|
بقلم :( رضا السقاط) ومع/
لمدينة
مراكش الحمراء علاقة غريبة بالأدباء والفنانين, فما أن يزورها احدهم
حتى يتحول إلى أشد مريديها إخلاصا, مدينة أسرت العديد من الأسماء
وجعلتها تختار الإقامة الدائمة بين أسوارها لا بل تتحول إلى خط دفاع عن
أصالة هذه المدينة وطابعها التراثي العريق .
ولعل من أبرز الوجوه التي أصبحت تشكل إحدى منارات المدينة, الكاتب
الإسباني خوان غواتيسولو الذي لن تنسى ساحة جامع الفنا انها بفضل حب
هذا الكاتب لها أضحت تراثا شفويا عالميا وانه ناضل طويلا من أجل ان
تحافظ على تراثها الذي تناقلته الأجيال .
هذا الروائي الاسباني, الذي ينتمي إلى القلة القليلة من الكتاب
العالميين الذين مازالوا يؤمنون ويطالبون بكل عزم بقلم وبفكر ملتزمين
بعالم عادل يكون فيه الكل سواء, استهوته المدينة الحمراء واحتلت مكانة
متميزة في جل كتاباته واختارها منذ ربع قرن كمقر لإقامته .
ويرى خوان غواتيسولو, المحتفى به في حفل تكريم خاص احتضنته مؤخرا
بمراكش ناقش موضوع " تحالف الحضارات وتحالف القيم" والمؤمن بقيم
التسامح والتعايش, أن الحوار بين الثقافات يعتبر الوسيلة الناجعة
لإيجاد الحلول الملائمة للوضع المتدهور الذي يعيشه العالم في الوقت
الحاضر .
واعتبر الكاتب الاسباني الذي احتفت به المدينة الحمراء باعتباره القوة
الدافعة وراء تكوين حركة لحماية ساحة جامع الفنا التي يصفها " بالفضاء
الثقافي الرحب والغني المهدد بأن تغمره المشاريع التجارية وضغط التطور"
خلال هذا اللقاء , أن عمله يستمد قوته في البحث عن التناقضات والصعوبات
التي تعتري كل ثقافة بما في ذلك ثقافته الاسبانية وعلى أنه يحاول دائما
فهم مضمون الثقافات الأخرى واحترامها وعدم السقوط في متاهة الهوية
الوطنية الضيقة. وأكد غواتيسولو, الذي بذل مجهودات قيمة أثمرت سنة2001
عن تصنيف ساحة جامع الفنا كتراث شفوي عالمي للإنسانية من طرف منظمة
الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونيسكو), على أهمية تحالف
القيم أكثر من تحالف الحضارات باعتبار أن المفهوم الأخير يختزل بالنسبة
له منطق تصادم وقوة وتفوق في حين "عندما نتكلم عن القيم الإنسانية
المشتركة فإنها توحي بتقارب تدريجي في وجهات النظر والمصالح حول
القضايا المشتركة والاعتراف بأننا نتقاسم المصير نفسه ".
فهذا الأديب الإسباني هو نموذج لأولئك الأدباء والمثقفين الذين يرون أن
تفاعل الثقافات من شأنه ضمان السلام والتقدم والاستقرار للإنسانية
والذين كرسوا إبداعاتهم للدعوة إلى الانفتاح الدائم بين الحضارات
المختلفة والتي لن تكون إلا في صالح مختلف الشعوب .
مسيرة التزام ونضال من أجل القيم الحضارية والإنسانية جعلت غواتيسولو
جديرا بتكريم مدينة مراكش له ولإبداعاته .
فهذه الاحتفالية التي تم خلالها ابراز المسار الأدبي والفكري للأديب
الإسباني خلال النصف الثاني للقرن العشرين, عرفت مشاركة عدد من
الشخصيات من أوربا وأمريكا والشرق الأوسط أدلو بشهادات في حق هذا
الكاتب إلى جانب ثلة من المهتمين المغاربة المختصين في أعمال خوان
غواتيسولو .
شهادات أثبتت أن هذا المبدع كان متميزا في كتاباته كما كان مبدعا في
إنسانيته واحترامه للقيم الثقافية للآخرين, فهو عندما يكتب, وكما يقول
عن نفسه, "لا يصطنع مواقف ولا شخصيات ولا احداث, بل ألوان وأشكال كثيرة
التفكير وتجمعات نصية تتشكل فيما بينها" لتصير بناءات تشبه في هندستها
الأبنية المعمارية أو الصور التشكيلية.
|