نشير في البدء إلى أنها قراءة تحليلية في خطاب لجلالة المغفور له محمد الخامس، يرجع إلى سنة 1943، مفتاحه أو تيمته المهنية هي النظام وانعكاساته التنويرية على مختلف مناحي الجامعتين القروية واليوسفية، بعد هذا نقول: إن البحث في تاريخ التربية والتعليم في المغرب الحديث، يستلزم الرجوع إلى مجموعة من الوثائق والأعمال. من بينها خطب صاحب القرار السياسي الخاصة بهذا الشأن. ألقيت الخطبة. موضوع هذه الدراسة. خلال ربيع 1943. على أساتذة القرويين. بمناسبة دورة الامتحانات برسم هذه السنة
مراكش: محمد الطوكي
أما فيما يخص الشهادات فإن النظام لم يعرف في بادئ الأمر سوى شهادتين، خصت إحداهما بالسنة السادسة من الثانوي، وتخول لحاملها ولوج الطبقة النهائية- التعليم العالي- التي توجت سنتها الثالثة بالشهادة العالمية. ثم استحدثت بعد ذلك شهادة خاصة بمتخرجي السنة الرابعة ثانوي- نهاية السلك الأول- استجابة لرغبة طلبة البادية، الذين رفعوا إلى السدة العالية آنذاك ملتمسا جاء فيه: " ... إن الطلبة الآفاقيين، يطلبون من جلالتكم، تخصيص بعض المدارس لهم، لأن عقلية الطلبة ليست واحدة متهيئة بالطبع لجميع العلوم التنظيمية . وثانيهما أن مايحتاجه أهل البوادي بالبادية، وينتفعون به هو الفقه والنحو، لأنهم حملة الدين بالبوادي، وثالثهما أن غالب أهل البادية لاتتجاوز إقامتهم بالمدرسة نحو الثلاث سنين، فلا تتسع إقامتهم، مع عقليتهم البسيطة، سوى إلى شيء من النحو والفقه... إن أهل البوادي ينتشرون في بلادهم، والناس في أشد الحاجة إلى أمور دينهم، من طهارة، وصلاة، وزكاة، وحج، وأحكام، فإذا رجع الطلبة قاصرين في هذه الأمور فارغين، فإن ذلك من أشد الأمور خطرا على الطلبة خاصة، وعلى الناس عامة. إن أهل البوادي لايسألون عن تاريخ ولا أدب ومنطق، وبيان، ولايحتاجون إليه ماداموا يجهلون أمور الدين الضرورية، وغاية مايحتاجون، والذي يجب عليهم أن يعملوه هو أمور الدين"
لقد تفهمت الدوائر المخزنية فحوى هذا الملتمس الذي يوضح بأسلوب برهاني تعذر متابعة معظم طلبة البادية لكل ماجاء به النظام من طبقات تتطلب ملازمة حلقات الدرس مدة اثنتي عشرة سنة، وأنهم بحاجة ماسة إلى تعليم متوسط، يراعي ظروفهم، ويؤهلهم للقيام بتعريب ساكنة البادية، وتعليمهم أمر دينهم.
وفر التنظيم للمؤسسة الجديدة طاقما للتسيير يعنى بشؤونها التربوية والتعليمية والإدارية، كالمجلس الأعلى للعلوم الإسلامية. والمجلس التحسيني، وتعيين الرئيس ومراقب الدروس ، واقترن تطبيقه بتحسين الوضعية المادية للأساتذة، كما أولى هذا الاصلاح العناية اللازمة للبنى المادية الضرورية لنجاح النظام، كبناء المرافق الإدارية، وخزائن الكتب، وإصلاح المساجد، ومدارس سكنى الطلبة.
كما عالج التنظيم العلاقات التي ينبغي أن تتواشج بين مختلف مكوناته، فعلاقة الأستاذ بمادة اختصاصه ينبغي أن تكون بمنأى عن الاجترار، وعليه أن ينتج معرفة جديدة، عن طريق مواصلة البحث والتنقيب، وأن يتطلع دوما إلى تجديد طرق تدريسه، وألا يعنى أثناء تكوين طلابه بالجانب المعرفي العقلي الصرف، دون الاهتمام بتنمية الجوانب الخلقية والنفسية والروحية.
إن القناة الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف لاتتأتى إلا بوجود نوع من التجاوب بين الأستاذ وطلبته، وحينئذ فعلى الأستاذ أن يخلقه حتى يتسنى للطالب أن يستجيب، فيألف المادة ويحب الأستاذ، ويحترمه ويتعاطف معه، وبما أن حلقات الدرس مفتوحة يحضرها إلى جانب الطلبة رواد غيرهم، وخاصة دروس مابين العشاءين التي يرتادها عامة الناس، وفيهم آباء الطلبة، فقد وجه النظام نظر العلماء إلى توعية مجالسهم من غير الطلبة، بمسؤولياتهم ومنها المسؤولية التربوية، يقول الحجوي الثعالبي عن المواظب على حلقات العلم من عامة الناس، "إنه ليس بأمي، بل هو عارف بماله وماعليه، عضو عامل في المجتمع، بخلاف الأمي الجاهل بذلك، فإنه عضو أشل ضرره على مجتمعه أكثر من نفعه (إلانادرا وعلى خرق العادة) لعدم تمييزه بين ماهو ضار أو نافع، فربما اختار الضار على النافع من حيث لايشعر، والأمي بسيط الفكر ينخدع لكل مهيج، فيقع في شباك الفتانين بأقل إشارة، بخلاف الذي يقرأ الكتب ويطالع الجرائد ويجالس، فإنه يكون مشاركا للعقلاء في تفكيرهم، لاتنطلي عليه حيل المحتالين غالبا"
ولقائل أن يقول : وماعلاقة النظام بعامة الناس؟ فنقول: إن حلقات الدرس منفتحة، يقصدها الطالب المسجل، ومن أراد من الناس أن يستفيد وقد يكون فيهم أولياء التلاميذ، ثم إن المسؤولية الوطنية للعالم، آنذاك، لاتقف عند حدود طلبته، بل تتعداهم إلى آخرين، إلى المجتمع، خاصة في الظرف الحرج الذي كان كل المغاربة يعيشونه وسنرى أبعاد ذلك فيما بعد.
إن النظام الجديد المطبق بديل عن قديم غير مجد، وتبدل الظروف وتغير الأحوال سيحيل الجديد قديما، وستدعو الحاجة إلى استبداله بما يناسب المستجدات، قال طيب الله ثراه:"قابلين مايرد علينا من الآراء السديدة، فاتحين باب الاصلاح كلما سنحت فرصة للإصلاحات الجديدة" "إن من طبيعة الكون أن يستتبع الإصلاح إصلاحا، بحيث لاينبغي للإنسان أن يقف في طريق التحسين".
تلك قراءة في الخطاب الملكي الذي جاء بعد أن أعطى النظام بعض ثمراته في جامعتي القرويين وابن يوسف، حاولنا تحليل محتوياته انطلاقا من مفهوم المؤسسة التربوية، كما عمدنا إلى تنوير توجهاته، ومجمل قضاياه بالمناسب من النصوص، استقيناها من الكتابات الإصلاحية للفترة، وبصفة أخص أعمال وزير المعارف آنذاك، بقي علينا أن نجيب على بعض التساؤلات من مثل: هل أخذ النظام بعين الاعتبار واقع المغرب الذي يرزح تحت نير الاستعمار؟ وهل تضمن أهدافا وطنية توعي الناشئة بذلك الوضع، وتهيئهم للرد على تحديات المستعمر؟ وإذا وجدت تلك المقاصد، فهل أدركها العلماء من الوهلة الأولى؟ وماهو موقفهم منها؟ تلك أسئلة ستحيلنا على مسيرة الإصلاح أو النظام قبل أن يتجسد على أرض الواقع.
في البدء لابد من الإشارة إلى الهجمة العسكرية الاستعمارية على المغرب، التي انتهت باحتلاله، وفرضت عليه الحماية سنة: 1912، قد استتبعت وضع كماشتها على اختصاصات المخزن، الذي كان يستعد للدخول في مجموعة من الاصلاحات، فاغتصبها منه المستعمر، ولم يزد على أن يسرع من وتيرتها ووجهها لصالحه، وحينئذ بادر المخزن إاى ما بقي بين يديه من سلطة دينية، فانطلق يباشر مجموعة من الإصلاحات الدينية والأخلاقية للمجتمع، وستكون الحركة السلفية، هي الإطار الوحيد وبامتياز، التي ستهيئ له الوسائل الكفيلة بتلك الإصلاحات، ولهذا فمن الخطأ الاعتقاد أن توقيع عقد الحماية لم يبق للسلطان أي دور في مقاومة منافسيه، بل على العكس من ذلك فإن السلطة الدينية التي بقيت له، حاول تكييفها حتى تواجه سياسة الأجنبي المغتصب، وهذا هو تفسير دلالة الحركة التي ابتدأت بأبي شعيب الدكالي، ثم تقوت بقاضي فاس الجديد بن العربي العلوي. فمن خلال هذا الإطار السلفي سيستمد الإصلاح نسغه، ولهذا فإن بعده السياسي ثاو في الانتماء لحركة جمال الدين الأفغاني ومحمد بن العربي العلمي عن زعامة الأزهر السياسية وإشعاعاته "تمخض الأزهر في أواخر القرن التاسع عشر عن حركة إصلاحية شاملة بيد أن هذه الحركة لم يكن رافع لوائها أزهريا وإنما كان فذا عبقريا من أولئك العباقرة الأفذاذ الذين قلما يجود الدهر بأمثالهم، ذلكم هو السيد جمال الدين الأفغاني حكيم الشرق وإمام النهضة الحديثة وقطب دائرة الإصلاح، فما كاد السيد جمال الدين يستقر بمصر حتى أخذ على عاتقه مهمة إيقاظ الشرق من سباته العميق، وقد وجد في الأزهر تربة صالحة لغرس بذوره الطيبة التي لم تلبث أن آتت أكلها، فالتف حول السيد طائفة من الأزهريين هم قادة الفكر في الشرق الحديث، ورواد نهضته، وكان أبرز هؤلاء، وألمعهم الأستاذ الإمام الشيخ عبده قدس الله روحه".
وإن المقارنة بين ماجاء به النظام، وإصلاح الأزهر آنذاك كاف لتقرير وتأكيد ماألمعنا إليه، والكتابات الإصلاحية لوزير المعارف محمد بن الحسن الحجوي، كثيرا ماكانت تستحضر صراحة أو ضمنا مزايا نظام الأزهر.
إذا كان هدف المخزن من النظام هو تحقيق الأبعاد التي تبنى الإصلاح، وحاول احتواءه وتوجيهه لصالحه، يقول R.Gaudefroy "طرحت قضية إصلاح القرويين بمجرد إقامة الحماية الفرنسية على المغرب، اهتم به المثقفون المغاربة لأنهم رأوا فيه نهضة للدراسات الإسلامية، هذا وإن فرنسا لتعلم جيدا أن القرويين كان دائما مركزا لنشر الإسلام، وأن نهضته يمكنها أن تؤجح شعور الكراهية والعداء تجاه فرنسا. إن أمر القرويين يهمها، وهذه هي الأسباب التي تدعو فرنسا حسب M/Martyعلى المساعدة على النهوض بالقرويين.
1- ...إنه بالنسبة لفرنسا ميزة، حيث ستتمكن بواسطته من تجميع طلبة المغرب في القرويين وممارسة نوع من التوجيه الروحي عليهم بكل سهولة، ولهذا فإنه حينئذ لايمكن أن يسمح للمغاربة بإنشاء جمعيات للتعليم الإسلامي الحر، الذي تتعذر علينا مراقبته.
2- سيكون لهذا الإصلاح صدى طيب في العالم الإسلامي، وسيكون ورقة رابحة لفرنسا، لأنها ستظهر بمظهر المحافظ على التراث والعلوم الإسلامية. كما أن له نتائج على الصعيد الداخلي، فأبناءالطبقة الميسورة سينجدبون إلى دروس القرويين، ويلازمون فاس بدل ارتياد جامعات إسلامية خارج حدود الوطن.
3- إذا لم تبادر فرنسا إلى الإمساك بهذا الإصلاح، فإنه سيجري بأياد غير أيادينا، ولن يكون حينئذ الاضدنا، ينبغي الحذر من أخذ الأجانب بمبادرة الإصلاح واستغلال تطلع معظم الأساتذة، كما يظهر، وستبادر بورجوازية فاس إلى تحقيقه فتأثير الصحافة المشرقية، وخاصة منها التونسية له صدى طيب في فاس التي استقرت فيها جالية تونسية هامة.
4- ينبغي لجامعة القرويين أن تكون إداريين قادرين على التعاون مع فرنسا، إننا لايمكننا أن نتعاون مع الإداريين القدامى الذين تكونوا في القرويين، إننا بحاجة إلى إداريين جدد ذوي عقلية متفتحة يلزم تكوين إداريين مقتدرين وبأخلاقية إدارية معتبرة.
مسيرة النظام التاريخية، أو الإصلاح بين تياري الرفض والقبول:
إذا كان خطاب سنة 1943، قد احتفا بمرور سبع سنوات على تطبيقه بجامعة القرويين، وخمسين على الأخذ به في جامعة ابن يوسف، فإن المتتبع لمسيرة هذا النظام من يوم الدعوة إليه إلى تاريخ الشروع فيه، يعتريه نوع من الاستغراب الناجم عن تراخي وتطاول المدة الزمانية.
عرض محمد بن الحسن الحجوي مشروع النظام على علماء القرويين في عهد المولى يوسف سنة 1914 لكن العلماء لم يستجيبوا له بسبب الظرفية الاستعمارية التي احتفت به، وبعد ثلاث سنوات أي سنة 1917 عاود نفس الوزير عرضه ثانية على العلماء، وظل يدافع عنه، غير أن التيار المضاد بقي مهيمنا، ومع ذلك أصر الحجوي على عرضه والدفاع عنه بالمواجهة والمحاضرة، والكتابة، إلى أن تغلب تيار المثقفين المتنورين على التيار المحافظ، فتراجع هذا الأخير، فجاء ظهير 4 حجة 1351هـ 31 مارس 1933، بتنظيم كلية فاس مع إعطاء مدة ثلاث سنوات مهلة، لغاية مايقتنع بجدواه، ليدخل حيز التطبــيق ابتــداء من سنة 1936.
أما عن أصداء النهضة في جامعة ابن يوسف، فيقول الأستاذ عبد الله ابراهيم في معرض حديثه عن الحركة الوطنية في مراكش خلال الثلاثينات، وكان زعيمها والشاهد عليها يقول: "ابتدأت هذه الحركة سنة 1934 في جماعة تنتمي إلى الجامعة اليوسفية آنذاك كان ابن يوسف آنها يعج بالطلبة الأفاقيين والمقيمين، وكان بين أحضانه جماعة متفتحة من الطلبة يتراوح عدد أفرادها بين 6 إلى 10 أشخاص، كانوا ينتمون إلى ابن يوسف، لكنهم كانوا يتطلعون إلى ماهو أحسن. فالدراسة في ابن يوسف تتوفر على مجموعة من الأساتذة كل واحد منهم يكرر نفسه، وكان التركيز بالدرجة الأولى على الفقه والنحو "الشيخ خليل والألفية هما الحكمة المخفية" كانت تدرس الأجرومية وتخرج فيها عدة سلك، وشروح الشيخ خليل، وشرح الألفية، وقد كان من المطالب الأولى لهذه الجماعة تنظيم الدراسة، واتجاهها هذا اصطدم بعراقيل من مجموعة من المحافظين، بدعوى أن الجماعة ستقدم هذا التعليم الديني الأصيل إلى الفرنسيين. هذه حجتهم، ولاينبغي أن نخسر منها فهي غير فاسدة، نعم أن فرنسا بإمكانها ركوب هذا التنظيم لمراقبة التعليم في الجامعة اليوسفية، فتترك من تشاء، وتقف في وجه من تشم فيه شيئا من التمرد. على كل حال أننا كنا أحرارا في قراءة المواد التي نريد وكنا على اتصال بكل ما يجري في الشرق، فعن طريق مصر تعرفنا على ما يجري في الهند، تعرفنا مثلا على أفكار غاندي، وتعرفنا على سعد زغلول، وكان بعضنا يحفظ نصوصه"
وإذا فقد نشأت مجموعة مراكش الوطنية في أحضان الجامعة اليوسفية وكان من بواكير نضالها؟ المطالبة بتطبيق النظام على غرار ما جرى به العمل في فاس، ولم يكن الصدع بهذا المطلب أمرا ميسورا، فقد كان التيار المحافظ له بالمرصاد، غير أن أخذ هذا المطلب بقوة، والإلحاح في الاستجابة له، والإقناع بجدواه، لم يلبث كل ذلك أن أتى أكله.
يقول المرحوم، عبد القادر حسن في استجواب له، نشر في أنوال الثقافي: أ.ث: حصلتم على شهادة العالمية من ابن يوسف؟
عبد القادر حسن: لم تكن آنذاك شهادات، ولا أي شيء من هذا النوع. فإن ابن يوسف لم يكن منظما، فنحن الدين طالبنا بتنظيم الدروس، على غرار دروس القرويين، فهي الوحيدة التي كانت آنذاك منظمة وتعطي شهادات، واذكر أن أول حركة قمنا بها في مراكش أنا والأستاذ عبد الله إبراهيم والمرحوم الملاخ، وبعض الطلبة القليلين سنة 1933-1934، هي تقديم عريضتين ساهم بإمضائهما معنا العلماء على قلتهم: والحكاية برمتها أشرت إليها في مذكراتي التي ستطلعون عليها حينما يقدر لها أن تعرف النور.
أ,ث: ماهو محتوى العريضتين؟
عبد القادر حسن: العريضة الأولى كانت تطالب بتنظيم الدروس، على غرار القرويين، أما العريضة الثانية، فكانت تطالب بفتح خزانة ابن يوسف لعموم الطلبة، للاطلاع واستعارة الكتب، ولم يستجب لهذه الرغبة إلا بعد أكثر من سنتين، وبعد معاناة، والقيام بكل مامن شأنه أن يعجل بهذين المطلبين".
ارتبطت جماعة مراكش على غرار غيرها من الجماعات المغربية سياسيا وثقافيا بلحظة من لحظات المشرق، ومن خلالها كانت تتعرف على الحركات التحررية في الشرق الأقصى، وقد وعت هذه الجماعة البعد الإيديولوجي للنظام، فأخذت على غرار مثيلاتها بالسلفية، وفي هذا الإطار كانت تميز بين سلفيتين، يقول عبد الله إبراهيم: تنبغي الإشارة إلى أن التيار السلفي تياران أحدهما ثوري وهو تيار جمال الدين الافغاني، وآخر معتدل وهو تيار محمد عبده، وهو فكر فقهي مستحدث، وهذا الأخير هو الذي كان له دور كبير في المغرب".
لقد حقق النظام بالرغم من احتيال المستعمر على الركوب عليه، ولاأدل على ذلك من انبثاق الحركة الوطنية من حلقات جامعتي القرويين وابن يوسف، وكانت دروس العلماء تمتاح من أبعاد النظام التربوية والعلمية والسياسية، كانت دروس الزعيم علال الفاسي تحمي الروح الوطنية، وتتهم سياسة المستعمر، وتفضحها وتحاصرها و ولهذا كانت أعين المستعمر تراقب هذه الدروس، وتتعسف أحيانا بالمنع والمتابعة والاعتقال يقول Attillo Gaudio"بمجرد ما تخرج علال الفاسي من جامعة القرويين، بادر إلى التطوع بتدريس تاريخ الإسلام في هذه الجامعة، وكانت دروسه ملتقى للنخبة المتنورة من الشباب وعامة الشعب، وعندما علمت الحماية بما يدور فيها، منعت هذه الدروس وحاولت إلقاء القبض عليه"، وسارت السلطات الاستعمارية على نفس النهج في التنكيل بعلماء مجموعة ابن يوسف، وليس من باب الصدف أن يقترن نفي الزعيم علال الفاسي في غياهب سجون تارودانت ، ومن هؤلاء شيخ الجماعة بلحسن الدباغ، وعبد القادر المسفيوي، وأحمدبنفضيل وابن عبد الرزاق وعبد الله ابراهيم، وعبد القادر حسن، أما المختار السوسي فقد نفي إلى إلغ.
إن النظام، كما يظهر من خلال تحليلنا لخطاب 1943، برنامج إصلاح راهن على الرد على عدة تحديات، تربوية وثقافية وسياسية وقد نجح في جميع واجهاته المصرح به والضمني.
أما الجامعتان، بالمفهوم الأزهري لا الغربي، جامعة القرويين وجامعة ابن يوسف، فقد كانتا مركزين شعت منهما أنوار النظام، وأطبقت على بقية أنحاء المغرب شماله وجنوبه
|