|
مثلت بواكير الصحف التي صدرت
في العشرينيات من القرن الماضي
حجر الأساس في بنيان الصحافة
المغربية
ومرتكز انطلاقتها. وكانت الصحف في الوقت نفسه إطار النشأة
الفعلية للحركة الأدبية وجذر تاريخ هويتها الوطنية حيث استقطبت
الصحف كبار الشعراء والأدباء والمثقفين، فقد لعبت دوراً حيوياً
بارزاً في تنشيط الحركة الأدبية. وقد نهضت في الوقت نفسه بطرق
الكتابة وطورت أساليبها، وأثقنت
لغتها، وحسنت النثر وخلصته من التزويق والتنميق الأجوف، وجملت
النصوص بالمضامين الواضحة والصريحة. كما أنها حررت الشعر من
السجع المتكلف. وأصبحت الآداب تشتمل على موضوعات شتى ومختلفة
تمس جوانب الحياة العامة، وتتناول مشكلات المجتمع فتشخصها
وتسهم في معالجتها. واضطلعت الصحف أيضاً بمهمة الإبقاء على
جذوة الدعوة للنهضة والإصلاح متقدة. وبذلك فقد كانت الصحف من
أهم الوسائل التي ساعدت على بلورة الهوية
المغربية الوطنية
والثقافية معاً.
لقد اضطلعت الصحف بمهمة
التبشير لهذا المفهوم والدعوة للانخراط في العمل
الوطني
من أجل تحقيقه، فتحتم على الكتاب والأدباء توصيل ذلك
للمواطنين
عبر كتاباتهم النثرية والشعرية، وهو الأمر الذي ساعد على ظهور
أسلوب جديد في الكتابة تميز باستعمال مفردات جديدة ومصطلحات لم
تكن متداولة في الثقافة
المغربية من ذي قبل، وقد
اتسم هذا الأسلوب بالسهولة، والوضوح، والارتباط بمظاهر الحياة
العصرية. وفي الوقت نفسه فقد "أيقظت الصحافة الأذهان وحملت إلى
قراءها الدعوات السياسية والفكرية المختلفة.. وأدت إلى تقوية
الروح القومية والإحساس بالوعي. وكانت الصحف منبراً لرجال
الإصلاح وحاملي الدعوات الوطنية، إذ سعى أصحابها إلى استخدام
صحفهم لمعالجة المشكلات التي كانت تشكو منها البلاد، حتى أصبحت
الدعوة إلى الإصلاح من أهم موادها"
ومن خلال الصحافة وعبر
الدور الذي اضطلع به المثقفون فيها من خلال امتلاك الصحف أو
العمل أو الكتابة فيها بالمشاركة، دخل إلى الثقافة
المغربية
مفردات: الإصلاح، النهضة القومية، الوطن،
الأمة،
الوطنية، التحرير، الاستقلال الوطني، القومية العربية،
الاستعمار،
اضطهاد الشعوب، الاستبداد، الكفاح، الأمة العربية، النهضة
الأوروبية، الفكر التحرري،
العدل، الحرية، التحديث، المشاعر القومية، المطالب الاجتماعية،
حرية المرأة، الدولة الحديثة، الإخاء، حقوق الإنسان،
المساواة... إلخ
وازدحمت صفحات الصحف
المغربية
بمقالات الأدباء والمثقفين التي تدعو إلى الإقبال على العلم
والى التغني بتاريخ
المغرب وأمجاده والاعتزاز
به والمطالبة بحقوقه، كما أخذت الصحف تدعو إلى محاربة الجهل
والفقر والتطلع إلى التقدم والتطور. وقد شكلت تلك المقالات
انطلاقة تحول أسست لظاهرة فكرية رائدة وفنية نشطة أطلق عليها
فيما بعد "النهضة الفكرية الحديثة" التي انبثقت عنها بعد
ذلك المدارس والمناهج
التي عرفتها الثقافة
المغربية ورسمتها في كل
توجهات مراحلها اللاحقة.
ونشرت الصحف روائع
الأعمال الأدبية والفكرية
العربية وكذلك الغربية
التي كان قد قام بترجمتها المثقفون من لغتها الأم (الروسية
والفرنسية والإنجليزية) فتوفر بذلك للقارئ
المغربي
معارف جديدة عن الحياة الغربية، وعن الأدب والثقافة الأوروبية،
وبذلك شقّت الطريق أمام تأثر الثقافة
المغربية
بالثقافات المختلفة، فساعد ذلك على التوجه نحو التنور في
الإبداع والإنتاج المستقل.
وعلى صعيد آخر فقد
أثرت المواضيع المترجمة معارف المثقفين
المغربية،
وأغنت اللغة العربية بثروة طائلة من المعاني الجديدة والمباني
الحديثة، وساعدت على إشاعة السهولة والرشاقة في أساليب الكتابة
العربية، كما مهدت الطريق بمساعدة عومل أخرى إلى ظهور
الاتجاهات الفكرية والأدبية الجديدة في الأدب العربي، وظهر عدد
من الأدباء والمثقفين والكتاب والصحافيين المترجمين
لقد كان اتساع رقعة
النشاط الأدبي نتيجة مباشرة لنشأة الصحافة وتطورها وما أحدثته
من أثر في بعث الحياة الفكرية والأدبية الذي كان قد أسس بعد
ذلك
للنهضة الفكرية،
وبغض النظر عن تنوع
تلك الاتجاهات واختلافاتها، فقد "قامت النهضة في ميدان الأدب
على عاتق رواد الاتجاه الذي كان ينحو نحو المحافظة أحياناً،
ويوفق بين الدين والحضارة الجديدة أحياناً أخرى"، وكذلك على
عاتق رواد الاتجاه الذي حاول محاكاة الثقافة الأوروبية واعتناق
مذاهبها والانتماء لمدارسها الفكرية، من إنجازاتها إلا أن هذه
النهضة جاءت مختلفة في أبعادها عن النهضة الأوروبية في القرن
السادس عشر، وذلك لأنها اعتمدت إلى حد كبير على التجديد في
الموضوعات والأساليب الأدبية أكثر من توجهها نحو الأدب العربي
القديم"
وتجمع المصادر
التاريخية على أن نشوء الصحف وتطورها كان عاملاً حيوياً هاماً
لتطور مختلف الأنواع الأدبية، فمثلاً بدون وجود صحف لما كان
لفنون الشعر والمقالة
والقصة أن تتطورا
بالشكل الذي استطاعت
تحقيقه خلال فترة قصيرة ، ولو اقتصر نشرهما على الكتاب وحده
لتأخر تطورهما كثيراً، إذ أن الكتاب
كان أقل تداولاً كما أنه
كان
ينتظر فترة أطول ليجد من يقرأه
ويقيمه أو يعرضه وينقده، وحتى لو كان ذلك متيسراً فإنه سيظل
محدود الأهمية في ظل عدم وجو الصحف. وأما المادة الأدبية التي
تنشرها الصحف والمجلات فإنها متجددة باستمرار وفي متناول أيدي
الناس عموماً والإطلاع عليها أيسر من الإطلاع على الكتب.
وفي السياق نفسه فإنه
المقالة لم تظهر في أدبنا أول ما ظهرت على أنها فن مستقل شأنها
في فرنسا وإنجلترا، بل نشأت في حضن الصحافة، واستمدت منها نسمة
الحياة منذ ظهورها، وخدمت أغراضها المختلفة، وحملت إلى قراءها
آراء محرريها وكتابها. ولذا كان لزاماً علينا أن نبحث عن تطور
المقالة في الصحف اليومية أولاً، ثم في المجلات مع تقدير
الفوارق الهامة بين أنواع المقالات التي تكتب للصحف، وتلك التي
تكتب للمجلات.
إن الحديث عن تأثير
الصحف والمجلات الإيجابي في تطور النثر الفني بجميع أنواعه في
المغرب
يعني بالضرورة أن الدور الذي اضطلعت به الصحافة في مجال إثراء
الأدب واغناء اللغة الأدبية ورقي أساليب الكتابة كان ملحوظاً
وبارزاً، سواء لجهة التخلص من عيوب الكتابة التي كانت شائعة في
القرن التاسع عشر، أم لجهة اتصال الأدب بحياة الناس اتصالاً
مباشراً وواسعاً وتفاعله معها ثم التعبير عنها بأساليب متنوعة.
وزادت
مساهمة الصحف في تطوير الأدب عندما جعلت من صحافتها محفلاً
لنقاشات الأدباء حول الأدب والثقافة وحول النقد الأدبي أيضاً،
وهو الأمر الذي ساعد على بلورة الاتجاهات الأدبية والفنية
والنقدية الجديدة.
واضطلعت
الصحف والمجلات بمسؤولية ثقافية تاريخية تمثلت بإدخال فن القصة
والرواية إلى الأدب ا
المغربي، واحتضان هذا
الفن ورعايته ليصبح الركن الأهم بين أركان الثقافة
المغربية
في مرحلة لاحقة/.
|