تغطية شاملة لقضايا وأخبار جهة مراكش  

بوابة مراكش الأولى باللغة العربية

ناطقة باسم المركز الجهوي للإعلام والتواصل بمراكش

المـــــراكشية
 www. almarrakchia. net

    Almarrakchia         

اتصل بنا

من نحن؟

    

مقالات حول مراكش

  صفحة البداية   أرشيف الأخبار مواقع الصحف المغربية | ملخص الصحافة المغربية بالفرنسية |  قضايا وآراء إعلام وتواصل |

 

الخبر

كل الحاضرين مغاربة و لا يوجد في القاعة ولو "فْرانْساوي واحدْ"ورغم ذلك فالعروض كانت بالفرنسية

مراكش : عبد المجيد آيت مينة
"المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية"، على هذا الإيقاع ينطلق التصدير الذي يقدم للدستور المغربي.
لكن، ماينطق به الواقع وينتهي إليه ، يختلف، بشكل كامل، تقريباً، عن ماينطلق منه الدستور ويؤكد عليه.
خلال حملة تحسيسية حول تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، عقدت بمراكش أخيراً، قاطع أحد المشاركين في اللقاء كلمة أحد المتدخلين، الذين اختاروا الحديث باللغة الفرنسية، مُطالباً في ضجر لافت أن تُلقى العروض بالعربية بدل الفرنسية.
المشارك استطرد، مدافعاً عن وجهة نظره، قائلاً إنه، ككثير من المدعوين من أرباب المقاولات الصغرى والمتوسطة، لايفهم في الفرنسية جُملة واحدة، قبل أن يتابع، في ضيق واضح، قائلاً إن كل الحاضرين مغاربة وأنه لا يوجد في القاعة ولو "فْرانْساوي واحدْ".
مُسير الجلسة، الذي بدا أن الطلب فاجأه، لم يجد أمامه سوى التوجه إلى صاحب الطلب بسؤال مضاد يُلخص، ربما، لضيق معاكس، قائلاً : "امْنين انْت ؟".
- "منْ قلْعةْ السْراغْنة"، أجابه السائل.
- "مُقاوييييل ؟"، سأله مسير الجلسة من جديد.
- "إيييه"، أجاب المشارك، قبل أن يغُوص في مقعده.
في لمح البصر، قفز المتدخل، الذي كان يقدم كلمته بالفرنسية، على فأرة الحاسوب لينتقل من ملف بالفرنسية إلى آخر بالعربية، قبل أن ينخرط في إلقاء مداخلته بعربية فصيحة وبسلاسة يُحسد عليها، هو الذي فضل، قبل وقت قصير من ذلك، التكلم بلغة موليير، الشيء الذي جعل معظم الحاضرين، من رجال الإعلام والمقاولين والضيوف، يستغربون من الأسباب التي جعلته، كمعظم المتدخلين، الذين سبقوه بمداخلاتهم وآرائهم، يختار التواصل بالفرنسية.
ولخلق جو من المرح داخل القاعة عاد مسير الجلسة، في نوع من الفكاهة، ليسأل المتدخل عن السبب الذي جعله يفضل إلقاء عرضه بالفرنسية مع أنه متمكن من العربية، فضلاً عن أنه يتوفر في حاسوبه على نص المداخلة باللغتين.
المتدخل أجاب ببرود مشوب بكثير من الإحراج، قائلاً إنه لم يفعل أكثر من السير على خطى من سبقوه، ممن ألقوا مداخلاتهم بالفرنسية.
سؤال "امْنين انْت ؟"، الذي طرحه مسير الجلسة على المقاول السرغيني، فاجأ كثيرين وأشعر بعضهم بانعدام الوزن. فقد بدا في السؤال كثير من الاستعلاء والاستخفاف برغبة رجل في منتصف الستينيات من العمر في أن يعيش مغربيته كاملة : مقاولٌ مغربي جاء مراكش المغربية من قلعة السراغنة المغربية ليشارك في لقاء تحسيسي مغربي يُنظم لفائدة مقاولين مغاربة داخل قاعة مغربية تابعة لفندق مغربي. شيخٌ لايفقه في الفرنسية كلمة "بونجور"، وله كامل الحرية في ذلك، تماماً كالفرنسيين الذين لايفقهون في العربية جملة واحدة، لكنهم يشاركون في لقاءاتهم، التي تنظم في بوردو أو باريس، ويناقشون محاورها بلغتهم الفرنسية وليس بالعربية أو العبرية.
سؤال "امْنين انْت ؟"، قد يبدو في هذه الحالة، من نفس صنافة أسئلة أخرى، من قبيل "اشْكون انْت ؟" و "آشْ تْكون انْت ؟" و "ولْد منْ انْت ؟". أسئلةٌ تُكرس، للأسف، حالة مغرب واحد وموحد في جغرافيته، ومتعدد ومتباين في قناعات واختيارات ناسه.
والواقع أن ماجرى خلال هذا اللقاء لم يكن إلا مثالاً للعشرات من اللقاءات والمؤتمرات والندوات التي تنظم في مراكش، أو في غيرها من مدن وقرى المملكة، والتي يتم الإصرار خلالها على الحديث والنقاش بالفرنسية.
في مثل هذا الواقع، يبدو أن أسوأ مايمكن أن يحدث لأي فرد منا، ممن يبدو "مُعرباً" في لغته واختياراته اللسانية ونمط حياته، هو أن يجد نفسه يحضر لقاءً يبدو، من خلال الهالة التي تصاحبه ومن خلال مدعويه ومداخلاته و جوه العام، "مُفرنساً"، ابتداءً من الملفات الصحفية ووثائق اللقاء، وانتهاءً بأسماء الحلويات التي تقدم خلال الاستراحة.
أن تجد نفسك داخل هذه الأجواء، يعني أن تشعر، رغماً عنك، أنك أقل قيمة من "المُفرنسين"، وأنك مختلف، وربما متخلف وجدير بالشفقة.
في مثل هذه اللقاءات، قد تحاول أن تقنع نفسك باقتناص أول فرصة للانخراط في ساعات ليلية تمكنك من تعلم الفرنسية وضبط سُبل الحديث بها صواتة ولساناً.
قد تبدو، في مابين نفسك، وأنت تحذق في الحاضرين، كما لو أنك خارج للتو من خيمة عنترة بن شداد، فيما يعلو وجهك "صهد" وغبار صحراء شبه الجزيرة العربية.
ربما أحسست بالاختناق في حلقك و في خاطرك. وربما تذكرت كلاماً كان كتبه الشاعر أدونيس، ذات كتاب، قال فيه إن اللغة العربية "لا حظ لها في الواقع - على أرضها"، وأنها "لغةٌ تُحاصر وتُقمع وتُنفى، من كل صوب، بحيث أنها تكاد أن تختنق، بل إنها تحتضر في حناجرنا".
لحسن الحظ أن هذه الحيرة لن تدوم إلا قليلاً، قبل أن يزداد إصرارك في الدفاع عن اختياراتك، في نوع من ركوب الضد.
ومن المؤكد أنك في نهاية الضجر، ستجمع نفسك وحقيبتك، لتودع كرسيك غير آسف. وفي الخارج، ستؤكد لك "الميكة الكحلة" أنك لازلت في المغرب.
ستأخذ نفساً عميقاً، قبل أن تردد جملتك، بصوت تردده خطواتك المتسارعة : "اللي ابْغا الفرانساوية يمْشي لفْرانسا".

www.almarrakchia.net - All rights reserved  2005- ©- موقع المراكشية - جميع الحقوق محفوظة 2005