بحث متقدم 

بوابة العالم على مراكش

  • المركز الجهوي للإعلام  بمراكش

  • centre regional de presse / marrakech

al marrakchia

portail de l univers

 

اتصل بنا

من نحن

    

 

ما رأيك؟
ناقش هذا الموضوع

هل الحرب في العراق حرب على الإرهاب؟

اضغط هنا

إعلام واتصال

من أبو غريب الى تسونامي، شهادة موت التصوير الصحافي

كريستيان كوجول
CHRISTIAN CAUJOLLE

 مؤسس ومدير وكالة وصالة العرض VU، باريس.

اثر حدثين كبيرين ومأساويين هما فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب في بغداد وزلزال تسونامي في المحيط الهندي، شهد العام 2004 اعادة النظر في ممارسات التصوير الصحافي، وسجل بشكل نهائي تغير الامور عما كانت عليه من قبل. ان ما يحصل للتصوير الفوتوغرافي، مع ظهور الصور الرقمية التي اصبحت بمتناول الهواة، هو الشيء نفسه الذي حصل مع فنّ الرسم في القرن التاسع عشر اثر ظهور التصوير الفوتوغرافي.

تناقلت وسائل الاعلام بصورة شاملة، من خلال التلفزيون او الصحافة، الوثائق المثبتة للعنف الذي تمّ ممارسته في سجن ابو غريب في العراق، بالاضافة الى الصور التي شهدت على القوّة المدمّرة لزلزال تسونامي في المحيط الهندي . وبسرعة مذهلة، انتشرت تلك الوثائق والصور في كافة انحاء العالم. واذا اخذنا بعين الاعتبار ضخامة الاحداث المشهودة، لا بل تخطّيها حدود المعقول، يمكن اعتبار هذا الامر قانونيّا مئة في المئة. في الوقت نفسه، قد تكون تلك الصور اغلقت الباب على حقبة من الشهادات الوثائقية المصوّرة عبر الصحافة، او على الاقل قد تشكّل نقطة انتقال الى مرحلة جديدة.

ما يميّز كلتي الحالتين المذكورتين، هو أنّه تمّ تسجيلهما من قبل هواة ونقلهما بفضل التكنولوجيا الرقمية. انّ تصوير تلك الاحداث التاريخية من قبل اشخاص غير محترفين لا يشكل بحدّ ذاته تجديداً على مستوى التصوير الفوتوغرافي، لكنّ النقل والبثّ المباشر لتلك الصور يشكّل حتماً ظاهرة جديدة، اضافة لتأثيرها القويّ على الرأي العام.

في النهاية، لم يؤثّر نشر صور التعذيب في العراق على نتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية، لكنه وجّه ضربة خطيرة - طويلة الامد (في البلدان المسلمة وخاصة في الشرق الاوسط) - تهدّد موقع "القوّة الاكبر في العالم". فبعد رؤية تلك اللقطات، من الصعب الاستمرار في الاعتبار أن أميركا التي يحكمها جورج بوش اليوم هي المكان المفضّل للديمقراطية. كيف نستطيع القبول بما فعله الاميركيون بحجّة حمل العراقيين على احترام حقوق الانسان، وذلك باخضاعهم لاذلالات جنسيّة جديرة بافلام الهواة السيّئة المنسوخة عن الافلام الاباحية السادية المازوشية. فقد رأينا رجالاً عراة مربوطين كالحيوانات، مرعوبين من الكلاب، ومعروضين من قبل الحرّاس كغنائم مباريات الصّيد؟

أمن الممكن مقارنة تلك الصور الشنيعة لابو غريب بتلك التي تظهر الدمار العنيف الذي ألحقته الموجة العملاقة التي قضت على ما يقارب ثلاثمئة الف شخص، أغلبهم من صيادي السمك الفقراء ونازحين من داخل البلاد هربوا من حقول الأرز بحثاً عن الاستفادة من خيرات السياحة الغربية على الشواطىء؟

نعم، فمن وجهة نظر التصوير، انهما متطابقتان. ونظراً لذلك، فانّ الوثيقة وحدها، أيّا كان صاحبها، تكفي للتأكيد والتشريع لحدث ما، في الوقت الذي كان التقليد، على مدى قرن من الزمن، يسمح فقط للصحافيين المحترفين بنشر الوقائع الشاهدة على الاحداث.

مثلا اذا اخذنا مجلّة باري ماتش على صعيد الصحافة الفرنسية، نرى انها خصّصت على الفور موضوع الغلاف، وملفّ من اربع وعشرين صفحة، لاجتياح التسونامي لشواطىء جنوب شرق آسيا -الامر نفسه ينطبق على اغلبية الصحف والمجلات في البلدان الثرية. لكن في النهاية، لم تتمكّن المجلّة من اثارة دهشتنا اكثر ممّا فعلته محطّات التلفزة، التي كانت تفاخر يومياً بحصولها على وثائق جديدة مصوّرة من قبل هواة، والتي كانت مثيرة للدهشة دون أدنى شكّ.

ومع ان الامر لا يحتمل، فلنحاول أن نتناسى كيف أولي الاهتمام للمسافرين الاجانب (السوّاح)، الامر الذي خفّف نسبيا من وطأة العدد الكبير للضحايا "المحلّيين" ( اكثر بمئة مرة على الاقل)، ولننظر الى الصور التي عرضتها لنا وسائل الاعلام، والى طبيعتها.

في هذا الصدد، ان غلاف مجلة باري ماتش ذو دلالة. فهو عبارة عن نسخة لصورة رقمية (أهي لقطة ثابتة او متحرّكة؟) تظهر لنا الموجة الضخمة التي ستطيح بالمنطقة (مع انّ لون الموج الازرق المائل الى الاخضرار ما زال يحافظ على مثاليّته ورونقه). من المفروض بالصورة ان تعرض لنا (كالتصوير الفوتوغرافي فيما مضى) "حقيقة موضوعيّة"، بما اننا نتمكن من رؤيتها عبر الوسائل التكنولوجية التي تقوم فقط بـ"تسجيل" الحدث. لكنّ الجديد في الموضوع يعود بشكل خاصّ الى الوجود الواضح لصور الهواة الرقمية في كافة مجالات الاحداث، وذلك منذ أربع او خمس سنوات.

نتناول هنا طبيعة الصورة الاصلية والرقمية والهاوية. فهي، بصورة غير مباشرة، تستخدم العديد من وسائل "التشويش" الرقمي، التي تشطب باستمرار الصور المنشورة في الصحف، وذلك لأسباب متعدّدة مثل "الحق في الصورة" او سواه من الاخلاقيات الخارجة عن نطاقها. ومروراً، يجب التسجيل أنه لم يكن من شأن "التشويش" على قفا ضحايا ابو غريب واعضائهم التناسلية، سوى جذب النظر الى تلك الاجزاء المخبأة...

ان الانتشار الواضح للصور الرقمية في الصحافة، ليس سوى مصادقة، او فقط تجسيد، لوضع الصورة اليوم. فهي لم تعد مرتبطة بالتقليد الفوتوغرافي، انما بالموجة الجديدة التي تنقل الواقع بواسطة الرموز الرقمية ضمن اطار محدّد، اضافة لما ينتج عن ذلك على كلّ من الصعيد البصري والتقني والتفسيري. لقد تغيّرت علاقتنا بالواقع وصورته، ذلك انه ما كان مخصّصا لنخبة ما اصبح اليوم بمتناول الجميع. فالكلّ يشهد على الاحداث ويستخرج صورا عنها. علينا فقط اخذ الامر بعين الاعتبار.

بعد احداث أبو غريب وكارثة المحيط الهندي، تغيّر كلّ من موقع وشرعية منتج المراجع الوثائقية المصوّرة بشكل جذريّ ونهائيّ. فأيّ شخص مزوّد بآلة تصوير رقمية أو بهاتف محمول يتضمّن تقنيات التصوير الثابت او المتحرّك، أصبح بامكانه الحصول على وثائق مسجّلة او مصوّرة، ونشرها بواسطة الانترنت. لقد ولّت أيّام احتكار السلطة من قبل المحترفين وتعجرفهم. فأيّ واحد قادر على تصوير الاحداث ونشرها والكشف عمّا حصل للمشاهدين. ممّا يعني، أولياً، انه لن يمرّ اي حدث بعد اليوم دون ان يتمّ تصويره...

انّ هذا الواقع الجديد يحمل كلاّ من المصوّرين الصحافيين الذين قرّروا تكريس حياتهم لتصوير الاحداث، ووسائل النشر التي أسّست رأسمالها من خلال نشر تلك الصور، على اعادة النظر جدياً بمواقعهم.

فأين دور المحترفين بعد ان اصبح باستطاعة اي كان (والحالة كذلك) التقاط صور مهمّة بواسطة هاتفهم المحمول؟ ماذا يبقى لديهم في حال اضطرت أضخم وسائل النشرالى البحث يائسة عن صور جديدة وغير مقنعة، بمواجهة الضربة القوية التي وجهها لها التلفزيون الذي يبثّ فوراً الوثائق المصوّرة؟

يبقى هنالك خياران. امّا استعادة المصورين لنحيبهم القديم العائد الى عشرين سنة مضت، يوم شهّروا ب"المنافسة غير القانونية" (نفي التاريخ) التي شنّها عليهم التلفزيون عندما استحوذ على سلطة كبيرة، وامّا التقدم بمقترحات تخضع لقواعد بسيطة جداً، في آخر المطاف.

المصوّرون هم الورقة الاخيرة بين ايدي الصحافة المطبوعة المتبقية التي تستخدم التصوير الفوتوغرافي، فباستطاعتهم تصوير الاحداث باعتماد وجهة نظرهم الخاصّة والمختلفة، التي يصعب التقاطها عبر القناة المتلفزة لاحتكامها بوتيرة النقل الفوري المتسارع. بامكانهم ايضاً اجراء تحقيقات طويلة الامد والكشف عن بعض جوانب مجتمعتانا التي لا يستطيع التلفزيون معالجتها. كما يمكنهم دخول منطقة الحدث والعمل خلسة من اجل التوصّل الى اظهارالوقائع ضمن قوالب جديدة والحكّ على مكامن الوجع من خلال تصوير الجرح.

ان العلاقة بين الصحافة والتصوير لم تعرف ابدا "عصراً ذهبياً"، حتى بعد العام 1945 وقبل هيمنة التلفزيون في مجال الاخبار، عندما كانت صفحات المجلات الاسبوعية المصوّرة تخبر عن حوادث العالم، مستخدمة المصوّرين كوسطاء اساسيّين لاستكشاف ميدان الحدث وتقاسمه بالوكالة.

ابتداء من هنا اصبحت المسألة سهلة. يجب على كل وسائل النشر، من أصغرها الى أكبرها، اعادة النظر في الاهداف - ما الذي تريد قوله ومن أيّ وجهة نظر؟- الموجودة وراء نشرها للصور، ومنها الصور الرقمية لكن ايضاً الفوتوغرافية، وحتى الصور بالاسود والابيض والرسومات واللوحات المنسوخة...تشكل تلك الوثائق، بنسب مختلفة، جزءا من الاخبار، وكلما ابتعدت عن القوالب الجاهزة كلما كانت أكثر ارتباطاً بالموضوع الذي تعالجه.

لذا يجب اخذ العلم والاقرار بأنّ الصور الرقمية الآتية من العراق أو من آتشه ليست سوى وثائق، ولا يزال بعض المصوّرين يحاولون اظهار وفرض وجهات نظر معارضة او مكمّلة او على هامش ما يأتي به التلفزيون والانترنت. والاقرار بأنّ هذا النتاج المبتكر، يشكّل الرهان الفعلي لاستمرار المنشورات المطبوعة، ليس واجبا فقط (ان تجاهل او انكار ذلك يعدّ ضربا من الانتحار)، انّما هو امر ضروري لاعادة النظر في الدور، الغائب حالياً، الذي تلعبه الصفحات التي تنشر كل يوم او كل اسبوع، والتي لا تحمل أيّ وجهة نظر.

وحدهم الكتاب- المؤلّفون، قادرون على انقاذ صحافة مكتوبة تشهد احتضار كافة مصطلحاتها. وحدهم المصوّرون المصمّمون قادرون على حثّنا على التفكير والشكّ. لذا، وكما حصل في العشرينيّات، ابّان ظهور الصحافة المصوّرة، يجب التركيز على هؤلاء الاشخاص في اعادة طرح الاسئلة حول التكنولوجيّات المعاصرة، والنظر في حدود قدرتهم، كما بالنسبة للتصوير الفوتوغرافي،على تخطّي الهوامش والحدود المرسومة.

مع هذا، يجب ان ندرك بكلّ بساطة، أنّ احضار وثيقة مصوّرة عن الاحداث لم يعد امراً كافياً، فقد اصبح ذلك بمتناول الجميع وبمتناول أيّ شخص وأيّ آلة أو هاتف. تبقى هنالك مسألة اعادة تحديد الدور الذي تلعبه الصورة في الاخبار. فقد بلغنا نقطة افتراق جديدة في تاريخ التصوير الطويل: من جهة، الصور الفوريّة والرقميّة، ومن جهة اخرى، التصوير الفوتوغرافي المختصّ.

ان ما يجري اليوم بالنسبة للتصوير الفوتوغرافي، بعد ظهور الصور الرقميّة، قد حدث من قبل مع فنّ الرسم في بداية القرن التاسع عشر مع ظهور التصوير الفوتوغرافي. ولقد اتى دور الصورة الفوتوغرافية اليوم، لتبرهن اننا سوف نشهد مع الوقت بروز مصوّرين مهمّين، على غرار كبار الرسّامين أمثال سيزان، ماليفيتش وبيكاسو، وصورهم ستكون أقوى وأجدد وأكثر تأثيراً من ايّ وقت مضى.


www.almarrakchia.net - All rights reserved © 2005 - موقع المراكشية - جميع الحقوق محفوظة  2005