الإعلام
هو آلية العولمة ويدها الطويلة التي تمتد الى
مختلف انحاء المعمورة، فنحن نعيش في عصر الثقافة
المرئية والفضاء الإلكتروني الذي هو المجال
للدمج بين مختلف وسائل الإعلام والثورة
الرقمية ليضيف الى النص المكتوب قوة الصورة
وجاذبية الحركة وسرعة الاتصال وسهولته، مما
يضاعف من الوجه الإعلامي للعولمة وتحدياتها في
مجال الاتصال الجماهيري.
وإذا عرضنا لجانب أكبر من ملامح الدور والتأثير
الذي يلعبه الإعلام اليوم فإن الصورة تتضح اكثر،
فصناعة الإعلام نمت بصورة ضخمة ومعقدة داخل
بلدان الغرب ذاتها، لإحكام السيطرة على الشعوب
الغربية أولا، ثم لإدارة العالم بأسره ثانيا،
ففي سنة 1987م بلغ مجموع الإنتاج الصناعي والتجاري
في قطاع المعلومات 400 مليار دولار على مستوى
العالم.. كما إن حجم المنشورات العلمية فاق في
العام 1985م وحده كل ما تم نشره خلال الفترة الممتدة
من العصور الوسطى حتى عام 1976.
وفي هذا الطغيان المعلوماتي الذي نشهده، فإن
الفرد العادي معرض لاستيعاب 80 ألف معلومة
يومياً في الوقت الحاضر. هذه الحقائق والأرقام
يضعها أمامنا الأستاذ مجدي أحمد حسين الكاتب
المعروف،في معرض تحليله للاحتكار الإعلامي الغربي،
مضيفا إليها إحصاءات اليونسكو التي تذكر أن
الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول المصدرة
للإنتاج التلفزيوني، إذ أنها تصدر أكثر من 200
ألف ساعة تلفزيونية سنوياً للخارج خصوصا لدول
الجنوب، وتستورد الدول العربية ما يمثل 30 ـ
70% من مجموع ما تبثه من برامج تلفزيونية.
ويبلغ إجمالي عدد الأفلام المنتجة في الدول
الغربية سنوياً نحو 1720 فيلماً، بما يوازي
48% من الإنتاج العالمي، ويتم تصدير معظم هذا
الإنتاج للعالم الإسلامي حيث تشغل مساحة زمنية
كبيرة، وفي المرتبة الأولى في معظم الدول.
ويستنتج منها مخاطر جملة على العالم الإسلامى،
من بينها إن الطاقة الإعلامية المسلطة على
الشعوب في الغرب لا تتضمن إلا معلومات قليلة
عن بلدان العالم الإسلامي هي في أغلبها
معلومات مشوهة.. بهدف ضمان تعبئة الشعوب
الغربية خلف حكوماتها في عدائها السافر ضد
الإسلام.
والأخطر من ذلك أن ما تنشره وسائل الإعلام في
أية دولة إسلامية عن أية دولة إسلامية أخرى
يستند بنسبة تتراوح ما بين 80 ـ 100% على
وكالات الأنباء الغربية، وهذه أخطر وسيلة
لتفتيت الأمة الإسلامية.
هذا الطغيان الإعلامي الأمريكي دفع المثقفين
بل والمسئولين في أوروبا للقلق على ثقافتهم،
فيقول جاك كوبون وزير العدل الفرنسي: إن
الإنترنت بالوضع الحالي شكل جديد من أشكال
الاستعمار، وإذا لم نتحرك فأسلوب حياتنا في
خطر، وهناك إجماع فرنسي على اتخاذ كل
الإجراءات الكفيلة لحماية اللغة الفرنسية
والثقافة الفرنسية من التأثير الأمريكي كما أن
النرويج عارضت اتفاقية ماستريخت؛ لأنها ترفض
الاندماج بالهوية الأوروبية.
ولكن الخطورة في كل ذلك ليس في قوة الثقافة
المهيمنة وإنما في ضعف المتلقي وسلبيته، فلا
شك ان كثيراً من آليات العولمة يمكن ان توظف
إيجابيا، فإذا كانت الهيمنة الإعلامية الغربية
طاغية على وسائل الإعلام التقليدية المطبوعة
والمسموعة والمرئية، فإن الإنترنت يمكن ان
يفسح المجال للعمل الإعلامي أمام الشعوب
الإسلامية، نظرا إلى التنامي السريع لانتشار
الشبكة في أرجاء العالم من ناحية، وإلى
المزايا الخاصة بالإنترنت من قبيل مرونة
معالجة البيانات وإمكانية التخزين الإلكتروني
والدمج بين تقنيات متنوعة كالطباعة والبيانات
الصوتية والفيديوية(الوسائط المتعددة) من
ناحية أخرى.
ولكن التحول إلى إعلام الإنترنت لم يحصل حتى
الآن، بل إن العكس هو الذي يحدث في الوقت
الحاضر، إذ أن الأكثرية الساحقة من وسائط
إعلام الإنترنت فشلت في تحقيق أية أرباح للآن،
وعلى الرغم من أن عدد المتلقين الذي يتابعون
إعلام الإنترنت آخذ في النمو على نحو يتجاوز
ما هو حاصل مع وسائط الإعلام التقليدية. إلا
أن هذا النمو يسير بمعدلات قليلة نسبيا. كما
أن معظم الجمهور الذي يتابع وسائل إعلام
الإنترنت يفعلون ذلك إذا كانت هذه المتابعة
مجاناً.فضلا عن أن الإعلانات على الإنترنت
لاتزال تشكل نسبة ضئيلة في العالم العربي.
والمجال الثاني المفتوح أمام الإعلام العربي
والإسلامي هو الفضائيات التي تتيح لصوت
الإسلام الوصول الى مختلف انحاء المعمورة عبر
الأقمار الصناعية، ولكن الممارسة العربية
والإسلامية في هذا الميدان تدعو الى السخرية،
فالإضافة العربية في هذا المجال كانت بالسلب
وتتمثل في تحويل هذه الفضائيات من وسيلة دولية
الى وسيلة إقليمية تخاطب العالم العربي او على
أحسن الفروض تخاطب المتحدثين بالعربية في
العالم، وذلك بسبب غياب فضائية تنقل وجهة
النظر العربية والإسلامية للعالم باللغات
الحية، بمستوى الذي تعمل بها بي بي سي أو الـ
سي إن إن مثلا في الاتجاه المعاكس! بل أن بعض
الفضائيات العربية تكاد تكون محلية ولا تختلف
عن القناة الأرضية، فالخبر المحلي يتصدر
نشراتها، والموضوع المحلي محور برامجها !!
وقد تفاءلنا منذ عدة شهور عندما أعلن عن إنشاء
قناة إسلامية تبث باللغات الأوروبية ولكن حتى
اليوم لم نجد صدى عملياً لذلك، بينما بدأت
السي إن إن تبث عبر الإنترنت باللغة العربية،
ورصدت الولايات المتحدة مئات الملايين من
الدولارات لإنشاء قناة فضائية تبث إرسالها
باللغة العربية، وبدأ مؤخرا البث المباشر
لقناة فضائية إسرائيلية موجه للعرب والمسلمين،
كانت حكومة العدو الصهيوني قد رصدت لها مبلغ
5.15 ملايين دولار،وأطلقت عليها اسم الشرق
الأوسط.
وعلى الرغم وجود فضائيتين في العالم العربي
تبثان بالإنجليزية، إحداهما، والأخرى
السعودية، فضلا عن وجود عدة فضائية إسلامية
مثل قناة اقرأ، وقناة الأندلس في أسبانيا،
والمنار التي يشرف عليها حزب الله في لبنان،
وقناة الرحمن في إندونيسيا، وإسلاميك سيتي
التي تبث لـ 5.2 ملايين مسلم في أمريكا، وقناة
MTA في بريطانيا وإذاعة طريق الإسلام في
أمريكا الشمالية، إلا أن هذه القنوات لا ترقى
إلى أن تكون قناة فضائية تعبر عن مليار وربع
المليار مسلم يشكلون خمس سكان العالم وتخاطب
الآخرين بلغاتهم موضحة لهم الصورة المشرقة عن
الإسلام وحقيقة تعاليمه.
وذكر الإعلامي أحمد غانم في تقرير له أذاعته
(الشبكة الإسلامية)أن الفنانة المعتزلة سهير
البابلي تسعى لإقناع عدد من المؤسسات ذات
الطابع الإسلامي ـ ومنها بنوك وهيئات إعلامية
وخيرية ـ لتمويل مشروع إنشاء قناة فضائية
إسلامية تسهم في نشر الدعوة وتقديم صورة
الإسلام الصحيحة والرد على الافتراءات التي
يثيرها الأعداء.
وقال أنه فى حال بث هذه القناة ستشارك أغلب
الفنانات المعتزلات في تقديم برامجها
والمساهمة في دعمها، خاصة بعد أن تحمس للفكرة
كلاٌ من شهيرة وعفاف شعيب وياسمين الخيام، وفى
حال توفير التمويل اللازم من المفترض أن يبدأ
البث التجريبي لها في شهر رمضان الحالي. ولا
شك ان هذه الجهود مطلوبة،ومشكورة، ولكن هذا
العمل الضخم ينبغي ان تقف وراءه مؤسسة بحجم
منظمة المؤتمر الإسلامي او الهيئة الثقافية
التابعة لها وهي الإسيسكو، التي أعلن مؤخرا
أنها سوف تتولى الإشراف على قناة إسلامية،
ونتمنى أن يكون الإعداد لهذه القناة جارياً
بالفعل خاصة وأن الأسيسكو تتصدى لقضايا
التربية والثقافة والعلوم في العالم الإسلامي،
وانتهت من وضع استراتيجية ثقافية إسلامية،فضلا
عن أن الكفاءات متوفرة في العالم الإسلامي،
أما التمويل فقد قيل أن دولة خليجية سوف تتكفل
به.
موضوع هذه القناة كان محور مناقشة لوزراء
الأوقاف والشئون الإسلامية بدول منظمة المؤتمر
الإسلامي في ختام اجتماعهم السابع الذي عقد
بالعاصمة الماليزية أوائل مايو الماضي، ووفقا
لما انتهت إليه دراسة عرضت في هذا الاجتماع،
فإن هذه القناة تهدف إلى تعريف غير المسلمين
بالإسلام، وربط الأقليات والجاليات المسلمة في
الدول المختلفة بالثقافة الإسلامية بتوظيف
مختلف اللغات الأكثر انتشارًا في العالم،
ومنها: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية
والألمانية والروسية، بالإضافة إلى اللغات
المحلية الأكثر انتشارًا وهي: السلافية
والهوسا والسواحيلي والفلاني والصينية
والأوردية.
إن هذا المشروع جدير بأن يكون في مقدمة
أولويات المعنيين بالشأن الإعلامي والثقافي في
مجتمعاتنا العربية والإسلامية وإلا فلا حاجة
للناس لسماع كلمات من قبيل: لجان ودراسات وبحث
وتوصيات، التي تقال عادة في الاجتماعات
والمؤتمرات العربية والإسلامية، بينما يقوم
الآخرون بتنفيذ مشروعاتهم وخططهم الإعلامية
والثقافية بدون عقد أي مؤتمرات، وحتى لو عقدت
اجتماعات، فإن توصياتها تتجه فورا للتنفيذ
وليس للأرشيف!!