|
”
احتل الإعلام موقع القلب, وكان أن نظر له باعتباره رديفا
إستراتيجيا, ولم يتم الاعتراف بمركزيته فقط في دعم المجهود
الحربي بل اعتبر جزءا لا يتجزأ وأساسيا من ذلك المجهود
” |
في
معمعمة عملية الحرب احتل الإعلام موقع القلب, وكان أن نظر له
باعتباره رديفا إستراتيجيا لا يمكن التعامل معه بخفة. لم يتم
الاعتراف بمركزيته فقط في دعم المجهود الحربي, بل اعتبر جزءا لا
يتجزأ وأساسيا من ذلك المجهود.
لذلك فإن محاكمات أداء ذلك الإعلام
التي أعقبت قيام الحرب وانتهاء مرحلتها العسكرية المباشرة توازت ولا
تزال تتوازى مع المحاكمات التي تقام لإعادة النظر والتشكيك في الحرب
نفسها وبناء على الاعتبارات والذرائع التي شنت بسببها.
لكن الانطباعات العامة التي ترددت
في معظم بقاع العالم كانت تحوم حول اتهام مركزي موجه إلى الإعلام
الغربي, أو بدقة أكثر الإعلام الأميركي والبريطاني والمتلفز منه على
وجه التحديد, مفاده أن هذا الإعلام انحاز بتياراته الرئيسية إلى منطق
الحرب, ولم يسأل القائمين عليها كما هي أصل مهمته: المساءلة
والتشكيك.
بل عوض ذلك ضحى بالمهنية والموضوعية
وداس على كل المدارس الإعلامية التي كان رياديا في تكريسها في حقل
الإعلام, وتمترس في خندق الحكومات. على أن هذه الانطباعات العامة بقي
الكثير منها غير مؤسس على قراءات علمية أو دراسات بحثية تقدم الدليل
تلو الدليل على ذلك الاتهام.
لهذا فقد دأبت أكثر من مؤسسة
إعلامية كبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا على نفي تلك التهمة, بل
والهجوم المضاد والقول إنها لم تكن منحازة لأي طرف قبل وخلال وبعد
الحرب, بل إلى الحقيقة.
أبعد من ذلك كانت (بي بي سي)
البريطانية تقول, وما زالت, إنها تتهم من قبل الحكومة البريطانية
بكونها "لم تكن وطنية بما فيه الكفاية", وأنها أضمرت موقفا ضد الحرب
أضعف من موقف الحكومة, فضلا عن أن يساندها.
في القسم الثاني من الكتاب, وفيه
الفصل الذي كتبه مارك كيرتز, هناك تناول بشكل مركز لمسألة تعزيز دور
الإعلام الغربي في الحرب كآلة ضرورية لتطبيق الحرب النفسية, أي أنه
تخلى تماما عن دور المعلم الذي يكون همه اللحاق بالمعلومة والخبر
والبحث عن الحقيقة.
وهنا يرصد كيرتز كيف كانت
التلفزيونات الغربية تنقل أخبار انتصارات التحالف في الأيام الأولى,
والانهيارات العراقية المتتالية رغم أنها لم تكن حقيقية, وكل ذلك
بهدف تحطيم معنويات الخصم.
وللإشارة إلى الأهمية الفائقة لدور
الإعلام والدعاية, وكما في فصل آخر عن ماكينات البروباغاندا
الأميركية البريطانية, فإن نظرة واحدة إلى ميزانيات الدبلوماسية
العامة لا تدع مجالا للشك في أن مسألة الإعلام تقع في قلب الجهد
الإستراتيجي الأميركي.
فالميزانيات المرصودة من قبل البيت
الأبيض لنشر وجهة النظر الأميركية وتحسين صورة الولايات المتحدة في
العالم, وخاصة الإسلامي منه, تزيد عن مليار دولار سنويا. أما
الميزانية المناظرة في بريطانيا فتبلغ نصف مليار دولار.

الإعلام بين الوطنية
والموضوعية المهنية
|
”
صحيح أن الحقيقة هي أولى ضحايا الحروب كما يقال دوما, لكن هذه
المقولة المعروفة يجب أن تدفع بالإعلام إلى محاولة كسر القيود
التي تفرض عليه للحيلولة دون الحقيقة, وليس للاستسلام لها
” |
يتناول
الكتاب قضايا عديدة ومتنوعة ويمكن الإشارة إلى أن أهم تلك القضايا
مسألة الموضوعية ونقل الأخبار كما هي من دون رتوش, وتحري الحقيقة ما
أمكن.
صحيح أن الحقيقة هي أولى ضحايا
الحروب كما يقال دوما, لكن هذه المقولة المعروفة يجب أن تدفع
بالإعلام إلى محاولة كسر القيود التي تفرض عليه للحيلولة دون
الحقيقة, وليس للاستسلام لما تتضمنه.
مساهمات الكتاب تدلل بالمعلومة
والرقم والتسجيل كيف أن محطات كبرى مثل "سي إن إن", و"بي بي سي"
و"فوكس نيوز", و"سي بي إس" لم تبذل جهدا كافيا لاختراق الحصار
الرسمي, ولتمحيص المقولات الرسمية المسوغة للحرب.
ففي الفصل الذي كتبه محرر الكتاب
ديفد ميلر هناك رصد دقيق لكيفية تسويق ما أسماه "الكذبة الكبرى", وهي
برأيه تلك التي كانت تقول إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وبإمكانه
أن يضعها قيد التنفيد خلال 45 دقيقة.
وهذا الزعم الذي ردده توني بلير
وجورج بوش لم يخضع للمساءلة الحقيقية من قبل الإعلام, بل تم ترديده
وكأنه مسلمة. ويذكر أن أسلحة الدمار الشامل العراقية المدعاة وخطرها
المزعوم على المدن الغربية كان أهم عنصر من عناصر الدعاية للحرب
والمؤثرة في الرأي العام البريطاني والأميركي.
القضية الثانية التي يتعرض لها
الكتاب, وهي على قدر كبير من الخلافية, هي مدى "وطنية أو مهنية"
وسائل الإعلام خلال الحرب. فالجدل الذي احتدم قبيل الحرب في أوساط
أميركية كثيرة كان يدور حول هذه التقابلية. أي في ما إن كان مطلوبا
من الإعلام أن يسير خلف الحكومة ويدعم رأيها الأخير حتى وإن لم يكن
ذلك الرأي هو الصواب, أم يلتزم بالمهنية والموضوعية ويظل يخضع الرأي
وما نتج عنه للنقاش والشك.
يشير الكتاب إلى أن الأمر حسم
باكرا, وإلى أن توجيهات صدرت من أعلى مراكز صنع القرار في واشنطن
وأرسلت إلى أهم محطات التلفزة الأميركية تطالبها بأن يكون موقفها
وبثها الإعلامي خلال الحرب "وطنيا" ومنسجما مع المصالح الإستراتيجية
الأميركية.
والغريب في الأمر أن تلك المحطات
التزمت الأوامر بحذافيرها, وكأن الأمر يتم في دولة عالم ثالثية من
طراز أول. طبعا ليس في مقدور أي إدارة أميركية أن تصدر مثل هذه
الأوامر من ناحية قانونية وتشريعية, لكنها رسمت حدودا للوطنية
والخيانة ما كان بإمكان أي شبكة إعلامية كبرى أن تتجرأ وتتخطاها حتى
لا تتهم بأنها تضر بالمصلحة القومية العليا.
لهذا فقد رأى المشاهدون في العالم
صورة عن الحرب في العراق في الإعلام التلفزيوني الأميركي -كما يورد
الكتاب- هي غير الصورة التي كانت تنقلها وسائل إعلام أخرى وخاصة
العربية.
ويأمل محررو الكتاب أن تقدم بعض
وسائل الإعلام العربية المتلفزة, بالإضافة إلى وسائل إعلام عالمية
أخرى متمردة على السيطرة الإعلامية الغربية, بديلا عالميا يكون
مقبولا، لكن الحديث عن الإعلام العربي يراد له معالجة أخرى ومنفصلة.
القسم الثالث من الكتاب يستعرض
دراسات وتحليلات ورصدا لما بثته بعض شبكات التلفزة الكبرى مثل "بي بي
سي" و"سي بي إس"، وقد قام بهذه الدراسات أكاديميون من جامعات
بريطانية وأميركية, رصدوا من خلالها مئات التقارير المتلفزة التي
جاءت من ساحة المعركة, وحللوا كيفية تغطيتها. وفي كل الحالات
المستعرضة كانت النتيجة واحدة وهي أن تغطية الحرب كانت منحازة وغير
موضوعية ودعائية تحريضية.
وهي نتيجة مدهشة خاصة في حالة "بي
بي سي". ومن أسباب الانحياز وغياب الموضوعية تحيلنا تلك الدراسات إلى
مسألة المراسلين المرافقين التي ابتدعها البنتاغون, حيث سمح لمئات
المراسلين بمرافقة الوحدات العسكرية لنقل وقائع الحرب من "الخطوط
الأمامية".
|
”
عدد الصحفيين الذين قتلوا في العراق فاق أي حرب أخرى, وهذا يدلل
على حجم الكذب الذي كان يراد له أن يمر دون انكشاف, حتى تظل
أسطوانة "اكذب علي" هي السائدة
” |
لكن
كان على أولئك المراسلين أن يوقعوا على وثيقة طويلة مليئة بالشروط
التي تجعل من تغطيتهم المستقلة أمرا شبه مستحيل حيث يخضع كل ما
يريدون بثه لمراقبة أولية من قبل الجيش.
آخر أقسام الكتاب خصصه المساهمون
للبدائل التي من الممكن أن تنشأ وتنافس الإعلام الغربي وتكسر
احتكاره. وفي هذا الفصل هناك دعوات للانفلات من شبكات السيطرة
والتحكم التي تحدد بوصلة وآليات واتجاهات الإعلام العالمي.
وفيه فصل كتبه فيصل بودي -الصحفي في
الجزيرة- عن موقع ودور القناة في مسألة تكريس البدائل والمساهمة في
خلق حالة إعلامية عالمية بدائلية لما هو قائم حاليا. كما يتعرض أحد
فصول هذا القسم -والذي كتبه تيم غوبسل- لقضية استهداف الصحفيين في
حرب العراق باعتبارهم الشاهد الأهم على ما يحدث.
ويرصد غوبسل أن عدد الصحفيين الذين
قتلوا هناك فاق أي حرب أخرى, وهو عدد غير مسبوق, وهذا يدلل على أمر
هام هو حجم الكذب الذي كان يراد له أن يمر دون انكشاف, حتى تظل
أسطوانة "اكذب علي" هي السائدة.