يروي
الأديب المصري أحمد هريدي في كتابه "رحلة إلى المغرب", الصادر ضمن
سلسلة "اقرأ" التي تصدرها "دار المعارف" المصرية, "قصة عاطفية" من
نوع خاص ربطته بالمغرب, الذي زاره وارتوت فيه روحه "العطشى لمعانقة
كل ما تصادفه في طبائع البشر وغرائب البلدان وجمال المنظر الطبيعي".
ويسجل الكاتب في مؤلفه, الذي يقع في120 صفحة من القطع الصغير, "قصة
حب مكانها مخيلة المسافر وزمانها حر طليق وأبطالها الطبيعة والبلدان
والإنسان", حيث يحلق بالقارىء في فضاءات مدن "مراكش الوردة" و"الدار
البيضاء المحبوبة" و"أكادير إبنة المحيط" و"الصويرة التي تستحم في
مياه المحيط عند مغيب الشمس في كل مساء".
إنها رحلة في مدن من وطن هو المغرب, بلد إبن بطوطة وطارق بن زياد,
بلد تتراءى فيه الذات العربية بكل ملامحها, حيث يرصد المؤلف
الإنطباعات التي أوحت لها بها رحلته بأحاسيس فنية على طريقة أدب
الرحلات.
إنه المغرب, يقول الكاتب, الذي اجتذب العديد من الرسامين والمصورين
العالميين مثل ماتيس وبول كلي وكانديسكي, ودولاكروا الذي أكد أندري
مالرو أن رحلته المغربية في1832 شكلت "نقطة انعطاف في التصوير
الفرنسي وبداية التحول من الرومانسية الإستشراقية إلى بداية
الإنطباعية".
إن المغرب هو بلد العمارة العربية الإسلامية, يضيف الكاتب, كما يتجلى
ذلك في مسجد الحسن الثاني بمدينة الدارالبيضاء الذي يربض شاهقا
وبخيلاء فوق مياه المحيط, والذي أراد له جلالة المغفور له الحسن
الثاني أن يكون "جامعة لقمة الفنون الإسلامية", وكما يظهر بجلاء في
مدينة مراكش العتيقة "ذات التاريخ الشامخ والتي أعارت اسمها للمغرب
في فترة من التاريخ", وتعاقبت عليها سلالات حاكمة وتحدث عنها رحالة
وشعراء وروائيون في كتبهم.( وبمدينة مراكش يطوف الكاتب بقارئه في
جزئها العتيق, بمدارسها ومقاهيها ودروبها وقصورها وفنادقها, ويطيل
التوقف به عند ساحة "جامع الفنا", التي أكد أنها "القلب المفتوح
للمدينة (...) حيث من السهل على أي إنسان مهما كانت جنسيته ولونه أو
لغته أن يفتح مغالق روحه, ويعانق الأشياء والأحياء من حوله وهي تعلن
عن حقيقتها دون قناع".
ويقرأ أحمد هريدى في الصحف المغربية وهو في رحلة عبر الحافلة في
طريقه إلى الدارالبيضاء, عن سيرة رجل كرمته مدينة مراكش هو المقاوم
الهاشمي الطود الذي قاده حلمه الثوري ضد الاستعمار الى القاهرة حيث
إلتقى عبد الكريم الخطابي زعيم ثورة الريف ضد الإستعمار الإسباني
أثناء وجوده بالقاهرة, وينطلق من هذا الخبر ليعرض لتاريخ المقاومة في
المغرب, ومشاركة المتطوعين المغاربة إلى جانب إخوانهم في حركات
التحرر من الإستعمار في المغرب العربي, وكذا مشاركة جيوش مغربية في
الحروب التي خاضها العرب ضد إسرائيل.
ويتحدث الكاتب, من جهة أخرى, عن تلك "العلاقة العاطفية" التي تربط
بين المغاربة وبلدان المشرق, وخاصة مصر التي كانت عبر التاريخ
"المحطة الرئيسية لأهل المغرب الذين يقصدون الحج والمستقر للعديد من
أبنائه من التجار والعلماء وطلاب العلم", مشيرا إلى أن علماء جاؤوا
من المغرب وأقاموا في مدينة الإسكندرية على الخصوص, وتحولوا إلى
أعلام فيها ومنهم الشيخ القباري والشيخ الشاطبي والعالم البوصيري.
ويفرد الكاتب فصلا من كتابه تحت عنوان "العربية وطن المغرب", لتمسك
المغاربة بهويتهم وخصوصياتهم ولغتهم العربية في مواجهة "موجة
الفرانكوفونية" و"العولمة" ويستشهد بعدد من الكتاب والمفكرين
المغاربة المناهضين ل"استئساد" اللغات والثقافات الأجنبية, ول"إقصاء"
اللغة والثقافة العربية.
كما أبرز تأثر الفكر المغربي بالتيارات الفكرية التنويرية سواء في
تاريخ الفكر العربي الإسلامي أو في الفكر العالمي