلها في بعض أنشطتها ولجانها، كما حدث في اللجنة المشتركة لاستخدام القمر العربي للإعلام والثقافة والتنمية، لكن هذه الاستجابة ما تزال محدودة خاصة في ظل قواعد ونظم العمل داخل الجامعة العربية والمنظمة التابعة لها. فالجامعة العربية تعتمد أساسا على عضوية الدول وقد عكست الجامعة تاريخيا رغبة الدول العربية في التعامل والتعاون المشترك وعكست بدرجة أقل الرأي العام العربي تجاه بعض القضايا. لكن التناقضات التي تواجه بعض منظمات العمل العربي المشترك في مجال الإعلام والاتصال تمثل في اعتماد هذه المنظمات أساسا على عضوية الدول في عصر تراجعت فيه سلطة الدول على ممارسة سلطات وصلاحيات إعلامية.
إشكالية ضعف فعاليات المجتمع المدني :
إن فعاليات المجتمع المدني لها دور أساسي في رفض أو قبول التحولات المتسارعة في النظام الإعلامي العربي نتيجة العولمة، خصوصا وأن نقابات الصحافيين واتحادات العاملين في إذاعة والتلفزيون يمكن أن تلعب دورا كبيرا في الحوار والتفاوض حول مستقبل النظام الإعلامي العربي والأطر والقواعد المنظمة للممارسة الإعلامية وكفالة حقوق الاتصال إضافة إلى كفالة حقوق وواجبات الإعلاميين والقائمين بالاتصال. إن الإشكالية هنا تتمثل في عدم تبلور فعاليات المجتمع المدني ونموها بدرجة تجعلها قادرة على مواجهة تحديات العولمة على الصعيد الإعلامي والاشتباك الفعال والمؤثر لوضع ضمانات لعدم هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات والشركات الخاصة العربية، بمعنى العمل على استبدال المواطن العربي احتكار وهيمنة الدولة وهيمنة الشركات وسطوة الإعلام، كذلك وضع ضمانات لاحترام ثقافة الإنسان والمجتمع، والتوصل إلى اتفاق اجتماعي حول ما هي مصالح المجتمع التي يجب على كل الأطراف احترامها والعمل في إطارها بما في ذلك الإعلاميون أنفسهم. هكذا نستطيع القول أن التطور التكنولوجي في وسائل الإعلام والاتصال قد ساهم إلى حد كبير في الترويج لثقافة العولمة في جميع مجالاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية خصوصا الثقافية منها في كامل أنحاء المعمورة.
وليس التطور التكنولوجي في وسائل الإعلام وحده مسؤول عن هذا الترويج، بل هناك عوامل أخرى، مثل خصخصة وسائل الإعلام في مقابل تراجع دور الدولة في التحكم في وسائل إعلامها وكذا شبكة الأنترنيت.
العولمة في الخطاب الغربي :
إن محاولات الأمركة التي تطبع سلوك العولمة لا تقتصر على مضامين الرسائل الإعلامية الدائمة التدفق بل تتعداها إلى التبشير بالانتصار النهائي للقيم الليبيرالية على سواها.و الحديث عن نهاية التاريخ بوصفه النتيجة النهائية التي أعقبت الحرب الباردة بما تحتويه من تفوق للقدرات التكنولوجية الأمريكية ومن أفضلية للنظم والمؤسسات العلمية على الطراز الأمريكي وبما تنطوي عليه من تحديث وديموقراطية لابد أن تشحن منظري الليبيرالية الجديدة في جميع بقاع المعمورة من خلال التمسك بمبادئ الرأسمالية التي تشكل غاية التطور العالمي وقدر جميع الشعوب والدول الأخرى.
"واستنادا على الرؤية السابقة يبشر البعض بولادة" الإنسان العالمي "ومواطن الأنترنيت، اندمج في مجتمع كوني واحد متحرر من انتماءاته اللغوية والقومية والثقافية والدينية والجغرافية، بالإضافة إلى عولمة السوق والمدنية والسياسة، ثمة أيضا من يتحدث عن "عولمة الأنا" التي تحيل الهوية إلى أسطورة في عالم يستطيع فيه أي إنسان وعبر الشبكات الإلكترونية، أن يصبح صوالا جوالا عبر كل نقاط العالم، دون أن يغادر مكانه، فالعولمة تخترق اليوم جدران الهويات المغلقة وتجعل الحديث عن الإنسان العالمي أمرا ممكنا" 4.
يرى "فرنسيس فوكوياما"5 أن كل من هيغل وماركس كانا يعتقدان أن التاريخ يصل إلى نهايته حينما تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع الذي يشبع الحاجات الأساسية للبشر، فهو عند هيغل الدولة الليبيرالية وعند ماركس المجتمع الشيوعي، ولكن العالم بأسره وصل إلى ما يشبه الإجماع بشأن الديموقراطية الليبيرالية كنظام جدير بالحكم بعد أن لحقت الهزيمة بايديولوجيا المنافسة وهذا يعود إلى كون الديموقراطية الليبرالية خالية من التناقضات الأساسية الداخلية التي شابت أشكال الحكم السابقة ثم يقرر فوكوياما أن منطق العلوم الطبيعية الحديثة يبدو وكأنه يفرض على العالم والطبيعة والإنسان تطورا شاملا يتجه صوب الرأسمالية والسوق الحرة.
لقد كان رد فعل الوضع الجديد انهيار الاتحاد السوفيتي أن قام العديد من الباحثين السياسيين. بطرح أفكار مفادها أنه لا يوجد خيار للبشرية سوى التحرك على طريق الديموقراطية اليبيرالية ذلك الطريق الذي رسمته الحضارة الغربية لعملية استهلاك المجتمع الرأسمالي، يعتبر "فرنسيس فوكوياما" من المدافعين عن هذه الرؤية والذي نتوصل إلى قناعة بأنه "خلال السنوات القليلة الأخيرة ظهر اتفاق بالنسبة لقانونية الديموقراطية الليبيرالية نظرا لأنها حققت انتصارات على الإيديولوجيات المنافسة مثل الملكية، الفاشية الشيوعية المعاصرة"، يفترض "فوكوياما" أن الديموقراطية الليبيرالية يمكن أن تكون المحطة الأخيرة لتطور الإيديولوجيات البشرية أي الشكل النهائي لحكم البشرية، وبالتالي بشكلها هذا تعتبر نهاية للتاريخ، وفي رأيه أن أشكال الحكم السابقة عانت من نقائص وعيوب خطيرة، وهذا لا يعني أن الديموقراطيات الرائجة كما في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا أو سويسرا لا تعاني مشاكل مطلقا، ولا يعني أن في هذه الدول لا يوجد مكان لغياب العدالة، ولكن المشاكل نتجت عن عدم التجسيد الكامل المبادئ الحرية والمساواة في الواقع والتي أقيمت على أساسها الديموقراطية الليبيرالية المعاصرة.
وعلى الرغم من أن بعض الدول لديها إمكانية للوصول إلى الديموقراطية ليبيرالية مستقرة،كما أن للدول الأخرى خيار العودة إلى النظم البدائية كالنظام الديكتاتوري إلى أنه على الرغم من مثالية النظام الليبيرالي الجديد إلا أنه لن يصل إلى درجة الكمال.
ومن هنا فإن النظام العالمي الجديد المتمثل في الليبيرالية الديموقراطية أو الليبيرالية الرأسمالية التي تستخدم كل الأساليب لنقل مشاريعها وتوصياتها وكذا أهدافها وهيمنتها من خلال رسالة العولمة التي تبسطها على العالم كله لجعله عالما أحادي القطب تسيره القوى العظمى، مرتبط ارتباطا وثيقا مع أفكار "فرنسيس فوكوياما" الذي دافع عن العالم المثالي الذي تقوده الليبيرالية، وهنا تتجلى العلاقة التي تربط مفهوم العولمة ومقولة نهاية التاريخ وقد ساهم من خلال مقولته في تقديم الفكر التاريخي، كما أنه تفسيره لبعض القضايا المهمة إضافة إلى مجموعة مواقف المؤلف التي تبدو في الكثير منها نابعة من نزوعه إلى المبادئ الأيديولوجية والسياسية، ومن ثم فهو لا يستند إلى كل الحقائق التي تميز الأوضاع في العالم ولكن إلى خبرة الدول المتقدمة، وبالتالي فإن دول العالم الثالث عامة والدول العربية خاصة لا تعتبر أطروحات قوية في نظرية "فوكوياما" فهو يفضل القفز على الحقائق الأساسية التي تعترض غالبية البشر مثل : الحوع، الفقر، المرض، والتدهور الاجتماعي...
العولمة في خطاب الأنا :
يبدو أننا أسرفنا في العالم العربي في الهجوم على العولمة قبل أن تصل، وحفرنا جميع المتاريس اللازمة للدفاع عن الهوية العربية ضد جحافل الغزو الثقافي القادم دون أن نسأل أنفسنا إن كانت تلك الهوية موجودة فعلا، أو نتأكد في حال وجودها، من أن العولمة قادمة لمحوها مع غيرها من الهويات المحلية، في دول الأطراف، لصالح مركز لا يقبل أن يكون كل من في العالم على شاكلته، وقد حسمنا الموضوع على هذه الجبهة، دون أن نترك أي هامش لاحتمال أن تكون العولمة نصيرا للتنوع الثقافي، ومع التفهم العميق للاحترازات السابقة، ولما يمكن أن تحمله العولمة لنا من بعض الإيجابيات، لا نستطيع إلا أن نتساءل مجددا : هل استبقنا في العالم العربي وصول العولمة فعلا، وأقمنا المحاكمات اللازمة لمقاومة أثرها سلفا ؟ وهل يشكل تجاهل مخاطر العولمة القائمة والمحتملة موقفا حكيما من تلك المخاطر كما يوحي الخطاب السابق ؟ يشير الدكتور إسماعيل صبري عبد الله في توصيفه وتفسيره لظاهرة العولمة أو (الكوكبة على حد تعبيره) إلى عناصر متشابهة مثل : "(أ) التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسلوك دون اعتداء يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو دولة معينة ودون الحاجة لإجراءات حكومية. (ب) اعتبار العولمة في الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة. (ج) اعتبار العولمة مرحلة لما بعد الإمبريالية في عيادة الرأسمالية العالمية المعاصرة".
6 والعولمة حسب "د. حسن حنفي" مفهوم ذاع في العقد الأخير للترويج لظاهرة الاقتصاد الحر بعد انهيار النظم الاشتراكية في أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي ليشرع العالم بالقطب الواحد وليست بظاهرة جديدة حسبه بل قديمة قدم التاريخ حيث كانت تتصدر حضارة مثل حضارة الصين، الهند، فارس، الحضارة الإسلامية، والعولمة ليست كذلك ظاهرة اقتصادية أو سياسية أو معلوماتية فحسب، بل هي أساسا ظاهرة تاريخية مستمرة تعبر عن رغبة الشمال في السيطرة على الجنوب منذ الحرب بين روما وقرطاجة والغرب في السيطرة على الشرق من الحروب بين فارس واليونان بل إن الاستعمار الاقتصادي ولا سياسي والثقافي عالم جديد بعد انكسار حركات التحرير الوطني في الربع الأخير من القرن العشرين في صورة العولمة بالاقتصاد الحر واتفاقيات GATT والعالم قرية واحدة وتجاوز الدولة القومية ونشر القيم الاستهلاكية."7
أما الباحث "برهان غليون" فيقول "إن المضمون الرئيسي للعولمة كما نعرفها اليوم هو أن المجتمعات البشرية التي كانت تعيش كل واحدة في تاريخها الخاص وحسب تراثها الخاص ووتيرة تطورها ونموها نسبيا على الرغم من ارتباطها العالمي أصبحت تعيش في تاريخية واحدة وليس في تاريخ واحد، تشارك في نمط إنتاج واحد تتلقى التأثيرات المادية والمعنوية ذاتها سواء تعلقت بالثقافة وما تثبته وسائل الإعلام الدولية أو البيئة أو الأزمات الاقتصادية أو الأوبئة الصحية أو المسائل الاجتماعية والأخلاقية."8
ويعني ذلك أيضا أنها تجري في مكانية ثقافية واجتماعية وسياسية موحدة أو على الأقل في طرقها إلى ذلك وبذلك يمكن تفحص العولمة عند برهان غليون "ثقافة انتقال معلومات وسرعتها على درجة أصبحنا نشعر أننا نعيش في عالم واحد موحد، أو كما قال ماك لوهان."9 إذا هكذا فالعولمة تبشر بمرحلة جديدة للتنظيم العالمي وتمثل نقيض المرحلة السابقة التي نحن بصدد الخروج منها (المرحلة الدولية القومية) والانكفاء على الحدود السياسية للدولة كإطار جغرافي للاستثمار الروحي عند الجماعات البشرية عموما، غير أن الدولة القومية لا زالت قائمة وتلعب دورا رئيسيا اليوم في موضعة الجماعات المختلفة في الفلك الجديد ومن المحتمل أن يبقى القسم الأكبر من الإنسانية خارج دائرة العولمة النافعة أو الفعالة وحسب برهان غليون فالعولمة هي الديناميكية المحركة الرئيسية بالرغم من أن العالم لم يتعولم تماما، كما كانت الرأسمالية الديناميكية المحركة للاقتصاد العالمي في القرنين الماضيين من أن يعني ذلك أن جميع الاقتصاديات العالمية كانت تخضع أو تعيش حسب قواعد الرأسمالية.
تجاوز الطرحين :
إن تسارع تكنولوجيا الاتصال أدى إلى تطور وتسارع مفهوم العولمة التي أصبحت الآن السمة المميزة للتاريخ المعاصر وهذا لا يعني أن العولمة مرادف للأمركة تحت تأثير أمة معينة أو فرضت وفقا لمشيئة زعيم سياسي معين، على الرغم من أن العالم قد نسى عبارة الرئيس الأمريكي روزفلت في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما قال : "الآن يجب أمركة العالم ولكن تحققت بفعل مجموعة من العوامل والتطورات السياسية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية التي أفرزتها عبر العقود الماضية قوى التطور والتغيير التي تنتمي إلى تراث البشرية بأكملها وغدت كما لو كانت تيارا متدفقا يسري في أوصال هذا العالم."10 وقد بات واضحا أن أولى خطوات مواجهة الآثار السلبية للعولمة تكمن في تجنب الرفض الانفعالي أو القبول المجاني لأنهما لن يغيرا في حقيقة الأمر ما يجري، ولن يقللا من خطورته "ومن ثم تجاوز منطق القبول أو الرفض لأن مجموعة التفاعلات العالمية المصاحبة للعولمة قد أصبحت وقائع فعلية توجب علينا البحث الجاد في كيفية التعامل معها والتفكير النقدي في الاستراتيجيات والخطط التي نمتلكها والتي ستحدد موقعنا على مجريات الحدث".
على ضوء أهدافها وإمكانياتنا وسبل الاستفادة منها أي أن تأثيرات العولمة على الرغم من طابعها الكوني وما تملكه من طاقات لسيت قدرا محتوما يحدد مصيرنا في ما يجري سلفا بل إن هذا المصير مرتبط إلى حد كبير بما نستعمل وكيف سنواجه ولا يفيدنا في شئ تجاهل ما يجري أو رفضه انفعاليا، فلا موقعنا كعرب ولا أهدافنا المستقبلية تتيح لنا تجنب التفاعل مع ما يحدث على الساحة العالمية."11
فإذا كانت هذه الملامح والتناقضات هي ما يحكم وضع العولمة فإن الأمل في بناء عولمة بديلة ذات طابع إنساني في توجهها وذات نزوع ديموقراطي حقيقي في التعامل مع ثقافات الأمم الأخرى يصبح أملا مشروعا يستحق من الجميع التفكير والعمل من أجل خلق الشروط لبناء هذه العولمة البديلة. وإذا كان هناك ما يستحق المقاومة والرفض فعلا في العولمة فهو هذا الجانب المهيمن الأحادي الذي يكرس التفاوت بين الشمال والجنوب وبين الأغنياء والفقراء داخل المجتمع الواحد، ما يجدر تعريته هو الخطاب الأيديولوجي التبريري الذي يرى في الليبيرالية تتويجا لمسيرة التاريخ الإنساني برمته وغايته القصوى، ما يستحق الاستهجان هو هذه المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية وتسخير مؤسسات المجتمع الدولي لمصلحة الأقوى بعيدا عن معايير الحق والعدل ومبدأ التعامل بالمثل مع مختلف الشعوب.
إن ما يمكن قوله في خاتمة هذا المقال وعلى ضوء ما سلف فإن العولمة تبقى في تصورنا ظاهرة لم يؤسس لها حتى الآن إذ لم تؤسس أطراف معادلاتها بعد، حتى يتسنى لنا تقييمها وآليتها الداخلية وتأمل لمكوناتها المركزية واستشراف آفاقها المستنقبلية، غير أن هذا الأمر لم يحل دون زحفها وانتشارها في شتى ربوع المعمورة، اخطر من هذا إن العالم العربي لا يملك الحيلولة دون هذا الانتشار، وهو ما يفسر موضوعية وواقعية هذه الظاهرة، التي باتت تفرض نفسها بحكم قوة النفوذ السياسي، والضغط الاقتصادي والتغلغل الإعلامي، والمعلوماتي الذي يمارسها النظام العالمي الجديد باقتدار.

الهوامش :
1 - د.نبيل علي : الثقافة العربية وعصر المعلومات، مجلة عالم المعرفـة، يناير 2001، ص 3