بحث متقدم 

بوابة العالم على مراكش

  • المركز الجهوي للإعلام  بمراكش

  • centre regional de presse / marrakech

al marrakchia

portail de l univers

 

اتصل بنا

من نحن

    

 

 
إعلام واتصال

  نصوص مختارة:

وسائل الإعلام والدور البديل المطلوب

   

هنا ال بي بي سي من لندن، صوت أميركا من واشنطن، دويتش فيل من ألمانيا، راديو مونتي كارلو من فرنسا. في نبأ بثته وكالة الأنباء رويترز، خدمة أخبار الأسوشييتد برس، أخبار يونايتد برس انترناشيونال. هنا السي أن أن. أنتم تشاهدون محطة تلفزيون ديزني، محطة هوليوود، محطة هيستوري. فيلم الليلة هو تيرميناتور. تابعوا آخر حلقات الشجاع والجميلة، دالاس، الأصدقاء، الممارسة، أحزان شرطة نيويورك، العدل والقانون. 

ما ورد أعلاه عينة صغيرة من وابل من الوسائط والبرامج الإعلامية التي تملأ كل لحظة من لحظات أي يوم من أيام العالمين العربي والإسلامي. وتقدم لنا وسائط الإعلام، ذات التأثير القوي، هذه الأخبار التي يختارها ويخرجها وينظمها العاملون في الصحافة الغربية في نيويورك وواشنطن وأتلانتا ولندن وباريس. يلزمك أن تلقي نظرة على أي صحيفة في مدن مثل القاهرة أو الدار البيضاء أو إسلام أباد حتى تقرأ أخباراً وتشاهد صوراً مصدرها خدمات الأخبار الغربية بشكل يفوق أية خدمات إخبارية أخرى بكثير. ويتم إغراقنا ببرامج ترفيهية كتبتها وأخرجتها مواهب من أماكن مثل هوليوود وأورلاندو. هذه البرامج تفوز بجوائز لها أسماء مثل الأوسكار والإيمي من مدن مثل لوس أنجليس بكاليفورنيا وكان في فرنسا. شاهد محطات تلفزة في الرياض أو الجزائر أو مانيلا وسوف تشاهد، دون شك، برامج كتبت أصلاً باللغة الإنكليزية الأميركية، عن أناس يسكنون في مدن أميركية، تعالج قضايا تهم الأميركيين. اذهب إلى أي دار سينما في عمان أو بيروت أو جاكرتا وستشاهد أبطالاً ذوي عيون زرقاء، ورجالاً أو نساءً ذوي شعر أشقر يهزمون أشراراً لهم شعر أسود وعيون بنية. 

الإعلام الغربي بكافة أشكاله مادة مستوردة رئيسية في العالمين العربي والإسلامي. وهذا لا يقتصر على الوسائط الإعلامية الجبارة مثل السي أن أن والبي بي سي وإذاعة مونتي كارلو. كما أن الوسائط الإعلامية الغربية منتج رئيسي للمواد الإعلامية الخيالية وغير الخيالية. 

وفي منطقة يتميز سكانها بصغر السن (غالبية السكان في الدول العربية والإسلامية دون الـ25 سنة)، أوجد هذا الاستعمار الثقافي الحديث رغبة جامحة لتقليد الغرب. ويؤخذ ما هو على السطح من الأخبار والتحاليل الواردة من العالم الغربي" فنجوم الأفلام أكبر من شخوص الحياة العادية، واتجاهات الموضة كما تشاهد في الأفلام والبرامج التلفزيونية تحتل مكاناً لها في مزاج هذا الشعب العربي والمسلم اليافع، واقعه خالٍ من الأبطال. ما الذي حصل لنا ووجدنا أنفسنا في هذا المنحدر المنزلق؟ أين وسائط الإعلام البديلة والأفلام السينمائية والأبطال الذين يعكسون الثقافة والتراث والتقاليد الفنية للمنطقة؟ 

للإجابة عن هذه الأسئلة علينا أن نعترف بأننا لسنا وحدنا نعاني من هذه المشكلة. فسيطرة وسائل الإعلام الغربية لا تقتصر على العالمين العربي والإسلامي، وإنما هي عالمية. ولكن بينما أدركت المناطق والشعوب والمجتمعات الأخرى هذه المشكلة وحاولت معالجتها، تستمر منطقتنا في استهلاك الثقافة الغربية دونما أي تحفظ أو تردد أو جهود للبحث عن مصادر قوة أخرى داخل مجتمعاتنا. 

وجزء من مشكلتنا مصدره الهزيمة السياسية والعسكرية. العديد من الأمم المهزومة تسحرها الأمة التي هزمتها، وكثيراً ما تدرسها حتى الغثيان. فالسود في جنوب أفريقيا كانوا يعرفون عن حكومة الأقلية البيضاء التي اضطهدتهم أكثر بكثير مما كان البيض يعرفون عن الأغلبية السوداء من السكان. والفلسطينيون يعرفون عن إسرائيل والإسرائيليين أكثر بكثير مما يعرفه الإسرائيليون عنهم. فنظرة واحدة على عدد الذين يتحدثون الإنكليزية حول العالم، وعدد الذين يتحدثون لغة أخرى من الذين يتحدثون الإنكليزية كلغة رئيسية، تؤيد هذا الافتراض. ولتغيير عدم التوازن هذا يتوجب بذل جهد غير اعتيادي لتحويل تدفق المعلومات من الوضع الحالي، وهو من الغرب إلى الشرق، إلى علاقة أكثر مساواة تتدفق بها المعلومات في الاتجاهين. مما لا شك فيه أن الشرق والغرب لديهما الكثير ليقدماه إلى بعضهما. ويتطلب الحد من عدم التناسق هذا توجهاً متعدد المستويات. فالهيمنة الغربية الحالية يمكن أن تتوازن عبر محاولة جادة لجعل شعوب الشرق قادرة على تقديم وعرض صورة أفضل لها في عيون الغرب. فسياسة القرن العشرين الاستعمارية "فرق تسد" تركت أثارها على استهلاك البضاعة التي ينتجها الإعلام. ولأن المنطقة العربية والإسلامية مفرّقة وضعيفة، لم يستطع الغرب حكمها سياسياً فحسب وإنما إعلامياً كذلك. وتعتبر صناعة الإعلام (ولا ننسى إنها صناعة أولاً وأخيراً) مكلفة، وإنشاء أجهزة بث قوية، وإعداد برامج نوعيتها جيدة، وتوفير أخبار من مصادر أولية، عملية تكلف كثيراً. وليس باستطاعة الدول الصغرى منافسة تجمعات الشركات الضخمة المتعددة الجنسيات، ما يتيح لناقلات الإعلام القوية احتكاراً حقيقياُ على كل من عملية نقل الإعلام ومضمونه. 

الشعوب العربية والإسلامية لم تكن مفرقة ومقسمة فحسب، وإنما أُصيبت كذلك بلعنة أنظمة سياسية غير ديموقراطية صادرت الإرادة الشعبية لشعوبها. وهذه الأنظمة الاستبدادية اختطفت الإعلام ومضمونه، وأعادت تشكيله ليناسب رغباتها وطموحاتها السياسية في البقاء في الحكم. ملكية الإعلام في الدول العربية ملك للسلطات الحاكمة بشكل كامل تقريباً. كذلك تم اختطاف الإنتاج الثقافي وغيره من الجهود الخلاقة إلى درجة أن هؤلاء الفنانين أصبحوا مجرد هتَافين للملوك والأمراء والرؤساء ورؤساء الوزارات. 

لقد وصلت سيطرة الإعلام الغربي الى مراحل خطرة مما يتطلب استراتيجية قوية موحدة جادة، تعمل على مسارين، بحيث توفر لشعوب المنطقة وسائط إعلام تتمتع بالمصداقية والاستقلالية، وفي الوقت نفسه يتوجب بذل جهد موحّد لمباشرة العملية الصعبة لإيجاد مضمون إعلامي بديل يمكن أن يؤخذ بشكل جدّي من قبل جمهور ساخر بطبيعته وشكاك. ويتمتع العرب بميزة عن العديد من الأمم الأخرى. فجميع الشعوب العربية تتكلم وتقرأ وتفهم اللغة نفسها. وحتى يتسنى تطوير إعلام مستقل، فإن الاهتمام بالمهنية أمر في غاية الأهمية. فالنجاح النسبي للشبكة الفضائية العربية "الجزيرة" يعود إلى مهنية العاملين فيها وقدرتهم على العمل بشكل مستقل، أكثر من أي أمر آخر.

ونجاح فضائيات كالجزيرة والأم بي سي والأل بي سي والعربية ناتج كذلك عن رجال أعمال عرب خلاقين وأذكياء في مجال الإعلام، استخدموا التكنولوجيا الحديثة والمعايير الإعلامية الدولية لإنتاج برامج تلفزيونية ذات نوعية عالية. ولا يعني بحثنا عن إعلام فريد مستقل عن الإعلام الغربي رفض أحدث التقنيات الدولية المتوفرة والتكنولوجيا التي تم تطويرها في الغرب. فلا منطق في إعادة اكتشاف ما تم اكتشافه حتى ننتج إعلاماً عربياً حقيقياً. كذلك يتوجب على الإعلام العربي القوي أن يعير انتباهاً لكل ما هو محلي وأهلي. عندما يبدأ العرب بالنظر إلى الداخل نقدياً فإن بقية العالم سينظر إلى الإعلام العربي والعرب بجدية أكبر. ولا يمكننا أن نتوقع المشاركة في حوار جدي مع الغرب ما لم نطور أولاً إعلاماً مستقلاً بشكل حقيقي يعير اهتماماً لقضايانا نحن. ولن نتمكن من النجاح في تنظيم حوار مع بقية العالم ما لم تكن لدينا الشجاعة والعزيمة لنقيم حواراً مع بعضنا البعض.

 

www.almarrakchia.net - All rights reserved © 2005 - موقع المراكشية - جميع الحقوق محفوظة  2005