بولانسكي وسوراندون وفيشبورن عادوا إلى
عوالمهم وفنانو المغرب إلى واقعهم الحافي
المراكشية: عبد الكبير الميناوي
قبل أيام، اختتمت فعاليات المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، بعد أن خطف
"الغراب الأحمر" الألماني نجمة الدورة.
تفرقت قبائل المهرجان على إيقاعات متباينة : بولانسكي وسوراندون
وفيشبورن والدبوز والآخرون عادوا إلى عوالمهم المخملية، فيما عاد فنانو
المغرب إلى واقعهم الحافي.
من الفنانين المغاربة من يحمل فناً. ومنهم
من يدعيه.
السينما المغربية خرجت من المهرجان من دون تتويج. فيلم "انهض يامغرب"
لنرجس النجار، نال حظاً وافراً من النقد، وفيلم "إنه عالم رائع" لفوزي
بنسعيدي، اختلفت بصدده الآراء والانتقادات.
خلال أيام المهرجان، أغلب المدعوين من الفنانين نزلوا بالفنادق التي
تجاور قصر المؤتمرات. المنظمون حرصوا على أن يجتمع الفنانون الأجانب والمغاربة
والإعلاميون والضيوف في نفس الفنادق.
القرب في المكان لم يرافقه قرب في الآمال والإمكانيات.
المقاهي القريبة من قصر المؤتمرات أغرت ضيوف المهرجان فدفعتهم للجلوس
إلى كراسيها. من بين هذه المقاهي تتميز مقهى "ميلينويم" بأنها في ملكية
اللاعب الدولي السابق الطاهر الخلج.
سينمائيون وإعلاميون في ضيافة لاعب كرة معتزل.
"قناة المهرجان" جمعت صحفيي القناة الأولى والقناة الثانية على نفس
بلاطو التقديم، فيما أعطت الكلمة لفنانين من المغرب ومن الخارج.
الطريقة التي وقفت بها الإسبانية "باز فيكا" خلال حفل الافتتاح شدت انتباه
النساء والرجال. أنوثةٌ طاغية وقدٌ باذخ.
كعادته في مثل هذه المناسبات، فقد تألق القفطان المغربي بشكل لافت،
وكان إحدى العلامات الجميلة التي أثثت للمهرجان.
القفطان المغربي صار يتملك معظم نساء العالم، وخصوصاً الفنانات منهن،
ممن يحرصن على ارتدائه زينة واختيالا.
مهرجان مراكش ببساطه الذهبي شكل فرصة للجمهور الذي تابع فعالياته
ليعاين ويشاهد نجوما وضيوفا، مغاربة وأجانب، يبتسمون للكاميرات
وأضوائها فيما الأبصار مشدودة إلى القفاطين التي بدت في جمالها أشبه
بلوحات تتمشى أمام الأعين.
سوزان ساراندون، مثلاً، اختالت في فستان ذهبي. آمال عيوش زاوجت أحمر
الفستان بأزرق الجينز فكان الزواج موفقاً. الإعلامية فاطمة النوالي
وقفت بقدها توزع ابتساماتها. منى فتو اختالت في فساتين مغربية وهي تقدم
فقرات حفلي الافتتاح والاختتام وحفلات التكريم، ولو بفرنسية باردة.
كذلك كان حال مجيدة بنكيران وفاطمة خير والأخريات.
الفنانون المغاربة تناوسوا الجلباب فارتدى بعضهم ربطات العنق حتى في
السهرات الخاصة التي جاوزت منتصف الليل.
من بين كل القفاطين التي استمتع بها جمهور المهرجان، بدا القفطان الذي
لبسته الممثلة الأمريكية سوزان ساراندون الأبهي والأجمل. ممثلة ذهبية
تختال في قفطان ذهبي فيما تتمشى عبر بساط ذهبي لتحظى بتكريم ذهبي اللون
والقيمة.
جمال الدبوز بقي وفياً لشغبه الفكاهي وعفويته الجميلة. لورنس فيشبورن
أصر أن يمثل أمام جمهور المهرجان في المدخل الذي يقود إلى داخل قصر
المؤتمرات بعضاً من حركاته التي عرف بها من خلال مشاهد سلسلة ماتريكس.
عرضُ الأفلام المشاركة شمل مجموعة من القاعات والفضاءات، سواء منها قصر
المؤتمرات أو القاعات السينمائية المتواجدة في مختلف أحياء المدينة،
عبر قاعات كوليزي والريف والسعادة ومبروكة، فضلاً عن ساحة جامع الفنا،
التي عرضت فيها، مثلاً، السلسلة الثلاثية الكاملة لفيلم "ماتريكس"
المكونة من ماتريكس 1999، وماتريكس رولووديد 2003، وماتريكس
ريفوليسيون. وإضافة إلى ثلاثية ماتريكس، شاهد جمهور الساحة فيلم
"الأهالي" أو "أبناء البلد -Indigènes ".
وبهذا تكون ساحة جامع الفنا قد تحولت مع المهرجان إلى قاعة عرض كبيرة
مفتوحة في الهواء الطلق، الدخول إليها بالمجان، من دون حاجة إلى
الامتناع عن التدخين أو إغلاق الهواتف.
التكريمات المبرمجة، يبدو أنها شكلت إحدى نقط القوة التي ميزت هذه
الدورة. تكريم محمد مجد في مناسبتين، واحدة من المهرجان والثانية من
وزارة الثقافة والاتصال الفرنسية حيث وشحته الممثلة ساندرين بونير،
باسم وزير الثقافة والاتصال الفرنسي رونو دونديو دو فاير، بوسام
الاستحقاق الفرنسي من درجة فارس في الفنون والآداب، وألقت ساندرين كلمة
وصفت فيها الممثل المغربي ب"الوحش المقدس".
إلى هذا التكريم المزدوج، تم تكريم توفيق صالح وسوزان ساراندون ورولان
بولانسكي، كما شملت لائحة التكريمات أجاي ديفكاي، وكاجاي موخيرجي
ديفكاي، وجيا زهانك - كي.
ولم تخل الدورة من تلوينات إنسانية أثثت ليومياتها، ومن ذلك كلمات جمال
الدبوز في حفل الافتتاح وهو يحيي الممثل المغربي عبد الرحيم التونسي
(المشهور عبر شخصية عبد الرؤوف) والتي مثلت إحدى أدفء لحظات الدورة،
إضافة إلى حكاية الشابة المغربية لمياء، وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة،
والتي كانت نقلت للصحافة أن حلمها قبل أن تموت هو أن تلتقي ممثلين من
الهند، فكان أن حقق لها الساهرون على تنظيم فعاليات الدورة حلمها.
وبعد تكريم المهرجان للسينما المغربية (2004) وللسينما الاسبانية
(2005)، كرم المهرجان، في دورته السادسة، السينما الايطالية، عبر برمجة
خمسين فيلماً تلخص للخزانة السينمائية الإيطالية، فكانت الفرصة مواتية
لمشاهدة إبداعات روبرتو روسيليني وليتشانو فيسكونتي وفيتوريو دوسيكا
وأنجيلو أنطونيوني وباوولو بازوليني وفيديريكو فليني وبيرناردو
بيرلوطوتشي، وغيرهم من الفنانين الكبار الذين بصموا بأسمائهم وأعمالهم
ذاكرة السينما الإيطالية والعالمية.
وتعتبر السينما الإيطالية، التي صفق جمهور المهرجان لوفدها طويلاً،
ليلة التكريم، سينما للاستشهاد، وهو مايتجسد في أعمال ذات طابع سياسي
تتضمن تعاليق حادة حول المجتمع.
ويبدو أن الاختيار الايطالي خلال هذه الدورة قد اغتنى بالأفلام
المقترحة من طرف مارتن سكورسيزي الإيطالي - الأمريكي، الذي اعترف بفضل
السينما الإيطالية عليه، قائلاً إنها قد "لعبت دوراً حاسماً" في حياته.
السينما الإيطالية التي تنفرد، برأي سكورسيزي، بهوسها لحكي تاريخ الشعب
الإيطالي أكثر من أي سينما أخرى، حيث تعكس البلد وإرثه الثقافي. هذه
"السينما الإيطالية التي تكاد تنبع من الأرض"، كما قال سكورسيزي، هي
نفس الأرض التي ستهجرها عائلة ماكوزو، في اتجاه أمريكا، حاملة معها
أملاً بالعيش السعيد، كما لو أنها راحلة نحو الجنة، وذلك في فيلم
"العالم الجديد"، للمخرج إمانييل كرياليزي، الذي عرض في حفل التكريم،
والذي ينطلق عبر خطوات أقدام حافية تجوب أرض صقلية لتنتهي بأصحابها، في
نهاية الفيلم - الرحلة، عائمين في حليب أمريكا.